اماني السيد الجزء الاخير

اتنقلت لجناح معزول في قصر حمايا، أو بمعنى أصح “زنزانة خمس نجوم”. حراسة على الباب، دكتورة وممرضة مقيمين معايا على مدار الساعة، وتليفوني اتسحب مني عشان أكون مقطوعة تماماً عن العالم. مرت الشهور وبطني بتكبر ومعاها حركة الولدين اللي بقيت أحس بيها بتخبط في جدار روحي. كل دقة من قلبهم كانت بتفكرني بالجريمة، لكن في نفس الوقت كان بيتولد جوايا إحساس غريب؛ هما جزء مني، كبروا بدمي ونبضات قلبي، حتى لو كان العلم والورق المزور بيقولوا غير كده.
نانسي كانت بتدخل الجناح كل يوم، تتبختر بفستانها وتتفرج عليا باستهزاء:
عارفه انا وحازم كل يوم نفضل نختار اسماء الاطفال وبنفكر فى يوم السبوع اللى هعزم فيه كل الناس وانا وقتها ابقى بكامل اناقتى وشايله الطفلين اللى انتى خملتى فيهم وتعبتى فيهم وهما يا حرام مش ولادك.
بس ممكن اشغلك داده عندى تهتمى بيهم وتربيهم ووعد منى يوم ولادتك هخلى حازم يرميلك ورقه طلاقك.
هانت يا شاطرة.. جهزي نفسك للولادة والشنطة اللي هتمشي بيها، الولاد دول هينسوا حتى ملامحك وهينادولي أنا بـ “مامي”.
تخيلى كده فى لحظه كل حاجه هتبقى ملكى ولدين من دمى ومحملتش فيهم ولا شلت هم وراحل بيبوس التراب الى بمشي عليه وبينفذلى كل حاجه واكبر حفله واحلى عيشه كل ده عشان ارضى عليه.
كانت بتقول كلامها وهى بتبصلى بشماته وبتحاول تقهرني.
كنت بسكت وببلع السم، عيني مثبتة على نقطة فراغ في الحيطة، ومظهره ليهم الاستسلام والضعف التام، لحد ما دخلت الشهر التاسع.
في ليلة باردة، حسيت بأول طلقة وجع حادة قطعت نفسي.. وجع الولادة بدأ.
اتنقلت فوراً للمستشفى الخاص بتاع العيلة وسط استنفار كامل من حمايا وحازم ونانسي اللي كانت واقفة برة مستنية اللحظة اللي هتمسك فيها الولدين. دخلت أوضة العمليات، والدكتور كان بيستعد للجراحة القيصرية وهو بيبص للممرضة بنظرات فهم متبادل.
قبل ما البنج النصفي ياخد مفعوله بالكامل، سمعت صوت صريخ أول طفل شق سكون الأوضة، وبعده بدقيقة صريخ التاني.. ولدين زي البدر، ملامحهم خطفت قلبي رغم كل الألم.
الممرضة لفتهم في بطاطين بسرعة وطلعت بيهم على برة، والدكتور بيقفل الجرح ببرود. فجأة، الباب اتفتح بهستيريا ودخل حازم وهو مبرق وعينيه مليانة جحيم، ممسك بورقة تحاليل في إيده، ووراه نانسي بتصرخ وتبكي، وحمايا ملامحه سودة كأن مصيبة نزلت فوق دماغه.
قرب حازم من السرير، صوته كان بيترعش بذهول وغضب هستيري وهو بيهز الورقة قدام وشي:
— الورق ده بيقول إيه؟! التحاليل اللي اتعملت للحبل السري فوراً بتقول إن العيال دول مش ولاد نانسي! البويضات دي بويضاتك أنتِ.. العيال دول ولادك مني أنا مش من نانسي!
ضحكت.. ضحكت من كل قلبي ووسط تعب الجرح ونزيف الولادة، وبصيت للدكتور اللي كان واقف مبتسم في ركن الأوضة، وقولت لحازم بصوت واهن لكنه كان أثقل من الجبال:
— فاكرين إنكم العصابة الوحيدة اللي بتعرف ترشي وتزور؟! الدكتور ده أمه كانت بتشتغل خادمة عند أبوك ورميتوها لما مرضت، وكان مستني اللحظة اللي يدمركم فيها.. البويضات اتبدلت من أول دقيقة يا حازم، والولدين دول ولادي أنا شرعاً وقانوناً وجينات، والورث اللي حمايا هيموت عليه.. مش هيدخل جيب نانسي منه مليم أحمر!
صوت صراخ نانسي هز أركان المستشفى كلها، انهارت على الأرض وهي بتشد في شعرها وتضرب بإيديها في الهوا بهستيريا:
— لأ مستحيل! أنتِ بتكدبي.. العيال دول ولادي أنا وحازم، أنا اللي قولتله يزرعهم! ده ابني وحقي والورث ده بتاعي أنا!
حمايا اتسمر مكانه، سيجاره وقع من إيده على الأرض، وحط إيده على صدره وهو بياخد نفسه بصعوبة ووشه بيتحول للون الأزرق من فرط الصدمة.. الملايين والشركات والورث اللي كان مشروط بالولد من دمه ودم حازم، بقى في إيد رحمة وبشروطها، وبنت أخوه المدللة خرجت من الحسبة صفر اليدين.
حازم رمى ورقة التحاليل في الهوا، وقرب من السرير وهو بينهج وعينيه زي الجمر، صوته كان مبحوح ومرعوب:
— أنتِ عملتي إيه؟! خططتي لده من إمتى؟! كنتِ عارفة وساكتة الشهور دي كلها؟!
رفعت راسي بصعوبة من على المخدة، الألم في بطني كان بيحرق بس الانتصار في قلبي كان أقوى من أي مسكن:
— ساكتة عشان اللحظة دي.. كنت مستنياك تشوف غبائك وغرورك بيوقعوك في شر أعمالك. فكرت إنك تقدر تشتري كل حاجة بفلوسك وتكسرني؟! الدكتور بلغ النيابة والشرطة رسمياً بمحاولة إجبار على تأجير الأرحام والتزوير الطبي قبل ما أدخل العمليات بساعة.. وبلاغ الاختطاف والحبس القسري محطوط على مكتب النائب العام.
في اللحظة دي، اتفتح باب الأوضة ودخلت قوة من الشرطة ومعاهم وكيل النيابة، بصوا لحازم وحمايا اللي كان بيتسند على الحيطة بنظرات حاسمة:
— الأستاذ حازم والأستاذ نصر المنشاوي؟ مطلوب القبض عليكم بتهمة خطف واحتجاز قسري وتزوير تقارير طبية ومحاولة إجراء عملية غير قانونية.
نانسي حاولت تجري ناحية الحضانة عشان تاخد الولاد، بس ممرضتين منعوها بقوة، والظابط شاور لعسكري يقفل عليها الطريق.
حازم بص لي بنظرة كلها كسر ورجاء لأول مرة في حياته، شفايفه بتترعش:
— رحمة.. أنا أبوهم، أرجوكي.. متعمليش فينا كده!
بصيت له بقرف وبرود يشبه البرود اللي رماني بيه زمان:
— أبوهم في شهادة الميلاد بس، لكن في حياتهم مالكش وجود.. الورقة اللي مضيتوهالي بالإكراه النيابة اعتبرتها دليل إدانة ضدكم. والولدين دول، هيعيشوا معايا ومش هيشوفوا منك ولا من عيلتك غير العار اللي هتلبسوه في .
