عنيدة في قصره الأخير بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

أما آدم، فبقي واقفاً مكان في المطبخ المظلم، ينظر إلى المسافة الفارغة التي كانت تقف فيها منذ لحظات. رفع يده ولمس موضع ذراعيها على قميصه، وارتسمت على وجهه ملامح رجل يدرك تماماً أن معركته مع هذه الفتاة لن تنتهي بسهولة… بل بدأت للتو.
صعدت نور إلى غرفتها بخطوات متسارعة، وأغلقت الباب خلفها بسندة ثقيلة، ثم ألقَت بجسدها على طرف السرير. كانت أنفاسها متسارعة، وحرارة وجهها تكاد تشتعل مجدداً، ليس بسبب الحمى هذه المرة، بل من أثر وقفتها أمامه في المطبخ وكلماته التي لا تزال تطن في أذنيها كطنين النحل.
وضعت يدها على قلبها تحاول تهدئة ضرباته الثائرة، وهمست لنفسها بصوت جاف:
“اهدأي يا نور… أنتِ هنا لشهر واحد بس. خدي مرتبك، أوفِ بعهدك، وأمشي. بلاش تخليه يشدك للمنطقة دي.”
على الجانب الآخر، لم ينَم آدم ليلتها. ظل يجوب مكتبه ذهاباً وإياساً، والسجارة لا تفارق أطراف أصابعه. كان يستعيد كلماتها، نظراتها المتحدية، ودفء يديها على صدره عندما حاولت دفعه. لأول مرة في حياته، يشعر آدم السيوفي أن هناك من يستطيع الوقوف في وجهه، ليس بنفوذ أو سلطة، بل بكرامة مجردة تجعله يبدو أمامه صغيراً رغم كل ما يملك.
صباح اليوم التالي ارتتدت نور ملابسها البسيطة واستعدت ليوم جديد. كانت حريصة على أن تظهر بمظهر متماسك للغاية، كأن شيئاً لم يحدث بالأمس.
خرجت من غرفتها وهي تحمل جدول المواعيد الخاص بالحاجة سيرة، واستقبلت الصباح بابتسامة متكلفة محاولة استعادة هدوئها، لكنها ما إن خطت خطواتها الأولى في الممر المؤدي للغرفة، حتى تفاجأت بآدم يخرج من مكتبه.
كان يرتدي بذلته الرسمية الكاملة، وبدا عليه الإرهاق لكنه احتفظ بهيبته المعتادة.
توقفت نور مكانها لثانية، ثم استكملت سيرها بجمود، محاولة تجنبه والتظاهر بعدم وجوده.
لكن آدم اعترض طريقها بثبات، دون أن يمسها هذه المرة. وقف أمامها وقال بنبرة هادئة ورسمية، خالية تماماً من أي استفزاز:
“صباح الخير يا نور.”
نظرت إليه نور بنظرة ثابتة، وقالت بصوت رسمي حذر:
“صباح النور يا أستاذ آدم. في أي أوامر بخصوص شغل الحاجة سيرة النهاردة؟”
تأمل وجهها المتماسك لبرهة، وابتسم ابتسامة خفيفة لم تبلغ عينيه، ثم قال:
“أنا مسافر دبي ساعتين من دلوقتي… عندي اجتماعات هتاخد أربع أيام.”
سكنت حركة نور، وشعرت براحة مفاجئة تسري في جسدها، لكنها أسرعت بإخفائها ورفع رأسها:
“توصل بالسلامة. القصر والحاجة سيرة في أمانتني لحد ما ترجع.”
خطا آدم خطوة إضافية نحوها، وانحنى قليلاً ليصبح مستوى عينيه متوافقاً مع عينيها، وقال بصوت خفيض ودافئ:
“أنا مش خايف على القصر ولا على أمي يا نور… أنا بس بعرفك إن الأربع أيام دول فرصة عشان تفكري كويس في الكبرياء اللي حابسة نفسك جواه… ولما أرجع، هنسوي الحسابات صح.”
تركها ومشى بخطوات واثقة نحو الباب الرئيسي، ليترك نور واقفة في منتصف الممر، تحاول التقاط أنفاسها، وهي تدرك تماماً أن مهلتها هذه الأيام الأربعة لن تكون سوى هدوء مؤقت قبل مواجهة أكبر عند عودته.
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.




