عنيدة في قصره ج١ بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

فقال: “وأنا الرجل المسن.”
بصت له من فوق لتحت ثم قالت ببرود: “حضرتك مش مسن.” رفع حاجبه وقال: “أهو دي أول حاجة اتفقنا عليها.” كتمت نور ضحتكها رغمًا عنها ثم تذكرت من أمامها فعادت ملامحها للجدية وقالت: “يبقى حصل سوء تفاهم”، واستدارت لتغادر. جاء صوته خلفها وقال: “استني.” توقفت وسألت: “إيه؟” فقال: “إنتِ مش هتمشي.” التفتت له وسألت: “ليه؟” فاقترب منها ببطء وقال: “لأنك ماضية عقد.” عبست نور وسألت: “عقد إيه؟” فمد يده إلى الطاولة وأخذ ملفًا ثم رماه أمامها وقال: “عقد شغلك.” فتحت الملف بسرعة، عينيها جرت على السطور ثم توقفت وقلبت الصفحة.
وجهها تغير، فقالت: “ده العقد اللي مضيته في الكافيه.” فرد ببرود: “عارف.” رفعت عينيها إليه وسألت: “إنت عملت إيه؟” فقال: “العقد كان فيه بند يسمح بنقل التعاقد.” صرخت بغضب: “نقل التعاقد؟! أنا ماضية على شغل جرسونة، مش جاية أشتغل عندك!” قال بهدوء: “دلوقتي هتشتغلي عندي لحد ما أنا أقول أمشي.” ضحكت من شدة الصدمة وقالت: “لا طبعًا مستحيل”، فرد بسرعة: “إذن ادفعي الشرط الجزائي.” سكتت بينما هو كان ينتظر رد فعلها، فتح صفحة محددة في العقد وأشار إليها وقال: “المبلغ موجود هنا.” قرأت نور الرقم وشحب وجهها، فالمبلغ مستحيل بالنسبة لها. رفعت رأسها ببطء وسألت: “إنت عايز توصل لإيه؟” اقترب منها وقال بصوت منخفض: “عايز أشوف الكبرياء اللي كان واقف قدام أصحابي في الكافيه… هيعمل إيه لما يتحط قدامه رقم زي ده.” قبضت نور على الورقة وكانت عيناها تلمعان بالغضب، لكنها لم تبكي ولم تطلب منه الرحمة، فقط رفعت ذقنها وقالت: “تمام.” ابتسم وسأل: “تمام إيه؟” فقالت: “هشتغل.” نظر إليها بانتصار، لكنها أكملت: “هشتغل بس شهر واحد عشان محتاجة الفلوس… مش عشان إنت كسرتني.” اختفت ابتسامته وأضافت وهي تضع العقد على الطاولة: “ومتفرحش أوي… أنا بدخل بيتك موظفة، مش عبدة عندك.” اقترب منها حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة وثبتت عيناه على عينيها وقال: “وأنا مش متعود حد يحطلي شروط في بيتي.” رفعت عينيها له بثبات وقالت: “وأنا مش متعودة حد يشتري كرامتي بفلوسه.” لثوانٍ لم يتكلم أي منهما، وكان الصمت بينهما أشبه بمواجهة، ثم ابتعد آدم وقال ببرود: “ابدئي شغلك من بكرة.” التقاطت نور حقيبتها وقالت: “من بكرة.” وقبل أن تخرج سمعته يقول: “استني.” التفتت وسألت: “نعم؟” نظر إليها طويلًا وقال بعد لحظة: “المرة الجاية لما تدخلي بيتي… خليكي فاكرة إنك داخلة عند آدم السيوفي.” ابتسمت نور ابتسامة صغيرة متحدية وقالت: “وإنت خليك فاكر إنك جبت مشاكل بنفسك لبيتك”، ثم خرجت. ولأول مرة منذ سنوات وقف آدم مكانه غير قادر على تحديد سبب الضيق الذي شعر به، هل لأنه لم ينجح في كسرها؟ أم لأن جزءًا منه كان قد بدأ يستمتع بأنها الوحيدة التي تجرؤ على مواجهته؟
في صباح اليوم التالي، وقفت نور أمام بوابة قصر آدم مرة تانية، لكن المرة دي ما كانتش جاية بالصدفة، كانت جاية وهي عارفة بالضبط هي داخلة على إيه. شدت على حزام حقيبتها وقالت لنفسها: “شغل وبس يا نور… تخلصي الشهر، تاخدي فلوسك، وتمشي… وممنوع تردي عليه”، سكتت لحظة ثم أضافت: “ولو استفزك… مترديش.” دخلت واستقبلتها نفس العاملة التي قابلتها بالأمس فقالت لها: “صباح الخير”، فردت العاملة: “صباح النور، الأستاذ آدم مستنيكي.” نور وقفت وسألت: “هو ليه مستنيني؟” فابتسمت العاملة وقالت: “مش عارفة.” نور تمتمت: “أكيد عايز يبدأ من أول يوم نكد.” صعدت الدرج ووصلت إلى المكتب وطرقت الباب مرتين، فجاءها صوته: “ادخلي.” فتحت الباب وكان آدم واقفًا أمام النافذة يتحدث في الهاتف، وأشار لها بيده أن تنتظر. وقفت نور عند الباب؛ ثوانٍ… ثم دقيقة… ثم خمس دقائق. أنهى المكالمة أخيرًا ووضع الهاتف على المكتب ثم نظر إليها وقال: “اتأخرتي.” بصت نور في ساعتها وقالت: “أنا جيت قبل معادي بعشر دقايق.” فسألها: “يعني معادك إمتى؟” فقالت: “تسعة.” نظر إلى ساعته وقال: “الساعة تسعة ودقيقتين.” أخذت نور نفسًا عميقًا وقالت: “حضرتك كنت بتتكلم في التليفون، وأنا واقفة مستنياك.” فقال: “دي مش مشكلتي.” ابتسمت بسخرية وقالت: “واضح.” رفع عينيه إليها وسألها: “عندك مشكلة؟” فقالت: “لأ”، فقال: “كويس”، وأشار إلى كرسي أمام المكتب وقال: “اقعدي.” جلست فوضع أمامها ورقة وقال: “دي تعليمات الشغل.” أخذتها وبدأت تقرأ ثم رفعت حاجبها وسألت: “أول حاجة… ممنوع استخدام المطبخ بعد الساعة عشرة؟” فقال: “أيوه”، فسألت: “ليه؟” فأجاب: “لأن ده نظام البيت.” أكملت القراءة وسألت: “ممنوع استقبال أي حد؟” فقال: “صحيح”، وسألت: “ممنوع دخول المكتب؟” فقال: “صحيح.” رفعت عينيها وسألت: “في حاجة تانية؟” فقال: “آه”، واقترب منها قليلًا وأضاف: “ممنوع الجدال معايا.” سكتت نور ونظرت إلى الورقة ثم إليه وسألت: “دي تعليمات الشغل ولا قوانين سجن؟” أخذ الورقة من أمامها وقال: “لو مش عاجبك…” فقاطعت كلامه وقالت: “هتقوللي ادفعي الشرط الجزائي، عارفة.” توقف فابتسمت نور وقالت: “بقيت حافظاك.” ظل ينظر إليها ثم قال: “واضح إنك بتتعلمي بسرعة”، فقالت: “مضطرة.” للحظة التقت عيونهم، وكانت أول مرة يرى فيها شيئًا مختلفًا خلف عنادها؛ لم تكن تتحداه لمجرد التحدي، هي فعلًا مضطرة، لكنه لم يسأل ولا هي كانت مستعدة تحكي. أشار للباب وقال: “روحي ششوف والدتي.” توقفت نور وسألت: “والدتك؟” فقال: “أيوه”، فسألت: “مش حضرتك الرجل المسن؟” نظر إليها ببرود وسأل: “كنتِ مصدقة فعلًا إني مسن؟” ضحكت رغمًا عنها وقالت: “بصراحة… كنت متوقعة واحد على الأقل عنده سبعين سنة”، فقال: “وأنا توقعت إن عندك ذكاء أكتر”، فردت: “واضح إن توقعاتنا سيئة.” خرجت قبل ما يرد، ولأول مرة منذ دخولها القصر ارتسمت على وجه آدم ابتسامة خفيفة.
توجهت نور نحو الغرفة التي أشارت إليها العاملة، طرقت الباب ببطء ثم فتحته. كانت الغرفة واسعة ممتلئة بالضوء والألوان الدافئة، وتجلس فيها سيدة كبيرة في السن تحمل ملامح هادئة وطيبة تتناقض تماماً مع قسوة آدم، كانت تجلس على كرسي متحرك بجوار النافذة وتحمل في يدها كتاباً. التفتت السيدة بابتسامة دافئة وقالت: “أكيد أنتي نور؟”
نور ابتسمت بتلقائية، وشعرت لأول مرة منذ دخولها هذا القصر بحالة من الراحة:
“أيوه يا فندم.. صباح الخير.”
”صباح النور يا بنتي.. تعالِ اقعدي.”
اقتربت نور وجلست بجانبها. قالت السيدة بأسف:
“أنا سيرة، والدة آدم.. متأسفة لو آدم أزعجك أو ضايقك بأسلوبه، هو من يومه دماغه ناشفة وبيحب يمشي كل حاجة بأمره.”
نور تنهدت بخفة وقالت بعفوية:
“دماغه ناشفة بس يا طنط؟ ده محتاج كتالوج علشان أقدر أفهمه!”


