عنيدة في قصره ج١ بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

​هزت الحاجة سيرة رأسها بقلة حيلة وهي تبتسم:
“آدم ابني وأنا أدرى بيه منك.. آدم الفلوس والعقود عنده لعبة بيحرك بيها الناس، بس اللي شفته في عينيه امبارح وهو شايلك وداخل بيكي من الباب ملوش أي علاقة بالشرط الجزائي. ده كان خوف يا بنتي.. خوف حقيقي أول مرة ألمحه في عينيه من سنين طويلة.”

​ساد الصمت بينهما. كلماتها كانت تتسلل إلى قلب نور كرميات دافئة، تجعلها تتساءل في سرها عن حقيقة هذا الرجل المليء بالتناقضات.
​في المساء، كانت نور قد استعادت جزءا كبير من عافيتها بفضل الرعاية والراحة. ارتدت ملابسها الجافة، وقررت النزول إلى الصالة الرئيسية لتبدأ عملها كالمعتاد، رافضة أن تبقى في موقع “الضيفة”.
​أثناء نزولها الدرج ببطء، فتح الباب الرئيسي ودخل آدم.
​كان يرتدي بذلته الكحلية، يخلع معطفه الأنيق ويعطيه للخادمة، قبل أن يرفع عينيه ليلتقي بنظرات نور على منتصف الدرج.
​توقف مكانه.
​تأملها لثوانٍ وهو يرى وجهها وقد عادت إليه نضارته الطبيعية، رغم الشحوب الخفيف الذي لا يزال يحيط بعينيها.
​قال بنبرة هادئة وهو يتقدم نحو أسفل الدرج:
“مين سمحلك تنزلي؟ الدكتور قال راحة تامة النهاردة.”
​وقفت نور على الدرجة الأخيرة، وقالت بجمود تحاول به حماية نفسها:
“أنا بقيت كويسة جداً.. وجاهزة أرجع لشغلي. أنا مش جاية أنام.”
​اقترب منها حتى أصبحت هناك خطوة واحدة تفصل بينهما، وأدخل يديه في جيبي بنطاله متطلعاً في عينيها بثبات:
“والشغل عندي بيقتضي إنك تسمعي الكلام.. لما أقول راحة، يبقى راحة.”
​نور بحدة خفيفة:
“حضرتك مش طبيبي يا أستاذ آدم.”
​آدم، وهو يميل برأسه قليلاً وارتسمت على شفتيه أشباه ابتسامة ساحرة وساخرة في آن واحد:
“بس أنا صاحب العمل… وصاحب القصر.. والراجل اللي نط من البلكونة عشان ينقذك، أعتقد ده يديني حق أقولك ارجعي أوضتك يرتاح جسدك ده شوية.”

​احمرّ وجه نور خجلاً من تذكيره لمشهد قفزه وتواجده في شقتها، ونظرت بعيداً وهي تضغط على شفتيها:
“شكراً على اللي عملته.. بس ده مش معناه إنك تتحكم فيا.”
​خطا آدم خطوة إضافية للداخل ليقلص المسافة، وقال بصوت خفيض ودافئ لم يسمعه غيرها:
“أنا مش بتحكم فيكي يا نور… أنا بس بضمن إنك مش هتقعي قدامي تاني.

رجعت نور أوضتها وهي حاسة إن القصر ده بقى يتحداني بطريقة تانية خالص. مابقاش التحدي مجرد كبرياء وفلوس وشروط جزائية.. بقى فيه مشاعر مش مفهومة بتسحبها لمنطقة خفية، منطقة بتخاف منها أكتر من الفقر والحاجة.
​في صباح اليوم التالي، صحيت نور بدري بعد ما استعادت عافيتها بالكامل. ارتدت ملابسها البسيطة والمرتبة، ونزلت بثبات وهي مقررة ترجع “نور الموظفة” اللي بتعرف تحط خط فاصل حاسم بين شغلها وبين صاحب القصر.
​اتجهت لغرفة الحاجة سيرة، وفتحت الباب بابتسامة دافية:
“صباح الخير يا طنط.. جاهزة للفطور وللتمارين النهاردة؟”
​الحاجة سيرة أول ما شافتها وُجها أشرق بالكامل:
“صباح الفل يا نور.. الحمد لله إنك بقيتي بخير يا بنتي، ده البيت كان كئيب من غيرك والله.”
​قضت نور الصبح كله مع الحاجة سيرة، ساعدتها في تمارين الحركة، وقعدت تحكي لها عن مواقف طريفة حصلت لها زمان. كانت ضحكة نور الصافية والعالية ترن في الغرفة وتخرج منها لتملا الممر الفسيح.
​في نفس الوقت، كان آدم يقف في مكتبه المفتوح الباب جزئياً، يتابع بعض التصاميم الهندسية مع مهندس شاب وسيم يُدعى “طارق”، أحد أصدقاء العائلة والمقربين للعمل.
​وفجأة، وصل صوت ضحكة نور الرنانة إلى داخل المكتب.
​توقف طارق عن الحديث فجأة، ورفع رأسه بنظرة فضول وإعجاب واضحة وهو ينظر باتجاه الممر:
“إيه الصوت ده يا آدم؟ مين اللي ضحكتها بترد الروح في القصر الكئيب ده؟”
​في تلك اللحظة، تجمد آدم في مكانه. ارتسمت على ملامحه قسوة مفاجئة، وفكه اتشد بحدة وهو يلاحظ نظرة طارق وشغفه لمعرفة صاحب الصوت.
​سرت في عروق آدم نار الغيرة الشديدة، شعور حارق لم يعهده من قبل، جعله يطوي الأوراق التي بين يديه بعنف، وقال بنبرة جافة كالحديد:
“دي واحدة شغالّة هنا للوالدة.. ياريت نركز في المخططات يا طارق عشان معنديش وقت.”
​لاحظ طارق التحول المفاجئ في لغة جسد آدم ونبرته الحادة، فتراجع بحذر وهو ينهي عمله سريعاً:
” تمام يا آدم.. كده خلصنا، أستأذن أنا.”
​بمجرد أن خرج طارق واختفت خطواته، تحرك آدم نحو الممر كالإعصار. كانت غيرته تتأكل من الداخل؛ كيف تجرؤ على إخراج ضحكتها بهذه الطريقة ليسمعها رجل غريب؟ كيف تسمح لنفسها أن تلفت الأنظار؟
​وقف في منتصف الممر، ورأى نور تخرج من غرفة والدته وهي تحمل صينية العصير الفاضية رايحة المطبخ، والابتسامة ما زالت ترتسم على وجهها.
​ناداها بصوت جهوري حاد هز أرجاء المكان:
“نور!”
​توقفت نور مكانها، والتفتت له بدهشة من نبرته الغاضبة:
“نعم يا أستاذ آدم؟”
​أشار لها بيده بنبرة أمر لا تحتمل النقاش:
“تعالي على المكتب حالاً.”
​دخلت خلفه المكتب، وقبل أن تنطق بكلمة، أغلق الباب خلفها بحدة، واقترب منها بخطوات هجومية وعيناه تشتعلان غضباً، فكه مشدود ونفسه ثقيل.
​نور برهبة حاولت إخفاءها:
“في إيه؟ حصل حاجة؟”
​ضغط آدم على أسنانه وقال بصوت خفيض لكنه ينبض بالنهر والحدة:
“إنتِ فاكرة نفسك فين؟ فاكرة إنك قاعدة في بيتكوا بتضحكي بصوت عالي والرايح واللي جاي يسمعك؟”
​صُدمت نور من هجومه المفاجئ، وارتفعت ذقنها بتحدي:
“أنا كنت بضحك مع الحاجة سيرة في أوضتها! ما عملتش حاجة عيب ولا غلط!”
​اقترب منها أكثر حتى لم تفصلهما إلا إنشات قليلة، وقال ونظراته تثقب عينيها بحدة وغيره مكتومة:
“لما تكوني في بيتي… صوتك ده ميعلاش! ضحكتك دي مفيش راجل غريب يلمحها أو يسمعها في الممرات! إنتِ هنا عشان تدخلي تعملي شغلك في سكات، مش علشان تلفتي الانتباه بصوتك!”
​شعرت نور بإهانة شديدة، وألجمتها غيرته التي غلفها بأوامر السلطة، فقالت بنبرة حادة وعينين تلمعان بغضب:
“أنا مبلفتش انتباه حد يا أستاذ آدم! ولو ضحكتي مع أمك المريضة عشان أفرحها مضايقاك للدرجة دي، فحضرتك تقدر تدور على حد تاني يشتغل عندك!”
​قبض آدم على ذراعها برفق ولكن بحزم، ومنعها من الالتفاف، وقالت عينيه ما عجز لسانه عن الاعتراف به، قبل أن يزمجر بصوت خفيض:
“مفيش خروج من هنا.. ومفيش شغل عند غيري. بس القواعد هنا أنا اللي بحطها… وصوتك ده مش عايز أسمعه بره الأوضة تاني، فاهمة؟”
​نظرت نور إلى يده الممسكة بذراعها، ثم رفعت عينها لعينيه المشتعلتين بعدم فهم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *