عنيدة في قصره ج١ بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

اقترب منها بخطوات سريعة ومهددة حتى أصبح على بُعد خطوات قليلة منها، ونظر إلى الصورة على المكتب، ثم رفع عينيه إليها:
“أنا مش قلت المكتب ده ممنوع تدخليه وأنا مش موجود فيه؟
ولا إنتي مابتفهميش إلا بالعين الحمرا؟”
نور شعرت بالإهانة، وارتفعت ذقنها تلقائياً بالرفض:
“أنا ما مدخلتش أفتش في أسرارك! أنا شفت المطر بيدخل والورق بيطير، وعملت اللي بالأصول والواجب!”
آدم بصوت منخفض ومحمل بالتهديد:
“واجبك تبقي في حدود شغلك وبس..
إنتي مفكرة إنك لما تقربي من أمي وتكسبي عطفها إنك بقيتي صاحبة بيت؟ إنتِ هنا مجرد موظفة.. فاهمة؟
الكلمات نزلت على نور كالصفعة.
تراجعت خطوة للخلف، وعيناها لمعتا بغضب مكتوم، لكنها لم تسمح لدمعة واحدة أن تسقط.
ابتسمت بسخرية مريرة وقالت بصوت ثابت هز أركان الغرفة:
“صح.. أنا مجرد موظفة بس كلامك ده على اللي بيخافوا منك أو على اللي يبيعوا كرامتهم عشان قرشين.
أنا دخلت أمنع خسارة في بيتك، بس واضح إن أكبر خسارة في البيت ده هي طريقة تفكيرك.”
أخذت حقيبتها بقوة، ومشيت باتجاه الباب.
وقف آدم في منتصف الغرفة، وعيناه مثبتتان عليها. لأول مرة، لم يجد كلمة رد بها. الكلمات خرجت منها بقوة جعلته يشعر بضآلة سلطته أمام عزة نفسها.
قبل أن تفتح الباب، التفتت إليه وقالت بنبرة هادئة لكنها أشد قسوة من المطر في الخارج:
“المطر اللي بره قاسي يا أستاذ آدم.. بس القسوة اللي جوالك أبرد بكتير. عن أذنك.”
خرجت وأغلقت الباب خلفها.
ساد الصمت المكتب.
نظر آدم إلى النافذة المغلقة، ثم إلى الصورة الموضوعة على المكتب. أمسك بالإطار الخشبي، وظلت كلماتها تردد في ذهنه: “أكبر خسارة في البيت ده هي طريقة تفكيرك”.
قبض على يده بقوة، ثم ضرب بكفّيه سطح المكتب بعنف، فسقط ما عليه أرضًا.
مرت ثلاثة أيام ولم تظهر نور في القصر.
في اليوم الأول، ظن آدم أنها تحاول مناورته، أخذ يقلب ساعته وينظر إلى الباب كل دقيقة، فكه مشدود وغضبه يزداد مع كل ثانية تتأخر فيها. وفي اليوم الثاني، تحول غضبه إلى بركان مكتوم. كيف تجرؤ على التغيب دون إذن؟ كيف تتجاهل العقد والشرط الجزائي وتضرب بكل شيء عرض الحائط؟
كرامتها التي تتحدث عنها دوماً بدأت تثير حنقه، لكنه لم يكن يعلم ما حدث في تلك الليلة الماطرة.
ليلتها، خرجت نور من القصر والدموع المحبوسة تغشي عينيها، ومشت في المطر الغزير لمسافة طويلة بحثاً عن أي وسيلة مواصلات، والبرد ينخر في عظامها. عادت إلى شقتها الصغيرة وهي ترتجف، ينبض رأسها بألم حاد، لتستيقظ في اليوم التالي بجسد متهالك وحرارة مرتفعة، ولم تكن قادرة حتى على رفع يدها لتستمسك بالهاتف، وهي التي تعيش بمفردها يتيمة لا جليس لها ولا معين.