خرجت القوة وهي كلابشاتها في إيد حازم وباباه، وصراخ نانسي مالي الطرقة، بينما دخلت الممرضة وجابت لي ولادي الاتنين وحطتهم في حضني.. بصيت لملامحهم البريئة، وضميتهم لصدري وأنا بتنفس حرية لأول مرة من سنين.
مرت الشهور، وتحولت ساحات المحاكم لساحة تصفية حسابات نالت فيها رحمة حقها تالت ومتلت.
المحامي اللي تولى القضية استند على تسجيلات كاميرات المراقبة، وشهادة الدكتور، وتقارير الطب الشرعي اللي أثبتت التخدير القسري والتزوير في الأوراق الرسمية. الأحكام نزلت زي الصاعقة على حازم وأبوه؛ أحكام بالسجن المشدد بتهم الخطف، والاحتجاز دون وجه حق، ومحاولة إجراء عملية غير قانونية مع تزوير أوراق نسب.
في نفس الوقت، رفعت رحمة دعوى طلاق للضرر وحصلت عليه بحكم نهائي مع كامل حقوقها الشرعية من مؤخر ونفقة عدة ومتعة بمبالغ خيالية قدرت بالملايين. وما وقفتش عند كده، بل رفعت قضايا تمكين، وحضانة للتوأم، ونفقة مأكل وملبس ومسكن ورعاية طبية بمبالغ باهظة تناسب الثراء الفاحش لعيلة حازم، واتحكم لها بكل طلباتها بحكم القانون.
أما نانسي، فبعد ما خسرت حلم الثروة وطُردت من القصر بعد التحفظ على جزء كبير من ممتلكات العيلة لتسديد التعويضات، انتهى بيها الحال وحيدة ومنبوذة وسط مجتمعها، بتلاحقها الفضايح ونظرات الاحتقار في كل مكان.
وقفت رحمة قدام باب المحكمة في آخر جلسة، ماسكة إيدين أولادها الاتنين في عربيتهم، رافعة راسها وواقفة على أرض صلبة بعد ما استردت كرامتها وحريتها وأمنت مستقبل ولادها بالكامل، لتثبت لنفسها وللدنيا إن القوة الحقيقية مش بالنفوذ والفلوس.. القوة في الحق اللي ما بيضيعش وراه مطالب.
بصت للولدين في عربيتهم؛ كانوا نايمين بملامح بريئة وهادية، وشوشهم منورة ونقية مفيهاش أي أثر للشر اللي كان بيحاوطهم قبل ما يتولدوا. سمّتهم “ياسين” و”يحيى”، أسماء اختارتها عشان تفضل تفكرها بالحياة الجديدة والنصر اللي ربنا كتبهولها.
اشترت شقة واسعة في حي راقي وهادي بالتعويضات والأموال اللي اتحكم لها بيها، بعيد تماماً عن القصر وعن الذكريات السامة. أسست بيتها بذوقها البسيط والدافي؛ مليان نور وزرع وضحكات طفلين بقوا هما محور كونها.
أما الشركات والممتلكات اللي كانت العيلة مستعدة تدوس على كرامة البشر عشانها، اتعين عليها حارس قضائي، وبقى جزء كبير من أرباحها بيتحول شهرياً لحساب مجمد باسم التوأم تحت وصايتها، علشان يكبروا وهما أصحاب الحق والكلمة الأولى والأخيرة، مش مجرد أدوات في لعبة طمع.
بعد مرور سنة، وقفت رحمة في بلكونة بيتها الجديد وهي شايلاهم بين إيديها الاتنين، بيبتسموا ليها وبيحاولوا ينطقوا أول حروف كلماتها. ابتسمت برضا وسلام داخلي حقيقي، وبصت للسما وهي حاسة إن العدالة خدت مجراها بالكامل، وإن أصعب الفصول في حياتها اتقفلت للأبد.. عشان تبدأ قصة تانية خالص، عنوانها القوة والأمومة والكرامة اللي مفيش فلوس في الدنيا تقدر تشتريها.




