روايات احمد عمار

كنت فاكرة إن أصعب لحظة في حياتي كانت يوم العملية العسكرية.
طلعت غلطانة.
أصعب لحظة كانت وأنا على سرير المستشفى، جسمي كله مربوط بالأسلاك، والحوض مكسور، وضلعين متشرخين، والدكاترة بيقولوا إن قدامي شهور طويلة من العلاج والتأهيل
وأنا مش خاېفة على نفسي.
كنت خاېفة على ولادي.
توأمي.
لسه مكملين سنة.
وكانوا بعيد عني.
مسكت الموبايل بإيد بتترعش، واتصلت بأمي.
أول ما سمعت صوتها، قلت
ماما أنا محتاجة منك حاجة.
ردت ببرود
خير؟
أنا في المستشفى، ومش هقدر أرجع البيت دلوقتي. ممكن تاخدي الولاد عندك كام أسبوع؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
إنتِ عايزانا نشيل مسؤولية عيال كمان؟
اټخضيت.
ماما، دول ولادي.
وأنا عندي حياتي.
عارفة بس أنا محتاجة مساعدتك.
ضحكت ضحكة قصيرة.
أنا عندي مواعيد، وعندي النادي، وعندي حياتي. أختك عمرها ما بتعمل فينا كده.
اتوجعت أكتر من ألم الإصابة.
قلت
يعني مش هتساعديني؟
ردت
مش دلوقتي.
وقبل ما أتكلم، قفلت الخط.
فضلت باصة للسقف.
الصوت الوحيد في الأوضة كان صوت جهاز المراقبة.
بيب
بيب
بيب
وساعتها افتكرت حاجة.
حاجة كان واضح إنهم هما نفسهم نسيوها.
البيت اللي عايشين فيه؟
أنا اللي بدفعه.
العربية؟
أنا اللي بدفع أقساطها.
التأمين؟
أنا اللي بدفعه.
عضوية النادي؟
أنا اللي بدفعها.
حتى مصاريف الصيانة، والضرائب، والسفر، وبعض ديون أبويا القديمة
كلها كانت بتطلع من فلوسي.
كنت طول عمري شايفة إن ده اسمه مساعدة العيلة.
لكن في اللحظة دي
لأول مرة سألت نفسي
هو أنا كنت بساعدهم؟
ولا كنت ببني لهم حياة كاملة وأنا واقفة بره حياتهم؟
مديت إيدي للموبايل.
واتصلت بالمحامي.
قلتله
عايزاك توقف كل التحويلات.
سألني
كلها؟
كلها.
متأكدة؟
بصيت للسقف.
جدًا.
وبدأت القائمة.
الكروت.
العربية.
النادي.
التحويلات الشهرية.
المصاريف.
المصاريف الخاصة بأختي.
كل حاجة.
في خلال ساعات
الحياة اللي كانوا متعودين عليها اختفت.
العربية اتوقفت.
الكروت اترفضت.
التحويلات اختفت.
والبيت نفسه
اكتشفت إن ملكيته القانونية أصلًا كانت راجعة لشركة أنا المالكة ليها.
بعد ساعات قليلة، موبايلي بدأ يهتز.
مرة.
واتنين.
وعشرة.
أمي.
أبويا.
أختي.
أرقام ماعرفهاش.
ما رديتش.
كنت عايزة أشوف مين هيفتقدني
ومين هيفتقد فلوسي.
لكن بعد يومين، المحامي اتصل.
وصوته المرة دي ماكانش طبيعي.
قال
لازم نتكلم.
في إيه؟
لقيت تحويلات غريبة مرتبطة ببيت أهلك.
قد إيه؟
سكت لحظة.
حوالي 78 ألف.
اتعدلت في السرير.
78 ألف إيه؟
دفعات اتصرفت على البيت خلال الفترة اللي فاتت.
وأنا اللي دفعتها؟
أيوه بس المشكلة إنك ماطلبتيش بعضها.
قلبي بدأ يدق أسرع.
يعني إيه؟
قال
فيه كمان تجديدات في البيت مرتبطة باحتياجات طبية.
سكت.
احتياجات طبية لمين؟
قال
لأختك.
أنا ماعرفتش أتكلم.
أختي؟
مريضة؟
إزاي؟
وليه محدش قالي؟
في اللحظة دي، كل ڠضبي اختفى.
وحل مكانه خوف.
اتصلت بيهم.
المرة دي أمي ردت.
قلت
أختي مريضة؟
صمت طويل.
وبعدين سمعت صوت أبويا.
مين قالك؟
غمضت عيني.
يعني فعلاً مريضة؟
أبويا قال
بقالها تلات سنين.
حسيت كأن حد ضړبني في صدري.
تلات سنين؟
أيوه.
وأنا أختها ومحدش قالي؟
محدش رد.
صړخت
ليه؟
أمي بدأت تبكي.
كنا خايفين منك.
خايفين مني؟
كنا عارفين إنك هتدخلي وتحاولي تحلي كل حاجة بفلوسك.
قلت
وأنا كنت هعمل إيه غير كده؟
صمت.
كنت هساعدها.
رد أبويا
وده اللي كنا خايفين منه.
مافهمتش.
لحد ما المحامي وصلني بكل الملفات.
وهنا بدأت الحقيقة تظهر.
التجديدات الطبية في البيت كانت فعلًا لأختي.
لكن فيه حاجة غريبة.
جزء من الفلوس اتدفع





