عنيدة في قصره ج١ بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

عنيدة في قصره الجزء الأول بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
كان الكافيه مزدحمًا في آخر النهار، والموسيقى الهادية ممتزجة بأصوات الزبائن وضحكاتهم. بينما كانت نور تتحرك بسرعة بين الطاولات، تحمل صينية القهوة بإيد، وتحاول توازنها بالإيد التانية. من الصبح وهي واقفة على رجليها، مرتبها بالكاد مكفي مصاريف البيت، وصاحبة الكافيه لا ترحم في موضوع التأخير، لكن نور كانت محتاجة الشغل ومحتاجة المرتب أكتر من احتياجها لراحتها.
​وقفت أمام طاولة في ركن مميز من الكافيه، كان يجلس عليها أربعة رجال، لكن واحد منهم فقط كان كفيلًا يخلي المكان كله ياخد باله منه؛ آدم السيوفي. بدلته السوداء كانت مرتبة بشكل مثالي، ساعته اللامعة ظاهرة من تحت كم القميص، وملامحه الجامدة لا تحمل أي اهتمام بمن حوله. ثلاثة رجال كانوا يتحدثون معه بينما هو يستمع بصمت.
​نور حطت فنجان القهوة أمامه وقالت: “قهوة حضرتك.” لم ينظر إليها، رفع الفنجان وأخذ رشفة صغيرة ثم توقف. نور كانت لسه واقفة وانتظرت، فرفع عينيه إليها ببطء وسألها: “إيه دي؟” بصت للفنجان وقالت: “قهوة.” ظل ينظر إليها وقال: “أنا طلبت قهوة.” استغربت نور وقالت: “أيوه.” فرد بتساؤل: “دي قهوة؟” بصت للفنجان مرة تانية وقالت: “على حد علمي آه.” ضحك أحد الرجال الجالسين معه بخفوت، بينما آدم لم يضحك، أخذ الفنجان من أمامه ورماه، فتناثر السائل الساخن على ملابسها ووجهها وسكت المكان كله.
​وقفت نور مكانها لثوانٍ والصينية في إيدها ارتجفت، بينما قطرات القهوة نزلت على خدها وعلى رقبتها وعلى الزي الأسود الذي ترتديه. الرجل الذي رمى الفنجان كان ينظر إليها ببرود كأنه لم يفعل شيئًا وقال: “القهوة باردة.” رفعت نور عينيها إليه، كانت غاضبة لكنها لم تكن خائفة، وضعت الصينية على أقرب طاولة ومدت يدها تمسح القهوة عن وجهها ثم قالت بهدوء: “كان ممكن تقول إنها باردة، مش لازم ترميها في وشي.” تدخل أحد الرجال بسرعة وقال: “خلاص يا بنتي، اعتبري الموضوع انتهى.” بصت له نور ثم رجعت بعينيها لآدم وقالت: “بالنسبة لي مش انتهى.” رفع آدم حاجبه وقال: “إيه؟” فقالتها وهي تنظر في عينيه مباشرة: “الفلوس اللي في جيبك تشتري قهوة جديدة… إنما مش هتشتريلك احترام.”
​سكت الجميع، ولأول مرة اختفت كل ملامح اللامبالاة من وجه آدم ونظر إليها طويلًا؛ الكلمة دخلت في مكان لم يعتد أحد الاقتراب منه، والأسوأ أنها قالتها أمام رجاله. قال بصوت منخفض: “إنتِ عارفة بتكلمي مين؟” رفعت نور ذقنها وقالت: “لأ”، ثم ابتسمت بسخرية صغيرة وأضافت: “ومش فارقة.” ساد الصمت وحرك أحد الرجال عينيه بينهما بتوتر، أما آدم فنهض من مكانه ببطء، طوله وهيبته جعلوا نور تشعر للحظة بأنها ربما تمادت لكنها لم تتراجع.
​وقف أمامها مباشرة وسألها: “اسمك إيه؟” فردت: “نور.” فسألها: “نور إيه؟” أجابت: “مش من حقك تعرف.” ضغط فكه ثم قال ببرود: “إنتِ اتطردتي.” ضحكت بسخرية وقالت: “بسبب إني قلت الحقيقة؟” فرد: “بسبب إنك نسيتي حدودك.” فردت فورًا: “حدودي تبدأ عند كرامتي.” نظر إليها للحظات ثم أدار ظهره وقال: “طلعوها بره.”
​شعرت نور بغصة في حلقها، لم تكن المشكلة في الشغل وحده، بل كانت المشكلة أنها تحتاجه، لكنها لم تسمح لنفسها أن تظهر ذلك. أخذت حقيبتها من خلف الكاونتر وخرجت من باب الكافيه ورأسها مرفوع. خلفها كان آدم لا يزال واقفًا مكانه ينظر إلى الباب الذي خرجت منه؛ لم يكن يعرف اسمها منذ دقائق، لكنه الآن لم يعد قادرًا على نسيانه: نور. والجملة التي قالتها أمام الجميع ظلت تدور في رأسها بطريقة مستفزة: “الفلوس اللي في جيبك تشتري قهوة جديدة… إنما مش هتشتريلك احترام.” شد فكه وعاد إلى مقعده، فابتسم أحد رجاله بحذر وقال: “البنت دي شكلها مش هتنسى اللي حصل.” أخذ آدم هاتفه ووضعه أمامه وقال: “أنا كمان مش هنسى.” ولم يكن أيٌّ منهما يعرف أن المواجهة القادمة بينهما لن تكون في كافيه بل داخل بيته، وهي لن تدخل إليه هذه المرة كجرسونة بل كموظفة تعمل تحت إمرته.
​بعد يومها الأخير في الكافيه، رجعت نور بيتها وهي تحاول تقنع نفسها إن اللي حصل عادي، شغل وراح، لكن الحقيقة إن الشغل بالنسبة لها مكنش مجرد شغل؛ كان المرتب هو اللي بيسند البيت، وأي يوم من غير دخل كان معناه إنها هتضطر تأجل حاجة من الحاجات الأساسية. قعدت على طرف السرير، فتحت حقيبتها وطلعت ورقة صغيرة كانت واخداها من واحدة صاحبتها: “مطلوب فتاة للعمل داخل منزل خاص، لرعاية رجل مسن، والإقامة متاحة. مرتب مجزٍ.” فضلت تبص للإعلان فترة، فالمرتب كان مغري بشكل يخوف، لكنها قالت لنفسها: “أنا محتاجة الشغل، مش محتاجة أعرف صاحب البيت مين.”
​تاني يوم اتصلت بالرقم الموجود في الإعلان، فرد عليها صوت رجل وقال: “نور؟” فردت: “أيوه.” فقال: “ممكن تيجي النهارده الساعة خمسة.” فقالت: “تمام… العنوان؟” ملاهولها فكتبته بسرعة، وبمجرد ما قفلت بدأت تجهز نفسها. لم تكن تعرف أن الرقم الذي تحدثت معه لم يكن عشوائيًا، ولم تكن تعرف أن صاحب البيت كان يعرف اسمها أصلًا ويعرف أكثر مما تتخيل.
​في الخامسة إلا عشر دقائق، وقفت نور أمام بوابة حديدية ضخمة، رفعت رأسها وبصت للقصر من بعيد وقالت: “هو أنا جاية أشتغل ولا داخلة قصر ملك؟” رجعت تبص للعنوان المكتوب في إيدها ثم رفعت عينيها للوحة الموجودة على البوابة، نفس العنوان، فقالت: “يبقى هو.” ضغطت الجرس، وبعد ثوانٍ فتحت لها البوابة فدخلت وهي قابضة على حقيبتها بقوة تحاول تخفي ارتباكها، لكن كل خطوة كانت بتأكد لها إن المكان أغلى من كل الأماكن اللي دخلتها في حياتها.
​دخلت القصر واستقبلتها إحدى العاملات، فقالت نور بسرعة: “أنا جاية بخصوص الشغل.” فردت العاملة: “اتفضلي.” دخلت الصالة وسألت: “ممكن أعرف الأستاذ الكبير فين؟ قالولي إني هكون مسؤولة عن رعايته.” بصت لها العاملة للحظة ثم ابتسمت وقالت: “هو هيقابلك بنفسه.” استغربت نور وسألت: “دلوقتي؟” فقالت: “أيوه”، وتركتها. بصت نور وراها وقالت: “طب كويس…” عدلت شعرها وشدت على حقيبتها، ثم سمعت صوت خطوات قادمة من الممر، خطوات هادئة وثابتة مش خطوات رجل مسن.
​رفعت رأسها واتجمدت؛ هو، آدم، نفس الوجه ونفس العينين الباردتين ونفس الرجل الذي رماها بالقهوة منذ أيام. وقف أمامها مرتديًا قميصًا أسود وأكمامه مرفوعة حتى ساعديه، بص لها للحظات ولا يبدو عليه أي اندهاش، أما هي فكانت مصدومة وقالت: “إنت؟!” قال بهدوء: “واضح إن ذاكرتك كويسة.” بصت نور حولها ثم رجعت له وسألت: “ده بيتك؟” فرد: “أيوه.” فسألت: “والشغل…” فأجاب: “عندي.” سكتت وبدأت تستوعب ثم قالت: “أنا كنت فاكرة إني جاية لرجل مسن.” فابتسم ابتسامة ساخرة وقال: “وأنا كنت فاكر إنك بتعرفي تقري.” قطبت حاجبيها وسألت: “يعني إيه؟” فأشار إلى الورقة في إيدها فقرأت: “الإعلان مكتوب فيه إن العمل لرعاية رجل مسن.”

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *