عشق على ورق حكايات مايا خالد حصري

بعد حوالي ساعتين من القلق، خرج الدكتور من غرفة الطوارئ وهو بيمسح عرق جبينه. سولاف جرت عليه بلهفة والدموع مغرقة وشها، وسالم قرب بخطوات رزينة وعينه على الدكتور.
الدكتور اتنهد وقال: “الحمد لله، أزمة وقلبت بسلام.. الجلطة كانت خفيفة ولحقناها في آخر لحظة، بس واضح إنها اتعرضت لضغط عصبي أو زعل شديد، والسن مع ضعف القلب مش حمال.. لازم تقعد في العناية المركزة تحت الملاحظة لمدة 48 ساعة، وممنوع منعا باتاً أي انفعال.”
سولاف حطت إيدها على قلبها واتنصفت وبكت من الفرحة والخوف في نفس الوقت: “الحمد لله يا رب.. الحمد لله.”
سالم هز راسه للدكتور بوقار: “تمام يا دكتور، اعمل كل اللازم، والمصاريف وكل حاجة تخص المستشفى عندي أنا.” وبص لسولاف بجمود: “قاعدتك هنا ملهاش لازمة، مش هيدخلوكي العناية.. يلا عشان أوصلك البيت.”
سولاف بصت له برعب وعيونها الزرقا وسعت: “البيت؟! أرجع لوحدي يا أبيه؟ أنا مستحيل أدخل الشقة وتيتا مش فيها.. أنا هفضل قاعدة هنا على الكرسي لحد ما تفوق.” حكايات مايا خالد
سالم ضغط على سنانه وضيق عينه بعصبية: “أنا مابكررش الكلمة مرتين! قاعدة في طرقة المستشفيات نص الليل مش أسلوبي ولا هسمح بيه، والناس رايحة جاية تبص عليكي.. يلا قدامي.”
سولاف انكمشت في نفسها وحست بقلة الحيلة، مشت وراه بضعف وكسرة وهي بتبص وراها على أوضة جدتها. ركبوا العربية، والصمت كان سيد الموقف.. صمت تقيل وخانق، مفيش غير صوت أنفاس سولاف الهادية والمكتومة وهي باصة من الشباك على شوارع القاهرة الضلمة.
سالم كان بيسوق وعينه عليها في المراية كل شوية.. لمح جسمها الرقيق وهو بيترعش من سقعة تكييف العربية، وفي حركة تلقائية منه، مد إيده وقفل التكييف خالص.. هو نفسه استغرب حنيته المفاجأة دي، وزجر نفسه داخلياً وهو بيفكر: “جرى لك إيه يا سالم؟ هتلين ولا إيه؟ دي صنف نكد وخيانة، كلهم زي بعض!”
وصلوا تحت البيت القديم، سالم وقف العربية وبص لها وقال بنبرة جافة: “انزلي.. واقفل الباب وراكي بالترباس، وماتفتحيش لأي حد واصل.. أنا الصبح هعدي على المستشفى أتابع حالة جدتك وهكلمك أطمنك.”
سولاف لفت ليه، وبصت في الأرض وهي بتفرك إيدها بتوتر، وصوتها طلع ناعم وخجول: “شكراً يا أبيه سالم.. تعبتك معايا، وعارفة إنك كنت راجع تعبان ومتبهدل.. أسفة إني تقلت عليك.”
كلماتها الرقيقة والبريئة دي نزلت على قلبه زي المية الباردة على النار القايدة، حس بنغزة غريبة.. البنت دي مفيش في لسانها غير الأدب والكسوف، عكس كل الستات اللحوحين والمخادعين اللي قابلهم في حياته وشغله.
سالم ماردش عليها، اكتفى بنظرة جامدة وهز راسه.. نزلت سولاف وجرت على مدخل البيت، وفضل واقف بعربيته لحد ما شاف نور أوضتها نور، وعرف إنها دخلت وأمّنت نفسها.. تنهد بضيق وداس بنزين وطار بالعربية وهو حاسس إن الحصون اللي بانيها حوالين قلبه بقالها سنين، بدأت تتهز قدام رقة ونعومة عيلة عندها 18 سنة.
وتاني يوم الصبح.. رنا راحت لسولاف البيت بعد ما سالم اتصل بيها وحكى لها اللي حصل لجدتها. رنا أخدت سولاف في حضنها ونزلو مع بعض راحوا المستشفى.. وطبعاً سالم كان هناك، مخلص كل الإجراءات وواقف مع الدكتور بيطمن على الحالة.
سولاف أول ما شافت سالم واقف بهيبته وبدلته الميرمية الرسمية، قلبها دق بدقة غريبة.. حست لأول مرة بالأمان، الأمان اللي افتقدته من يوم الحادثة البشعة اللي حصلت لها.. الراجل ده رغم قسوته وجفافه، بس بوجوده بتحس إن مفيش مخلوق يقدر يمسها بسوء.
سالم لمحهم، قرب منهم وبص لرنا: “أنتي إيه اللي جابك من كليتك يا هانم؟”
رنا بدلع وخوف منه: “يا أبيه مش قادرة أسيب سولاف لوحدها في الظروف دي، وبعدين أنا طمنتها، قولت لها إنك بقيت جوزها وسندها ومستحيل تتخلى عنها.”
سالم عينه جت على سولاف اللي وشها احمر فجأة وبصت في الأرض بكسوف.. سالم ضغط على سنانه وبص لرنا بـ شرار: “رنا.. تعالي معايا كلمتين.”
أخد أخته على جنب بعيد عن سولاف، وصوته طلع واطي وحاد زي الموس: “أنا قولت إيه يا رنا؟! الجوازة دي ورق وبس، ومحبش النغمة دي تتكرر قدامها.. أنا مش سند لحد، وأول ما الست دي تقوم بالسلامة، كل واحد يروح لحاله، فاهمة ولا لأ؟! ماتخلينيش أندم إني سمعت كلامك!”
رنا سكتت بخوف وهزت راسها.. بس سولاف كانت واقفة من بعيد، وشايفة عصبيته ونظراته، وحست إن الكلمتين كالعادة كانوا عليها.. حست بالوجع يدب في قلبها الصغير، واكتشفت إن التحدي الأسود مش بس إنها تتخطى أزمتها.. التحدي الحقيقي هو إزاي تعيش في سجن راجل بيكره وجودها، وفي نفس الوقت هو الوحيد اللي قادر يحميها!




