ولدت بنتي لوحدي ج٢

العربية كانت بتتحرك في شوارع القاهرة المزدحمة، وكنت ببص في المراية اللي في النص، شفت عربية إبراهيم لسه ورايا، بيحاولوا يداروا نفسهم وسط الزحمة. دينا كانت سايقة بثبات، وعنيها بتراقب الطريق بتركيز ضابط محترف. مش هيسيبوكي يا نور، واضح إنهم حاطين في دماغهم إنهم يكسروكي قبل ما كريم يوصل.
خليهم ييجوا يا دينا، قلتها وأنا بضم حور اللي كانت نايمة بعمق في كرسي الأطفال. أنا بقالي سنين بخاف منهم، النهاردة أنا اللي هخليهم يخافوا من اللي جاي.
وصلنا لمقر النيابة اللي دينا رتبت فيه الميعاد. نزلت من العربية، ورفعت راسي للسما. الهواء كان رطب وحار، بس أنا كنت حاسة ببرودة أعصابي. إبراهيم ركن عربيته بعيد شوية، نزل منها ومعاه اتنين من قرايب نادية. كانوا فاكرين إنهم جايين يخوفوني قدام باب النيابة، زي ما اتعودوا يعملوا في بيتنا.
إبراهيم قرب مني، وعينه مليانة غل. انتي فاكرة إنك لما تروحي للنيابة هتحمي نفسك؟ ده إحنا هنقول إنك سرقتي فلوس العيلة وهربتي بالبنت!
بصيت له ببرود، وما طلعتش ولا كلمة. دينا وقفت جنبي، وفتحت شنطتها وطلعت حافظة ورق كبيرة. يا إبراهيم، كل كلمة بتقولها النهاردة بتتحول لمحضر إثبات حالة. وجودكم هنا، ومطاردتكم لنور، ده في حد ذاته إزعاج وتهديد، والقانون
في مصر دلوقتي بقى له عين.
إبراهيم اتلجلج، وبص للرجالة اللي معاه. كان باين عليهم إنهم مترددين. هما متعودين على البلطجة في الحواري، مش على المواجهة في ساحات القانون.
دخلنا جوه. كان مكتب وكيل النيابة هادي، ريحة الورق والبيروقراطية كانت في كل حتة. حكيت كل حاجة. كل التفاصيل اللي كتبتها في النوت بوك بتاعي. حكيت عن التهديدات، عن الابتزاز، عن اقتحام البيت، وعن التهديد المبطن اللي أمي قالتهولي وأنا لسه والدة. وكيل النيابة كان بيسمع وبيدون، ووشه كان بيبان عليه الاستغراب من كمية الظلم اللي اتعرضت له.
يا مدام نور، قال وكيل النيابة بصوت جدي، دي قضايا ابتزاز وتهديد صريحة. المحضر ده هيتفتح، وهنستدعي والدتك وأختك للتحقيق.
في اللحظة دي، حسيت إني أخيراً اتنفس. القوة اللي كانوا سارقينها مني رجعت لي في شكل ورقة رسمية مختومة بختم النسر.
خرجنا من النيابة، وكانوا لسه موجودين. إبراهيم وقف قدامي، بس المرة دي كان وشه أصفر. انتي عملتي إيه؟
أنا عملت اللي المفروض يتعمل من سنين، قلت له وأنا باصة في عينه مباشرة. روح بلغ نعمت ونادية إن اللعبة خلصت. من النهاردة، أي اتصال، أي رسالة، أي محاولة اقتراب من بيتي أو بنتي، هتكون تذكرة دخول للحبس. روح وقولهم إن نور اللي بتخاف ماتت، واللي قدامك دي واحدة تانية خالص.
ركبت العربية مع دينا، وسيبناهم واقفين وسط الشارع، تايهين ومش فاهمين إيه اللي حصل. دينا ضحكت وقالت يا بنت اللعيبة.. منظرهم كان يجنن!
لسه يا دينا، لسه.. ده مجرد بداية.
وصلنا البيت، قعدت ألملم شتات نفسي. كريم كلمني تاني، صوته كان متغير، كان فيه نبرة غضب مكتومة. نور، أنا في المطار. ساعتين وهكون عندك. إبراهيم اتصل بيا من شوية وهددني لو ما أقنعتكيش تتنازلي عن المحضر، هيعملوا فضيحة في شغلنا.
خليهم يعملوا يا كريم، قلت له بقوة. اللي بيعمل كده بيبقى عايز يغطي على خيبته. أنا مش هتنازل. المحضر ده هو اللي هيحمينا.
أنا معاكي يا نور. أنا مش هسمح لحد يمسنا.
قعدت أستنى كريم. البيت كان هادي، بس كان هدوء ما قبل العاصفة. كنت عارفة إن أمي مش هتسكت. نعمت ست طموحة في أذيتها، وهتستخدم كل كارت معاها. بدأت أفكر في نادية، يا ترى هي بتفكر في إيه؟ هي اللي كانت دايماً بتتحجج بالعيال، هي اللي كانت بتدير كل حاجة من ورا الستار.
حور صحيت وطلبت رضاعة. كنت بهزها، وفجأة الموبايل رن. رقم نادية.
فتحت الخط من غير ما أتكلم.
انتي فاكرة إنك انتصرتي يا نور؟ صوت نادية كان بارد ومستفز. انتي بتدخلي نفسك في حوارات هتنهي مستقبلك. كريم مستقبله في الجيش، وانتي عايزة تضيعيه بقضايا ومحاضر؟ ده إنتي أنانية وماتحبيهوش.
انتي اللي أنانية يا نادية، رديت بصوت واطي ومسيطر. انتي اللي بقالك سنين بتسرقي تعبي وبتسميه مساعدة. وأنا مش هسمحلك تلمسي مستقبلي ولا مستقبل كريم تاني. إنتي اللي نهيتي كل حاجة لما اخترتي تستغلي بنتي اللي لسه خارجة للدنيا.
إحنا أهلك يا نور! العيلة اللي ربتك!
لا، أنتم العيلة اللي علمتني إزاي أعتمد على نفسي، وأعلمكم إن كل غلطة ليها تمن.
قفلت الخط. مفيش دموع، مفيش وجع. كان فيه بس حقيقة واحدة أنا بقيت أقوى من ذكرياتهم.
كريم وصل البيت بعد ساعتين. كان شكله مجهد، بس أول ما شافني وحور، حسيت بالراحة. ضمني لحضنه، وشميت ريحة البذلة العسكرية بتاعته، الريحة اللي دايماً كانت بتطمني. أنا آسف، قال وهو بيلمس شعري. آسف إني سبتك تواجهي ده لوحدك.
مش وقته يا كريم، قلت له وأنا ببعد عنه شوية. دلوقتي إحنا لازم نركز في الخطوة الجاية. هما مش هيسكتوا.
عارف، قال وهو بيطلع موبايله. أنا كلمت المحامي بتاعنا، وهنجهز لقضية حماية. وهنغير أرقامنا تماماً. هما مش هيوصلوا لنا تاني.
قعدنا سوا، بنراجع الخطوات. حسينا إن البيت بقى قلعة. كريم أخد حور في حضنه، وأنا قعدت أكتب في النوت بوك. حسيت إن حياتي بدأت تأخذ شكل تاني.. شكل أنا اللي مختاراه.
بس فجأة، سمعت صوت حاجة
لمحة نيوز

