ولدت بنتي لوحدي ج٢

الأصل!
أنا ما اتحركتش. فضلت واقفة مكاني، حاطة إيدي في جيوب الجاكيت، وباصة لهم ببرود تام. أنا ما بعتش حد يا نادية.. أنتم اللي بعتوا نفسكم بالغل والطمع اللي جوه قلوبكم. أنتم اللي اخترتوا تكونوا مجرمين، وأنا اخترت أكون حرة.
نعمت رفعت عينها وبصت لي، ولأول مرة، شفت في عينيها حاجة غير السخرية.. شفت ندم. ندل مش على أفعالها، لكن ندم على إنها خسرت البنك بتاعها. يا نور.. ده إحنا أهلك.. ده الدم مبيصيرش مية.. قالتها بصوت واطي ومتقطع.
الدم بيبقى مية يا ماما لما بيتروى بالسم، رديت بوجع حقيقي، مش ضعف. أنا طول عمري كنت بدور على أم، مش على سجّانة. طول عمري كنت بتمناها تكون جنبي، مش فوق رقبتي. أنتم اللي قتلتوا كل حاجة حلوة كانت بتربطني بيكم، مش أنا.
الشرطة أخدتهم وركبوهم بوكس الشرطة، والصوت اللي كان دايماً بيخوفني، صوت نعمت العالي وصوت نادية المتربص، بدأ يقل ويقل لحد

ما اختفى تماماً.
كريم حط إيده على كتفي، وحسيت براحة تامة. خلاص يا نور.. انتهت.
مشيت خطوة ناحية البحر، وقفت أتفرج على الأمواج وهي بتخبط في الصخور. حسيت بدموع بتنزل من غير ما أحس، دموع غسلت كل وجع السنين اللي فاتت. اتصلت ب بابا، اللي كان دايماً في النص، بيسمع ولا يتكلم. يا بابا.. أنا سامحتك، بس مش هينفع نرجع زي زمان. لازم تبدأ حياة جديدة، بعيد عنهم.
قفلت معاه، وبدأت أكتب في النوت بوك بتاعي اللي كان دايماً رفيقي. كتبت آخر فصل نور ونور.. حكاية ست قررت ما تبقاش ضحية، ولقيت في نفسها القوة إنها تبني حياة جديدة فوق رماد اللي حاولوا يهدوها.
رجعنا البيت، والبيت بقى ليه طعم تاني. حور كانت بدأت تكبر، بدأت تضحك، وبدأت تحس إنها في بيت مش ساحة معركة. كريم أخد إجازة طويلة، وقعدنا نفكر في مستقبلنا. قررنا نسافر بعيد، نغير جو، ونبدأ صفحة بيضا تماماً.
بعد شهر من القضية، الحكم صدر. نادية ونعمت خدوا أحكام سجن بتهم الابتزاز وتلفيق التهم. ما حسيتش بفرحة انتقام، حسيت براحة العدل. العدل اللي الواحد بيحتاجه عشان يكمل حياته من غير ما يفضل باصص لورا.
في يوم، وأنا بلم هدومنا عشان السفر، لقيت شنطة صغيرة فيها حاجاتي القديمة، لقيت فيها صورة ليا وأنا لسه صغيرة، كنت حاضنة نادية، وكانت أمي واقفة ورانا بتضحك. قعدت أتأمل الصورة.. كان فيه حب، كان فيه براءة، فين راحت كل الحاجات دي؟ ليه اتغيرنا؟
قمت، وقطعت الصورة نصين. نص فيه صورتي، ونص فيه صورتهم، ورميتهم في سلة الزبالة. مش عشان مش عايزة أفتكر، بس عشان الوجع اللي في الصورة كان لسه بيحرقني.
كريم جه من ورايا، حضني، وباس خدي. جاهزة للحياة الجديدة؟
جاهزة أكتر من أي وقت فات.
حور كانت بتلعب باللعب بتاعتها على السجادة، ضحكتها كانت بتملأ البيت دفا. بصيت لهم، بصيت للراجل اللي حماني، وللبنت اللي بتبني مستقبلي، ولنفسي.. نور اللي اتعلمت إن الضعف مش قدر، وإنه مجرد مرحلة لو قررنا نعديها، هنوصل لحتة تانية خالص.
خرجت من البيت القديم، قفلت الباب ورايا، رميت المفتاح في علبة الكالون، وسبت ورايا كل الخوف، كل التهديد، كل الابتزاز. ركبت العربية، وسقت في طريق مفتوح. كانت الشمس طالعة، والطريق كان واسع، واسع زي أحلامي اللي بدأت أحلمها من جديد.
ما بقتش بنت نعمت، وما بقتش البنك بتاع نادية. بقيت نور بس. نور اللي بتعرف تحب، بتعرف تحمي، وبتعرف تبدأ من أول وجديد مهما كان اللي عدى.
في المراية، شفت انعكاس وشي.. كان فيه تجاعيد بسيطة من التعب، بس كان فيه لمعة في عيني، لمعة القوة، لمعة الحرية.
بدأت أغني، غنيت أغنية قديمة كانت أمي بتحبها، بس غنيتها بصوتي أنا، غنيتها عشان أقول للماضي سلام، وعشان أقول للمستقبل أهلاً بيكي.
الحكاية ما كانتش عن الهروب، الحكاية كانت عن الرجوع.. الرجوع لنفسي.
النها

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *