وعد العمدة بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

وعد العمدة بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
كانت البلدة نايمة على حس الغيط، والهوا بيعدي بين سعف النخيل كأنه بيصفر حكاية قديمة. لكن الطمأنينة دي اتقطعت فجأة بصوت فرامل عربية جابت آخر الدنيا، تلاها صوت خبطة جامدة هزت الموقف كله على مدخل الناحية.
”الحقوا! عربية عمدة البلد اقلبت في الترعة!”
الكل جري على هناك. قلب “محمود بيومي”، عمدة البلد القوي اللي بتهابه الغرب قبل القريب، كان بيتقطع. ابنه الوحيد “سليم”، سند ضهره ونور عينه، كان غارق في دمه جوه العربية المقلوبة. نزلوا بيه على مستشفى المركز، والدكتور طلع ووشه أصفر بيترعش:
– “يا عمدة.. البقاء لله في الكبد والطحال، الولد بين الحياة والموت، وفصيلته نادرة.. (O سالب)، والدم اللي في البنك خلص!”
العمدة، اللي الجبل كانيه ومبيوطيش، اتكسر قدام الدكتور ووقع على ركبه قدام الناس كلها ودموعه في عينه، وصرخ بصوت رزع جدران المستشفى:
– “اسمعوا يا أهل البلد.. اسمعوا كلكم! ابني لو رجع لدنيا، اللي هتنقذه وتتبرع بدمها وتنقذ حياته.. هي، هي مراته! عِرضي، وشرفي، ومقامها من مقام ابني، قدام الكل وبكلمة رجل شريف!”
الناس بصت لبعضها بذهول.. وعد عمدة البلد نذر لا رجعة فيه، والكلمة في الصعيد شرف ما ينزلش الأرض أبدًا.
في نفس اللحظة، كانت “سعاد” واقفة في كوررور المستشفى البعيد، لابسة جلابية قديمة عليها رقعة نظيفة، وماسكة طرف طرحتها بخشوع. سعاد كانت أفقر بنت في البلد، أبوها ميت وسايبها هي وأمها العجوز في أوضة سقفها من بوص.
لما سمعت نداء العمدة، وشافت سليم وهو بيموت قدام عينيها، مكنش همها فلوس ولا جاه. دخلت في سكات ورفعت كم جلابيتها وقالت للممرضة بصوت هادي:
– “أنا.. فصيلتي زيّه، خدي من جسمي واديه.”
الدكتورة استغربت شجاعتها، وسحبو منها الدم، واتنقل لسليم اللي نبضه رجع يدب فيه من تاني. فتح عيونه أخيراً وباس إيد أبوه، بينما سعاد جمعت نفسها ومسحت دراعها وخرجت في الضلمة لوحدها، حامدة ربنا إنها أنقذت بني آدم من الموت، من غير ما يخطر في بالها أبدًا.. إن الوعد اللي اتقدر قدام كل شهود البلد، اتحط حوالين رقبتها هي، وهيبدل حياتها للأبد.تاني يوم الصبح، كانت البلد كلها مقلوبة. الخبر لف على كل لسان زي الحريق في الهشيم: “العمدة جوّز ابنه لسعاد بنت الأرملة!”
سعاد كانت قاعدة في أوضتها الواسعة البسيطة بتساعد أمها، وفجأة سمعت خبط على الباب برّه يخوف. فتحت لقت عربيات فارهة مالية الشارع، ورجالة العمدة واقفين بشنط هدبها دهب ودهب صافي، وواحدة من كبار العائلات جاية تقولها بلهجة آمرة:
– “جهزي نفسك يا سعاد.. العمدة باعت رجاله عشان يجيبوكي للقصر، الفرح الليلة، والكلمة اتنطقت قدام البلد بحالها، ومفيش رجعة فيها!”
سعاد اترعبت، ووقعت اللقمة من إيد أمها اللي فضلت تعيط وتلطم:
– “يا بنتي ده عمدة البلد! ده كبارات البلد بينزلوا تحت رجله، هتعيشي إزاي وسط ناس مستواهم غير مستواكي؟”
ردت سعاد ودموعها في عينها، بس قلبها مليان ثبات:
– “أنا عملت لله يا أما، ومكنتش أعرف إن دي طريقي.. بس كلمة الشرف مقدسة، ومش أنا اللي هخلي عمدة البلد ينكسر قدام الناس.”
وصلت سعاد قصر العمدة. القصر اللي كان حلم البعيدين، بقى هو سجنها الجديد. الحيطان العالية، والخدم، والعيلة اللي بصتلها من فوق لتحت بابتسامات كلها استخفاف وسخرية.
دخلت الأوضة الفخمة، ولقت سليم قاعد على الكرسي، ووشه لسه أصفر من آثار الحادثة. بص لها ببرود وغرور، وقال بصوت حاد:
– “اسمعيني كويس يا بنت… إنتي هنا بقرار من أبويا، وجوزك مني على الورق وبس عشان كلمته قدام الناس ما تنزلش الأرض. لكن اعتبري نفسك ضيفة، لا لكي عندي مكان، ولا هتبقي يوم مراتي الحقيقية. الكلمة دي تتقال قدام الناس بس، مفهوم؟”
سعاد رفعت راسها بكل كرامة، وبصت في عيونه من غير ما ترف، وقالت بصوت هادئ وثابت:
– “اطمن يا سليم بيه.. الدم اللي في عروقك دلوقتي نضفته وعاش، لكن عمري ما هأذيك ولا هفرض نفسي على حد مش رايدني. جواز الورق ده، زي ما هو عندك، هو عندي أهون بكتير من إني أتنازل عن كرامتي.”
سليم اتفاجأ بجرأتها وطريقتها اللي مكنش متوقعها من بنت فقيرة.
بس اللي محدش كان حاسس بيه.. إن الحادثة دي مكنتش مجرد صدفة قدرية على الترعة، وإن فيه سر أسود ورا قلب العربية، وإن جواز “سعاد” و”سليم” هيفتح باب لثعابين البلد اللي كانوا مستنيين اللحظة دي عشان يدمروا عيلة العمدة من أساسها!الفصل الثالث: عاصفة تحت السطح
مرّت أسبوعين على الجواز اللي شغل بال البلد كلها. في القصر، كانت سعاد عايشة زي الغريبة؛ قاعدة في الجناح المخصص لها، مبتنزلش إلا للضرورة القصوى، ومحافظة على هدوءها وكرامتها. لا كشرت ولا اشتكت، ولا بصت للذهب والجاه اللي حواليها بطمع. كانت بتساعد في تنظيم البيت بهدوء، وده خلى بعض الخدم يحبوها ويحترموا طريقتها، لكنها في نظر عيلة العمدة ونسوان القصر لسه “بصارة الغيط” اللي دخلت القصر بالحظ.
أما “سليم”، فكانت حالته الصحية بتحسن يوم بعد يوم. ومع كل يوم بيعدي، كان بيكتشف إنه بيراقب سعاد من بعيد من غير ما يدري. كان مستني يشوّف منها أي طمع، أي غرور، أو حتى تلميح بأنها بقت “هانم القصر”، لكنه ملقاش غير بنت أصيلة، هادية، وبتتعامل بكرامتنا اللي مبتتكسرش.
وفي ليلة هادية، وبينما كان القصر نايم، لاحظت سعاد حركة غريبة عند مكتب العمدة تحت.
كانت سعاد نازلة تشرب مية، ولما قربت من الأوضة، سمعت صوت “حازم”، ابن عم سليم والدراع اليمين للعحده في الظاهر، بس في الغربة شيطان مريد. حازم كان بيتكلم بصوت واطي مع شخص غريب جوه الأوضة، والباب كان مردود نص رده:
– “يعني إيه فرامل العربية متصلحتش كويس؟! أنا عايز سليم يموت، مش يرجع يتجوز وحدة فقيرة تكلّفنا القصر كله! لو العمدة اكتشف إننا لعبنا في فرامل العربية عشان نخلص من سليم ونمسك إحنا الزمام، هيدفننا حيين!”
سعاد حست إن الأرض بتلف بيك. الحادثة مكنتش صدفة! دي كانت محاولة قتل متكتشفة، وسليم كان المستهدف عشان “حازم” يورث عمدة البلد وكل ممتلكاتها!
قبل ما سعاد تلحق تستوعب، عينها وقعت على ظلال حركة قريبة منها.. حازم لف راسه وشاف طرف جلابية سعاد وهي بتتحرك في الممر!
صرخ حازم بصوت رعب الممر:
– “مين هناك؟!”
سعاد جريت بسرعة البرق على فوق، قلبها بيدق زي الطبل، ودخلت جناحها وقفلت الباب بالترباس وهي بتنهج من الخوف. بس متأخر أتم التأخير.. حازم شافها، وعرف إن السر الخطير كُشف، وإن “بنت الأرملة” بقت خط تهديد حقيقي على حياته ومؤامرته.
تاني يوم الصبح، كانت الصدمة الكبرى في استراحة العمدة.
حازم دخل قاعة الاستقبال، ودموعه مزيفة، وعينه بتلمع بالشر، ورمى أوراق قدام العمدة وسليم وقال بصوت مسموع لكل رجال الكبارات:
– “يا عمدة.. أنا ساكت وكاتم السر عشان مصلحة العيلة، بس لغاية هنا وبس! مرتك المصونة.. سعاد.. ليلة امبارح كانت قاعدة في المخزن بتسرق أوراق صفقات الأراضي القديمة، ولقيت في شنطتها عقود بيع مزورة باسمها! شكلها كدة معمولة لتبدينا كلنا على المحك وتطردنا برا القصر!”
العمدة اتفتح عيونه على مصراعيها بذهول، وسليم وقف فجأة على رجليه وبص لسعاد اللي لسه نازلة على السلم بخطوات ثابتة، ووشه ملوش ملامح من الصدمة والغضب:
– “كلام حازم ده صحيح يا سعاد؟ إنتي جاية القصر عشان تسرقينا وتدمريه؟!”
سعاد وقفت على أول السلم، وبصت لحازم اللي كان مبتسم بخبث في الخفاء، ثم نقلت عيونها لسليم بثبات وقوة وقالت بصوت عالي هز أركان القصر:
– “العقود دي مزورة يا سليم بيه.. واللي حطها في شنطتي هو اللي قتل.. هو اللي لعب في فرامل عربيتك يوم الحادثة وعايز يخلص منك! حازم هو الخاين!”





