عنيدة في قصره الأخير بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

تجمّدت الدموع في عيني نور، وشعرت بحرارة أنفاسه تلامس وجنتها، بينما ضربات قلبها المتسارعة كانت كفيلة بفضح كل ما تحاول إخفاءه خلف دروعها الصامتة.
​تلاقت عيناهما في عتمة المطبخ الخافتة، وعلقت نور بين حصار ذراعه وجدار الطاولة خلفها. بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت استجماع قواها لتنطق بصوت ثابت، رغم الرعشة الخفية التي سرت في جسدها:
“ليلتها… أنا مكنتش في وعيي يا أستاذ آدم. المية كانت تلج، وأي إنسان غرقان أو بيموت بيتشبث بأي حاجة قدامه… مش أكتر.”
​انخفضت نظرات آدم إلى شفتيها المرتجفتين، ثم عادت لتبحث في عمق عينيها عن الحقيقة التي تتهرب منها. اقترب ميليمتراً إضافياً، أنفاسه الثقيلة تلفح وجهها، متحدثاً بنبرة هادئة لكنها أشد خطورة من أي غضب أظهره من قبل:

“بس أنتِ متشبثتيش بأي حاجة… أنتِ تشبثتي بيا أنا. ومسبتيش رقبتي إلا لما حسيتِ إن الحرارة بدأت تهدى وأنك في أمان.”
​ضغطت نور على شفتيها بغيظ، ووضعت كفيها على صدره تحاول دفعه للخلف برفق ولكن بثبات:
“ده كان ضعف مرض… ومفيش إنسان بيتحاسب على لحظة ضعفه. أبعد عني لو سمحت.”
​لم يتحرك آدم قيد أنملة. استشعر دفء يديها الصغيرتين على قميصه الأسود، وشعر بذات الشرارة الكهربائية تسري في عروقه وتلخبط ثباته الخرساني. وضع يده الأخرى على الطاولة خلفها، محاصراً إياها بالكامل، وقال بصوت خفيض للغاية كأنه يهمس لسر نهائي:
“وأنا مش بحاسبك يا نور… أنا بس بعرفك إن الأسوار اللي أنتِ بتبنيها دي كلها… أضعف بكثير من اللي حصل بيننا ليلتها.”

​نظرت إليه نور بنظرة حادة، ممتلئة بالتحدي والكبرياء الذي لا ينكسر:
“الأسوار دي هي اللي حامياني في بيتك. ولو فاكر إن لحظة ضعف هتزلني، تبقى بتضيع وقتك. أبعد يا آدم بيه… عشان ما تخسرش الموظفة الوحيدة اللي دخلت بيتك وهي مش خايفة منك.”

​ساد الصمت بينهما لثوانٍ معدودة، بدت وكأنها أزل كامل.
​تأمل آدم وجهها الغاضب، وشعر للمرة الأولى بمدى قوة هذه الفتاة التي تقف أمامه بلا نفوذ ولا مال، لكنها تملك كبرياءً يجعله هو من يستسلم لسطوتها.
​أخذ نفساً عميقاً، ثم تراجع ببطء إلى الخلف، أفسح لها المجال ورفع يديه مستسلماً بابتسامة خفيفة ساخرة ظهرت على طرف شفتيه:
“اتفضلي… الموظفة المثالية تقدر ترجع أوضتها.”
​لم تنتظر نور ثانية واحدة. سحبت نفسها بسرعة، وعبرت من أمامه بخطوات متسارعة دون أن تلتفت خلفها، وقلبها يخفق بشدة كطبول الحرب.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *