حكايات رشا

رجعت من الوردية الليلية في مصنع تجهيز اللحوم وأنا هدومي لسه فيها ريحة الشغل، فتحت باب الشقة ولقيت أمي نايمة على الكنبة ومستنياني؛ أول ما شافتني قالت بمنتهى البرود: “على فكرة يا مريم… إنتِ مش بنتي.” وقفت مكاني وبصيتلها، فكملت وهي بتعدل قعدتها: “إنتِ في الأصل بنت عيلة الشناوي. من عشرين سنة، وإنتِ لسه مولودة، حصل تبديل بينك وبين بنتي؛ بنتي راحت مكانك واتربت وسطهم وعاشت عشرين سنة في العز… وإنتِ فضلتي هنا معايا.”
وطيت عيني وبصيت على بقعة الدم اللي كانت على كم هدومي من شغلي في المصنع، وسألتها: “وإنتِ مش خايفة إني أروح لهم وأقولهم الحقيقة؟ مش خايفة أطالب بأهلي وبحقي؟” ضحكت بصوت لدرجة أنها كحت وقالت بسخرية: “روحي… كريم الشناوي عارف الحقيقة من زمان وكل شهر بيحوّلي مبلغ محترم علشان أفضل ساكتة ومافتحش بوقي. عارف ليه؟ علشان نادين تفضل أخته، والبنت اللي عاش معاها عشرين سنة تفضل في بيتهم ومحدش يعرف إنك إنتِ البنت الحقيقية. اخبطي على بابهم وقولي لهم أنا بنتكم، وشوفي مين هيصدق واحدة طالعة من مصنع لحوم، ومين هيختارك على البنت اللي ربوها عشرين سنة.”
وفجأة، ابتسامتها اختفت؛ عينيها اتسعت واتقلبت لفوق، إيدها مسكت صدرها وبعدين جسمها مال ووقعت من على الكنبة، وإيدها اليمين فضلت تتحرك بصعوبة ناحية الموبايل اللي على الترابيزة. بصيت لإيدها وبعدين لوشها، قربت… لكن بدل ما أطلب الإسعاف، أخدت الموبايل من جنب صوابعها، سحبت كرسي وقعدت قدامها، ورفعت عيني للساعة المعلقة على الحيطة. فضلت قاعدة دقيقة ورا دقيقة لحد ما عدت ساعتين كاملين، ساعتها بس مسكت موبايلي واتصلت بالإسعاف.
لما الإسعاف وصل، أمي ما كانتش بتتحرك؛ نقلوها بسرعة وركبت معاهم للمستشفى. الدكتور كشف عليها ودخلوها الطوارئ، وبعد أربعين سنة من نور الأوضة المنور خرج وهو بينزل الكمامة وقال: “للأسف… كان عندها نزيف حاد في المخ، والحالة وصلت متأخرة جداً؛ لو كانت وصلت قبلها بساعتين تقريبًا كان ممكن يبقى عندنا فرصة نحاول ننقذها.” بصيتله بهدوء وقلت: “ربنا يرحمها… شكرًا يا دكتور.” والممرضة مدتلي الورق وسألت لو أنا أقرب حد ليها، فقلت: “أنا بنتها”، ومضيت اسمي في خانة أقرب الأقارب: مريم عبدالعال.
تاني يوم الصبح خبطت علي أم أحمد جارتنا اللي ساكنة في الدور التالت وقالت: “البقاء لله يا مريم… أمك راحت فجأة كده إزاي؟” قلت: “كان عندها ضغط وكانت مهملة في علاجها، جالها نزيف في المخ وما لحقناش نوصل المستشفى بدري.” ضربت كف على كف وقالت: “ربنا يرحمها.. بس بصي يا بنتي، أمك كان عليها شوية ديون عند البقال وفي فلوس للصيدلية وكمان مستلفة من الحاج صبري، إوعي حد يضغط عليكي ويقولك سددي مكانها إلا بيورق يثبت حقه بالقانون.” قلت: “ما تقلقيش، مش هدفع جنيه من غير إثبات.”





