مهرة

مهرة ولد الجبالي بقلم مايا خالد
ليل الشتا في الصعيد ملوش أمان، الهوا بينقر على شبابيك السرايا زي ما يكون بيحذر من اللي جاي. حمزة كان واقف في البلكونة الكبيرة، لابس جلبابه الصعيدي وفوقه العمه الصوف، وعينيه مش مفارقة الزريبة البعيدة اللي فيها الخيل.
دخل عليه غفير السرايا وهو بيلهث: “يا حمزة بيه.. الفرسة (نجمة) حالتها بتسوء، والبيطار بيقول مش قادر يسيطر عليها، دي بتضرب في الكل ورفضت الوكل تماماً.”
حمزة نزل بسرعة، ملامحه كانت جامدة زي صخر الجبل. وصل للزريبة ولقى الخيالة واقفين بعيد وخايفين، والفرسة بتصهل بصوت يقطع القلب وبتخبط في الخشب بقوة.
“وسعوا كدة!”.. صوت أنثوي جه من وراهم، هادي بس فيه حدة بقلم مايا خالد تخلي الكل ينتبه.
بص حمزة لقى بنت لابسة عباية سودة ولافة طرحتها “لثام” مبيبنوش غير عينيها الواسعة اللي فيها لمعة ذكاء غريبة. كانت مهرة، بنت الشيخ فوزي اللي لسه واصلة النجع بعد غيبة سنين في بلاد بحري.
حمزة استغرب جرأتها: “إنتي مين يا بت إنتي؟ واقتربتي ليه؟ الفرسة دي ممكن تخلص عليكي في خبطة واحدة.”
مهرة ماردتش عليه، مشيت بخطوات واثقة ودخلت جوة “البوكس” بتاع الفرسة. الكل كتم نفسه، وحمزة ايده راحت على سلاحه بخوف تلقائي. لكن المفاجأة إن مهرة ممدتش ايدها، هي بدأت تغني بصوت واطي، همهمات صعيدية قديمة كأنها بتناجي روح الفرسة.
ثواني والفرسة بدأت تهدا، مهرة قربت من ودنها وطبطبت براحة، ونجمة استسلمت تماماً وحطت راسها على كتف مهرة.
خرجت مهرة وبصت لحمزة اللي كان واقف مذهول: “الخيل يا ولد الجبالي بتحس بالخوف.. وإنت ورجالتك داخلين عليها بقلوب مليانة قلق، والفرس الأصيل مبيسلمش للي خايف منه.”
حمزة عقد حواجبه وقرب منها: “مهرة؟ بنت الشيخ فوزي؟ كبرتي يا مهرة ورجعتي بلسان أطول من لسان أبوكي الله يرحمه.”
مهرة رفعت راسها بشموخ: “رجعت عشان أرضي وخيلي يا حمزة بيه. والوصية اللي سابها الحج الجبالي الكبير الله يرحمه، لازم تتنفذ حرفياً، وإلا النجع كله هيعرف إن ولد الجبالي مش قد كلمة أبوه.”
حمزة ضحك ضحكة مكتومة فيها تحدي: “كلمة أبوي سيف على رقبتي.. بس الوصية بتقول إننا نتديروا الأرض سوا، وإنتي يدك ناعمة يا بت الشيخ فوزي، مش حمالة شمس الصعيد ولا غبار الخيل.”
مهرة لفت وشها وهي ماشية وقالت بلهجة صعيدية قحة: “الشمس اللي بتغير لون الجلد، بتقوي العصب يا ولد الجبالي.. والوعد بينا الفجر، لما نشوف مين فينا اللي هيتحمل ركضة الخيل في الجبل.”
سابته واقف في مكانه، ريحة المسك اللي كانت فايحة منها اختلطت بريحة تراب الأرض، وحمزة حس لأول مرة إن في حد في النجع ده هيقدر يقف قدامه الند بالند.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *