مني السيد 2

محمود بقى عامل زي المقطوع من شجرة.. لا طايل آية وبيته القديم، ولا طايل نيرمين والمستقبل اللي رسمه على وهم، وفوق كل ده، نظرة الاحتقار في عين أهله وأصحابه كانت بتاكله صاحي.
في يوم، كنت واقفة في البلكونة بهوي هدوم العيال، ولمحت عربية نص نقل واقفة تحت البيت. كان محمود واقف مع عمال بيلموا لبسه وحاجته الشخصية اللي أخويا طلعها له في كرتين وشنط سفر بعد حكم التمكين.
محمود رفع عينه وشافني واقفة في البلكونة.. كانت نظرة مكسورة، مليانة ذل ورجاء، كأنه بيستعطفني بنظراته إني أنزل أو أقول له كلمة تبل ريقه.
بصيت له بثبات، ومسكت الفوطة اللي في إيدي نفضتها بقوة قدام وشه، ودخلت وقفت البلكونة ورايا… الحركة دي كانت بمثابة رصاصة الرحمة على أي أمل كان جواه إني ممكن أحن له في يوم من الأيام.
دخلت الأوضة، لقيت تامر وكريم وزياد بيتحركوا في السراير الصغيرة بتاعتهم ويبتسموا وهم نايمين. قعدت وسطهم وحسيت بمسؤولية كبيرة بتطب على كتفي.. التربية لوحدي مش هتبقى سهلة، والمصاريف والسهد والتعب هيهدوا حيلي، بس كل تعب فيه كرامة، أهون بمليون مرة من عيشة مع راجل كان ممكن يبيعني عند أول محطة…
مرت السنتين الأوائل من عمر التوائم الثلاثة، تامر وكريم وزياد، وكأنهم ماراتون طويل ومجهد. البيت ما كانش بيسكت؛ صراخ، عياط، تغيير حفاضات، وتحضير رضعات بالتبادل. لولا وجود أمي معايا وصبرها، وأخويا اللي كان شايل عني مشاوير الدكاترة والصيدليات، كنت هقع من طولي. بس النتيجة كانت قدام عيني: تلات صبيان زي الورد، بدأوا يمشوا ويتكلموا، ويملا البيت بضحكتهم.
في المقابل، محمود كان عايش في دوامة تانية خالص. النفقة اللي المحكمة فرضتها عليه كانت بتقطم ظهره كل شهر، ومع مرتبه اللي قل بعد نقله للفرع البعيد، بقى يدوب بيكفي مصاريف سكنه الإيجار وأكله وشربه بالعافية. كان بيحاول بكل الطرق إنه يشوف الولاد برة المحكمة، يبعت رسايل لأخويا، يتوسط عند قرايبنا، بس ردنا كان واحد وثابت: “عايز تشوفهم؟ الرؤية في النادي الاجتماعي بقوة القانون.. ساعة واحدة في الأسبوع.. ومفيش خروج بيهم.”
في يوم الرؤية الأول، روحت النادي وأنا ماسكة إيد تامر وزياد، وأخويا شايل كريم. قعدنا على التربيزة، ومحمود جه من بعيد.. كان باين عليه العجز والبهدلة، شعره الأبيض زاد، وهدومه مش بنظافة ولا شياكة زمان لما كنت بغسلها له وأكويها بإيدي.

