بعد الفراقمن حكايات فاتن س


بعد فراق اكتر من عشرين سنة
كانت شمس واقفة في حديقة كلية الطب، ماسكة كتبها وبتضحك من قلبها وهي بتسمع كلام حبيبها كريم.
كريم كان شاب وسيم، محترم، وابن واحد من أكبر رجال الأعمال في البلد. ورغم إن بنات الكلية كلها كانت بتحلم بيه، إلا إنه اختار شمس.
قال لها يومها وهو ماسك إيديها:
“أول ما نتخرج هاجي أخطبك رسمي، ووعد مني عمري ما هسيبك.”
ابتسمت شمس والدموع لمعت في عينيها من الفرحة.
“وأنا كمان يا كريم… مهما حصل.”
لكن في نفس المكان كانت فيه عينين مليانين غيرة وحقد.
عينين داليا.
زميلتهم في الكلية.
كانت بتحب كريم من أول سنة، وكانت شايفة إن شمس سر..قت منها الحلم اللي كانت عايشة عشانه.
كانت دايمًا تقول لنفسها:
“ليه هي؟ ليه بنت بسيطة تتجوز ابن أغنى راجل في البلد وأنا لأ؟”
ومع الوقت تحول الحسد لخطة شيطانية.
بدأت داليا تنسج الأكاذيب.
مرة تقول لكريم إنها شافت شمس مع شاب غريب.
ومرة تزوّر رسائل.
ومرة تنقل كلام ما حصلش أصلًا.
وفي نفس الوقت كانت توصل لشمس كلام يجرحها عن كريم.
شهور طويلة وهي تلعب بينهم لحد ما الشك دخل القلوب.
وفي يوم واجه كريم شمس بغضب.
“قولي الحقيقة… فيه حد غيري في حياتك؟”
اتصدمت شمس.
“إنت بتقول إيه؟”
“كل اللي سمعته كذب يعني؟”
بصت له بوجع.
“واضح إنك صدقت الناس أكتر ما صدقتني.”
وانتهى اللقاء بخناقة كبيرة.
ولا واحد فيهم حاول يسمع التاني.
وبعد أيام اختفى كريم من حياتها تمامًا.
عرفت بعدها إنه اتخطب لداليا.
يومها رجعت شمس بيتها مكسورة.
بكت كتير.
بكت على الحب.
على الأحلام.
على السنين اللي ضاعت.
لكن بعد فترة وقفت قدام المراية وقالت لنفسها:
“اللي يضيع حب مش لازم يضيع عمره كمان.”
ومن اليوم ده بدأت رحلة جديدة.
غرقت نفسها في الدراسة.
ساعات طويلة في المستشفى.
أبحاث ومؤتمرات وسفر.
كل ما قلبها يوجعها كانت تشتغل أكتر.
كل ما تفتكر كريم كانت تقرأ أكتر.وبعد سنوات طويلة أصبحت من أشهر جراحي القلب في مصر والعالم العربي.
اسمها بقى معروف في كل مكان.
الدكتورة شمس عز الدين.
الجراحة اللي أنقذت مئات الأرواح.
أما كريم…
فاتجوز داليا فعلًا.
لكن الحياة ما كانتش زي ما تخيل.
بعد الجواز اكتشف حقيقتها.
اكتشف إنها كانت السبب في خراب قصته مع شمس.
لكن وقتها كان الأوان فات.
كان عندهم ابن اسمه يوسف.
شاب في التاسعة عشرة من عمره.
وكان كل أمل كريم في الدنيا.
إلى أن جاءت الصدمة.
يوسف كان بيعاني من مرض خطير في القلب.
وحالته بتسوء بسرعة.
أكبر الأطباء شافوه.
وكلهم أجمعوا على حاجة واحدة.
العملية خطيرة جدًا.
ونسبة نجاحها ضعيفة.
لكن فيه اسم واحد فقط ممكن يعملها.
اسم جعل قلب كريم يتوقف للحظات.
الدكتورة شمس عز الدين.
ظل أيام متردد.
إزاي يروح لها بعد عشرين سنة؟
إزاي يبص في عينيها؟
لكن لما شاف ابنه بين الحياة والموت نسي كل شيء.
وفي صباح هادئ دخل مستشفى النيل الدولي.
سأل عنها.
قادوه إلى مكتبها.
وقف أمام الباب وقلبه بيرتعش.
ثم طرق الباب.
جاءه صوت هادئ:
“اتفضل.”
دخل.
رفعت شمس رأسها.
وتجمدت.
أما هو فشعر أن الزمن رجع عشرين سنة للخلف.
كانت ما زالت جميلة.
لكن ملامحها أصبحت أقوى.
ملامح امرأة صنعت نفسها بنفسها.
ساد الصمت.
ثم قالت بهدوء:
“أهلاً يا كريم.”
بلع ريقه بصعوبة.
“إزيك يا شمس؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
“الحمد لله.”
نظر للأرض.
“أنا جاي أطلب منك طلب.”
عرفت قبل أن يتكلم.
المرضى وأهلهم كانوا يملأون المستشفى.
لكنها رأت الانكسار في عينيه.
قال بصوت مخنوق:
“ابني بيموت.”
وسرد لها كل شيء.
استمعت بصمت.
ثم طلبت ملف الحالة.
جلست تراجع الأشعات والتحاليل لساعات.
وفي النهاية قالت:
“العملية صعبة… لكن عنده فرصة.”
تنهد كريم وكأنه خرج من تحت الماء.
“يعني هتعمليها؟”
رفعت عينيها إليه.
“أنا طبيبة يا كريم.”
نزلت دموعه لأول مرة.
“شكرًا.”
قبل موعد العملية بيوم واحد حدث ما لم يتوقعه أحد.
دخلت داليا غرفة شمس.
كانت أكبر سنًا.
وملامحها تحمل آثار سنوات طويلة من الندم.
أغلقت الباب خلفها.
ثم فجأة انهارت باكية.
“سامحيني.”
نظرت لها شمس بدهشة.
وأكملت داليا وسط دموعها:
“أنا السبب.”
ثم اعترفت بكل شيء.
بالأكاذيب.
بالرسائل المزورة.
بكل المؤامرات التي فرقت بينهما.
قالت وهي ترتجف:
“كنت بحقد عليكي… كنت عايزة كريم بأي تمن.”
سكتت لحظة.
“وأهو خدت كل حاجة… لكن عمري ما عرفت أنام مرتاحة.”
كانت شمس تسمعها في صمت.
الغريب أنها لم تشعر بالغضب.
بعد عشرين سنة مات الوجع.
بقيت فقط الذكرى.
قالت بهدوء:
“اللي فات مات يا داليا.”
شهقت الأخرى من البكاء.
“سامحتيني؟”
ابتسمت شمس.
“سامحتك من زمان من غير ما أعرف.”
وفي اليوم التالي دخل يوسف غرفة العمليات.
استمرت الجراحة عشر ساعات كاملة.
عشر ساعات من التوتر والخوف.
كريم واقف.
وداليا تبكي.
والساعات تمر ببطء قاتل.
وأخيرًا خرجت شمس.
وقف الجميع.
قال كريم بلهفة:
“يوسف عامل إيه؟”
ابتسمت لأول مرة.
“العملية نجحت.”
انفجرت داليا بالبكاء.
أما كريم فجلس على أقرب كرسي وهو يحمد الله.
بعد أيام بدأ يوسف يتعافى.
وقبل خروجه من المستشفى طلب مقابلة شمس.
دخلت غرفته.
ابتسم لها الشاب وقال:
“أنا عرفت إنك أنقذتي حياتي.”
قالت ضاحكة:
“دي شغلانتي.”
هز رأسه.
“لا… بابا بيقول إنك أنقذتي أكتر من حياتي.”
فهمت قصده.
ابتسمت دون تعليق.
وبعد أسابيع كان كريم يقف أمامها للمرة الأخيرة.
قال:
“أنا خسرتك زمان بسبب غبائي.”
ثم أضاف بحزن:
“لو الزمن رجع كنت صدقتك إنتِ.”
نظرت إليه بهدوء.
“يمكن لو الزمن رجع كنا ما بقيناش الأشخاص اللي إحنا عليهم النهارده.”
ابتسم بأسى.
“يمكن.”
ثم مد يده مصافحًا.
صافحته.
وغادر.
وقفت شمس تراقبه من النافذة.
لم تشعر بحزن.
ولا ندم.
فبعض القصص لا تنتهي بالزواج.
بعضها ينتهي بالدروس.
لقد خسرت حبها القديم.
لكنها ربحت نفسها.
وربحت نجاحًا صنعته بيديها.
أما كريم فتعلم متأخرًا أن الثقة أغلى من الحب نفسه.
وفي مكان ما داخل المستشفى كانت حياة شاب قد بدأت من جديد.
وكان الماضي أخيرًا قد أغلق أبوابه إلى الأبد.