في صباح اليوم الثالث، فاض الكيل بآدم.
وقف في منتصف الصالة يرتدي معطفه الأسود، وعيناه تشتعلان قسوة وإصراراً. قال لمساعده بصوت صارم:
“هاتلي عنوان بيتها حالاً.. البنت دي فاكرة إنها تقدر تلعب معايا، وأنا هعرف أرجعها إزاي.”
تحركت سيارته بسرعة نحو الحي الشعبي البسيط الذي تسكن فيه. كان يتوعدها في سره، مستحلفاً أن يجعلها تدفع ثمن كل لحظة جعلته ينتظر فيها، وثمن استخفافها بحدوده وشروطه.
ترجل من السيارة بهيبته المعتادة التي بدت غريبة على أزقة الحي، وصعد الدرج المتهالك حتى وقف أمام باب شقتها.
دبّ على الباب بقوة:
“نور!”
لا إجابة.
أعاد الطرق بحدّة أكبر، وصوته يتردد في البناء:
“افتحي يا نور.. اللعب ده مش معايا!”
ساد الصمت. أخرج هاتفه وطلب رقمها، وفي اللحظة التي وضع فيها الهاتف على أذنه، سمع صوت رنين خفيض يخرج من خلف الباب المغلق. الرنين يستمر.. ولا أحد يجيب.
شعر بنغزة مفاجئة في صدره. تردد الصوت في الممر الفارغ أثار في نفسه شكاً مظلماً؛ لو كانت تهرب منه لأغلقت هاتفها، لكن الرنين ينطلق بلا مجيب.
بدأ يلتف حول المكان بتوتر وخطوات سريعة. انتبه لخلفية الدور، ورأى الشقة المجاورة لشقتها. بادر بالنزول سريعاً إلى أسفل المبنى، وأمسك ببواب العمارة من ذراعه بنبرة لا تحتمل النقاش:
“السكان اللي في الشقة اللي جنب نور فين؟ الشقة دي مقفولة؟”
ارتبك البواب من هيبة آدم وملابسه الرسمية:
“أيوه يا بيه.. الشقة دي فاضية وصاحبها سايب معايا المفتاح علشان لو حد حب يعاينها.”
”افتحهالي حالاً!” أمره آدم بصوت حاسم.
صعد البواب ركضاً خلفه، وفتح باب الشقة المجاورة. دخل آدم كالإعصار واستكشف البلكونة الملاصقة لشقة نور. كانت هناك مسافة بين البلكونتين تفصل بينهما سور خرساني بارتفاع متوسط.
دون تردد، وبكل جسارة، تخطى السور المرتفع وقفز إلى بلكونة شقتها، غير أبهٍ بارتفاع الدور أو خطورة الحركة. دفعة واحدة منه على باب البلكونة الخشبي المتهالك كانت كفيلة بفتحه.
دخل الصالة. المكان كان بارداً ومظلماً.
”نور؟”
تتبع صوت رنين الهاتف الذي كان لا يزال يعمل، حتى وصل إلى باب الغرفة. فتحه ببطء… لتتوقف أنفاسه.
كانت نور ممددة على الفراش، وجهها شاحب كالأوراق الجافة، شفتان مبيضتان، وجسدها يرتجف بحدة تحت غطاء خفيف، بينما يدها ملقاة بضعف بجانب الهاتف المنبعث منه ضوء مكالمته.
اقترب منها بخطوات متسارعة، وضغط على كتفها بلهفة خالية من أي قسوة:
“نور.. نور سمعاني!”
لم تستجب، كان جسدها مشتعلاً كالجمر من شدة الحمى. لم تكن تهرب منه، ولم تكن تتحدّاه.. كانت تصارع المرض وحدها في عتمة هذه الغرفة.
في تلك اللحظة، اختفت كل مشاعر الغضب والاستحلاف من قلب آدم السيوفي، وحل محلها خوف حقيقي لم يشعر به منذ سنوات طويلة.
انحنى آدم نحوها بلهفة غير معتادة، ووضع ظهر يده على جبينها، فكانت حرارة جسدها المشتعل تكاد تحرق أنامله.
أزاح الغطاء الخفيف، ولَفّ ذراعيه حولها ليرفعها بين يديه بتمكن. بين اليقظة والغفلة، فتحت نور عينيها ببطء شديد، ورأتها عيناه المشوشتان وهو يحملها، فمال رأسها بضعف على صدره، وهمست بصوت بحّاح ومتقطع للغاية كأنه طالع من البكاء:
“إنت… جيت ليه؟… أوعى تكون جاي تكسرني تاني…”
كلماتها نزلت على قلبه كأنها طعنة، وضغط على أسنانه وهو يشدد قبضته عليها بحنوٍّ خفيّ، وقال بصوت خفيض ونبرة خالية تماماً من قسوته المعتادة:
“اسكتي خالص يا نور… مش وقت كلام.”
خرج بها من الشقة بعدما فتح البواب الباب من الداخل، ونزل بها الدرج بخطوات سريعة وثابتة. وضعها في السيارة الخلفية برفق، وقاد بأقصى سرعة نحو القصر وهو يتابع وجهها الشاحب في المرآة. أخرج هاتفه واتصل بطبيبه الخاص بنبرة حادة يملؤها الذعر:
“دكتور سامح… تكون في القصر خلال خمس دقايق، عندي حالة طوارئ!”
وصل السيارة القصر، ونزل يحملها مجدداً، لترتطم به الحاجة سيرة وهي شهقة مفزوعة:
“يا ساتر يا رب! نور؟! مالها البنت يا آدم؟!”
”تعبانة جداً يا أمي.. الحرارة عالية.”
صعد بها فوراً ووضعها على الفراش. دقائق معدودة ودخل الدكتور سامح مهرولاً، فحص نبضها وقاس حرارتها، ليتحول وجهه إلى الجدية الشديدة وهو ينظر لآدم:
“الحرارة كاسرة الأربعين يا آدم بيه، والمحاليل هتاخد وقت عقبال ما تعمل مفعول وده خطر جداً على مخها. أنسب وأسرع حاجة طارئة تنزل الحرارة دي حالاً إنها تنزل البانيو في مية فاترة ممتدة للبرودة.”
لم ينتظر آدم ثانية واحدة. دخل الحمام الملحق بالغرفة، فتح الصنبور حتى امتلأ البانيو بالماء، ثم عاد وانحنى ليرفع نور بين ذراعيه مجدداً.
دخل بها الحمام ونزل بها تدريجياً بكامل ملابسها داخل المياه الباردة.
وما إن لمست المياه جسدها المشتعل، حتى جفلت نور بشدة وانتابتها هزة عنيفة من صدمة البرودة. وبدون وعي منها، ولشدة خوفها ورعبها من برودة المياه، أطلقت زفيراً ساخناً وتشبثت بعنقه بقوة.
لفت ذراعيها المرتجفتين حول رقبته بكل ما تبقى لها من قوة، ودفنت وجهها بالكامل في مجرى عنقه تحتمي به من المياه.
في تلك اللحظة، جمد آدم في مكانه وسط المياه.
سرت في جسده رعشة وموجة كهرباء دافئة تغزو عروقه، أربكت كل ثباته الخرساني لأول مرة في حياته. أنفاسها الساخنة التي تلفح رقبته، وقربها الفجائي الخالي من أي دفاعات أو كبرياء، جعل ضربات قلبه تتسارع بصخب جنوني.
أغمض عينيه للحظة ليستوعب التناقض المرعب بين حرارة أنفاسها وبرودة المياه، ثم رفع يده ببطء وحنوٍّ غير مألوف، وأحاط ظهرها المبتل ليحتضنها لبرهة. بدأ يربت على ظهرها ويهدئها بصوت خفيض ودافئ جداً بالقرب من أذنها:
“اهدي… اهدي يا نور. أنا جنبك.. المية دي هي اللي هتنزل الحرارة، اهدي خالص ومش هسيبك.”
أرخت نور قبضتها قليلاً بعد أن تسللت نبرته الدافئة إلى عقلها المجهد، لكنها ظلت متمسكة برقبته كمن يتعلق بطوق نجاة، بينما استمر آدم في سكب المياه برفق على كتفيها بيده الأخرى وهو يحضنها، عاجزاً عن إبعاد عينيه عن وجهها الشاحب، ومدركاً في أعماقه أن هذه الفتاة قد غيّرت قواعد لعبه للأبد.
ظلا على هذا الحال لدقائق مرت كأنها دهر.
كانت المياه تبرد جسدها المشتعل تدريجياً، بينما حرارة قربها تشعل في صدّره حريقاً من نوع آخر. بدأ يلاحظ أن ركبتيها لم تعودا قادرين على حملها، وأن رأسها ألقى بكل ثقله على كتفه، معلنة استسلامها التام للغيبوبة التي فرضها عليها الإرهاق والمكافحة.
رفعها آدم ببطء شديد من البانيو. كانت ملابسه هو الأخرى قد ابتلت بالكامل، لكنه لم يكترث. لفها بمنشفة كبيرة دافئة وضعها البواب أو الخادمة على عجالة، وحملها بين يديه وعاد بها إلى الغرفة.
كانت الحاجة سيرة تنتظر عند الباب وعيناها ممتلئتان بالدموع، وخلفها الدكتور سامح الذي سارع بضبط المحلول ووضع الإبرة في ذراعها النحيلة بكل حرص.
”الحرارة بدأت تنزل تدريجياً يا آدم بيه..” قالها الطبيب وهو يمسح عرق جبينه، ثم أضاف بلهجة تحذيرية: “بس جسمها ضعيف جداً، واضح إنها مأكلتش حاجة من فترة، والضغط النفسي مع البرد عمل الشغل ده كله. المحلول ده هيغذيها، والمفروض تفوق على الصبح. محتاجة راحة تامة وعناية.”
أومأ آدم برأسه دون أن ينطق بكلمة. عيناه لم تفارقا وجهها الشاحب الذي بدأ يستعيد نضارته الهادئة تحت تأثير العلاج والماء.
بعد مغادرة الطبيب، اقتربت الحاجة سيرة وجلست على طرف الفراش، تعدل الغطاء على جسد نور الثقيل. التفتت إلى ابنها وقالت بصوت ممتلئ بالعتاب الحنون:
“إنت عملت فيها إيه يا آدم؟ البنت دي خرجت من هنا ليلتها وهي بتعيط، ومشيت في المطر القاتل ده علشان كرامتها.. إنت ليه قاسي كده مع واحدة يتيمة ملهاش حد؟”
وقف آدم عند النافذة، يداه في جيبيه، ينظر إلى المطر الذي بدأ يهدأ في الخارج.
لم يجبتها فوراً. كان صوت نور وهو يتردد في أذنه تحت المياه: “أوعى تكون جاي تكسرني تاني…” يتردد كأنها مطرقة تضرب على كبرياءه.
تنهد بعمق، وقال دون أن يلتفت:
“أنا مكنتش أقصد أوصلها للوضع ده يا أمي.”
”بس وصلتها..” ردت الحاجة سيرة بثبات، ثم تابعت: “نور مش زي أي حد دخل القصر ده يا ابني. الفلوس والنفوذ بتوعك ميحركوش فيها شعرة.. البنت دي كرامتها هي كل اللي حيلتها، ولو حسّت إنك بتهينها تاني، مش هتقعد هنا دقيقة واحدة حتى لو العقد بتاعك فيه شرط جزائي يبني بينكم جدار.”
سكت آدم. كانت كلماتها تؤكد ما اكتشفه بنفسه منذ قليل.
”سبيها ترتاح يا أمي.. انزلي إنتِ نامي وأنا هفضل جنبها.”
نظرت إليه الحاجة سيرة بذهول خفيف، فرؤية آدم السيوفي يتنازل ويجلس بجوار مريضة طوال الليل كانت معجزة لم تشهدها من قبل. ابتسمت براحة خفية، ثم قامت وربتت على كتفه:
“تصبح على خير يا ابني.. ويا رب تكون فهمت الدرس.”
خرجت الحاجة سيرة وأغلقت الباب بهدوء.
سحب آدم كرسياً خشبياً وقرّبه من السرير، ثم جلس عليه. غير ملابسه المبتلة سريعاً بملابس جافة، وعاد ليجلس بجانبها في العتمة الهادئة التي لا يقطعها إلا صوت جهاز المحلول ومنظار ساعات الليل.
تأمل ملامحها الهادئة وهي نائمة. كانت تبدو صغيرة، رقيقة، وخالية من تلك القوة والتحدي الذي تظهره دائماً أمامه. رفع يده ببطء، وفي لحظة تردد قصيرة، حرك أصابعه يزيح خصلة شعر جافة أطلت على جبهتها.
همس لنفسه بصوت خفيض لم يسمعه سواه:
“كنت فاكر إن الفلوس تقدر تشتري كل حاجة.. لحد ما جيتي إنتِ وثبتيلي إن فيه حاجات برة حدود سلطتي.. يا نور.”
مع بشاير الفجر الأولى، بدأت نور تحرك رأسها ببطء على الوسادة، وأطلقت زفيراً خفيفاً وهي تفتح عينيها بتثاقل، لتجد يد آدم القوية لا تزال تمسك بطرف الفراش بجانب يدها، وعيناه الساهرتان تنظران إليها بلهفة لم ترها في رجل من قبل.
رمشت نور عدة مرات محاولة استيعاب المكان من حولها. الغرفة الفسيحة، الإضاءة الدافئة الخافتة، وصوت أنفاسه القريبة… كل شيء كان يصرخ بأنها لم تعد في شقتها الباردة، بل في قلعته.
حاولت أن تسحب يدها ببطء من على الفراش، لكن حركة أصابعها جعلت آدم يستقيم في جلسته فوراً. نظرت إليه بعينين يملؤهما الشك والمقاومة، وظلت صامتة لثوانٍ قبل أن تنطق بصوت يبحّه التعب:
“أنا… أنا إيه اللي جابني هنا؟”
لم يحاول آدم أن يبدو جافاً كعادته، لكنه احتفظ بنبرته الهادئة وقارها:
“أنا اللي جبتك. الحرارة كانت كاسرة الأربعين، وكنتِ غايبة عن الوعي في شقتك.”
اتسعت عينها بقلق خفي، وتذكرت طيف المشاهد المشوشة… صدمة الماء البارد، الخوف الذي استبد بها، وذراعاها اللتان التفتا حول رقبته دون إرادة منها. صبغت حمرة الخجل وجنتيها الشاحبتين فوراً، ورفعت الغطاء إلى أعلى صدرها تحتمي به، وقالت بنبرة حاولت جعلها حادة:
“مين سمحلك تدخل بيتي؟ ومين أدالك الحق تجيبني هنا؟”
رفع آدم حاجباً واحداً، وسند كفيه على ركبتيه وهو يميل نحوها قليلاً:
“مين سمحلي؟ الباب كان مقفول وأنتِ جوة بتموتي. كنتِ عايزاني أسيبك وأمشي وأستنى لحد ما أشوف العقد بتاعك هيتنفذ إزاي؟”
ضغطت على شفاهها الجافة بغيظ، وقالت وهي تحاول الجلوس:
“أنا أموت أو أعيش دي حاجة تخصني… أنا مش ملكك، ولا الفلوس اللي عندك تديك الحق تتصرف في حياتي!”
لكن البرودة والمجهود خاناها، فشعرت بدوار مفاجئ جعلها تغلق عينيها وتعود بظهرها إلى الوسادة فوراً.
مد آدم يده تلقائياً ليمسك بكتفها حتى لا تسقط، فلامست أنامله بشرتها، لتسري بينهما نفس الشرارة الحارقة التي شهدها البانيو بالأمس. جمدت نور مكانها، ونظرت إلى يده المثبتة على كتفها، ثم رفعت عينها إلى عينيه مباشرة.
كانت المسافة بينهما قريبة جداً، وأنفاسه الثقيلة تلامس وجهها.
قال بصوت خفيض، ناعم على غير العادة، وفي عينيه لمعة غموض لم تفهمها:
“اهدي… الكبرياء بتاعك ده هو اللي وصلك لهنا من الأول. خرجتي في المطر وركبتِ دماغك، والنتيجة إنك كنتِ هتضيعي.”
نور، وهي تنظر في عمق عينيه بثبات رغم ضعفها:
“أضيع بره بيتك وأنا شايالة كرامتي… ولا أعيش جوة بيتك وأنا حاسة إني عبدة عندك يا آدم بيه.”
ساد الصمت الغرفة. كانت الكلمة تتردد بينهما كالتحدي.
آدم لم يغضب هذه المرة، بل ظل يحدد ملامحها بنظرات متمهلة، قبل أن يرفع يده ببطء ويترك كتفها، ثم وقف بطوله المعتد.
”أمي كانت صاحية طول الليل قلقانة عليكي، والدكتور هييجي كمان ساعة يفحصك تاني.”
تحرك نحو الباب، وقبل أن يفتحه، التفت إليها وقال ببرود متصنع لكن نبرته احتوت على دفء خفي:
“أول ما تبقي كويسة وتقدر تقفي على رجليكي… نتكلم في الشغل. إنما دلوقتي، تصرفي كإنك ضيفة في البيت ده… مش موظفة.”
خرج وأغلق الباب خلفه بهدوء.
جلست نور تتابع الباب المغلق بأفكار متضاربة، يدها الموضوعة على ذراعها المتبوع بالمحلول ترتجف خفيفة، وقلبها ينبض بسرعة لم تعهدها من قبل… وهي تسأل نفسها: هل تحول هذا الرجل حقاً، أم أن القسوة مجرد قناع يرتديه ليحمي به نفسه؟
بعد خروجه، مرت بضع دقائق قبل أن تُفتح أظرف الستائر، وتدخل الحاجة سيرة وهي تحمل صينية صغيرة عليها كوب من العصير الدافئ وبعض قطع البسكويت.
ابتسمت الحاجة سيرة بحنان دافئ وهي تقترب من السرير:
“حمد الله على سلامتك يا نور يا بنتي.. خضتينا عليكِ والله.”
حاولت نور إظهار التماسك وتعديل جلستها احتراماً لها:
“الله يسلمك يا طنط.. أنا متأسفة جداً إني سببتلكم إزعاج.”
”إزعاج إيه بس يا هبلة؟” قاطعتها الحاجة سيرة وهي تجلس بجانبها وتضع الصينية على الطاولة:
“أنا لو عندي بنت زيك مكنتش هفرط فيها أبداً.. اشربي العصير ده عشان المصل اللي أخدتيه يبدأ يعمل مفعول.”
أخذت نور الكوب بامتنان، وقبل أن تشرب، نظرت إلى الأرض برهة ثم رفعت عينيها بقلق:
“هو… هو أستاذ آدم مشي؟”
ضحكت الحاجة سيرة خفيفة، وشبكت يديها فوق ركبتيها وهي تتأمل وجه نور:
“مشي راح شركته من نص ساعة.. بس منامش طول الليل يا نور. كان واقف زي الحارس جنب الباب، وكل شوية يطل عليكِ ويشوف الحرارة نزلِت ولا لسه.”
سكنت حركة نور، وعاد الخجل يتملكها مجدداً، لترد بصوت خفيض:
“هو بيعمل كده بس عشان خايف على العقد والشرط الجزائي.. مش أكتر.”



