السجن 3

## الفصل الخامس
الظابط عادل كان لسه واقف قدامي، عينه بتقدح شرار ونفسه عالي من الغيظ، مستني مني كلمة أو حركة غلط عشان يطلب لي الكرباج أو يرميني في التخشيبة الانفرادي.. بس أنا مكنتش معاه أصلاً. عيني كانت متبتة على الراجل اللي واقف وراه بـ خطوتين.. الدكتور الشيك، النظيف بزيادة على قذارة المكان ده.. دكتور شريف الهواري.
كان واقف بيعدل نظارته الطبية، وبيتكلم مع رئيس السجينات ببرود وهو بيفتح دفتر صغير في إيده.. النظرة اللي في عينه وهي بتعدي على طابور الستات الغلابة مكنتش نظرة دكتور جاي يعالج.. دي كانت نظرة تاجر بيمر على سوق غنم، بينقي الحتة السليمة اللي هتعيش، والحتة اللي لحمها طري. متوفرة على روايات و اقتباسات
“نادية!.. أنا بكلمك يا روح أمك!” — صوت الظابط عادل رجعني للواقع وهو بيخبط كف إيده في الهوا قدام وشي عشان يفوقني.
بصيت له براحة، ونزلت عيني الأرض بـ تمثيلية الغلب والكسرة اللي حفظتها خلاص:
ـ معلش يا باشا.. السرحان من قلة النوم.. قولت لك مفيش حاجة.. أنا ست في حالي، وسوسو تعبت فجأة وشالوها.. السجن مليان إشاعات وإنت سيد العارفين.
عادل جز على سنانه، وقرب لدرجة إن ريحة سجايره الخشنة خبطت في وشي:
ـ ماشي يا نادية.. بس وحياة أمي لو شميت خبر إنك بتعملي غابة جوه السجن ده، لهطلع قديمك وجديدك.. غوري على صفك!
لفيت ضهري ورجعت مكاني في أول الصف.. عيني منزلتش من على دكتور شريف.. وهو بيبدأ يتحرك مع السجانة في اتجاه المستوصف اللي في آخر الساحة.. المستوصف.. المكان اللي فايزة قالت إن بنتي مريم اتسكنت فيه قبل ما تخرج في كفن وهمي.. المكان ده بقا هدفي الجاي.
الطابور خلص، وبدأوا يوزعونا على “التشغيل”.. في السجن، السجينات الجداد بياخدوهم للمغسلة أو المطبخ عشان يتهد حيلهم.. السجانة اللي كانت واقفة نادت على اسمي ومعايا تلات بنات تانيين:
ـ نادية عبد الحميد.. على المطبخ علطول.. المعلمة فايزة طالبة ناس مساعدة هناك.
البنات اللي معايا بصوا لي بـ رعب.. كانوا فاكرين إن فايزة طالباني المطبخ عشان تدبحني جوه بعيد عن عيون الظباط.. ميعرفوش إن فايزة طالباني عشان تنفذ الأوامر اللي عطيتهالها بالليل.. المطبخ كان في ظهر المستوصف علطول، وبينهم طرقة صغيرة مبيعديش منها غير القطط الفطسانة. متوفرة على روايات و اقتباسات
دخلنا المطبخ.. الريحة جوه كانت تخنق.. حلل صاج كبـيرة بتغلي فيها شوربة مجهولة الهوية، وبخار مية مغطي السقف، وحريم واقفة بـ سكاكين كبـيرة بتقطع خضار ولحم.. أول ما دخلت، الستات سكتوا وبصوا لي بـ فضول حقيقي.. الحكاية بتاعة شهيرة وسوسو كانت خلاص لفت السجن كله.. بقيت بـ النسبة لهم لغز مرعب.
المعلمة فايزة كانت قاعدة في ركن المطبخ على كرسي خيزران عالي، في إيدها كباية شاي صعيدي تقيل.. أول ما عيني جت في عينها، نزلت كباية الشاي براحة، وعملت إشارة بـ إيدها للستات:
ـ كل واحدة على شغلها يا حريم.. مش عايزين دلع.. الأكل لازم يجهز قبل الظهر.
وبعدين بصت لي وقالت بـ صوت جهوري عشان الكل يسمع:
ـ إنتِ يا بتاعة المخدرات.. تعالي ورايا ارفعي معايا شوال الرز ده من المخزن الجواني.. حيلك شديد وتقدري عليه.
قمت مشيت وراها.. دخلنا المخزن الجواني، وده كان عبارة عن أوضة ضلمة وضيقة مليانة شوالات رز ودقيق، وفي آخرها باب خشب صغير موارب.. فايزة قفلت الباب الكبـير علينا، واتحولت في ثانية من الست المفترية لـ الست الخايفة اللي بتلتفت حواليها بـ رعب.
قالت بـ وشوشة:
ـ الدكتور شريف بره في المستوصف.. بيعمل الكشف الدوري.. ونقى بنتين من عنبر (ب) من شوية.. الورق بتاعهم هيتظبط النهاردة بليل وهيخرجوا.. إنتِ ناوية على إيه يا نادية؟.. الباشا لو شم خبر إن حد بيبعش وراه، السجن ده كله هيتنسف باللي فيه.
مسكت فايزة من جلبابها وقربتها مني:
ـ البنتين اللي نقاهم دول.. هيروحوا فين؟.. ونفس المستشفى اللي مريم راحتها؟
فايزة هزت راسها وهي بتترعش:
ـ أيوه.. مستشفى “دار الشفاء الاستثماري” في المعادي.. دكتور شريف هو المدير الفعلي للقسم الجراحي هناك.. البنات بتروح هناك تحت غطاء عمليات تبرع أو علاج وهمي، ومبيخرجوش تاني.. أنا نفذت كلمتي معاكي.. قولي لي بقا هتعملي إيه؟.. أنا مش حمل مصايب.
سيبت جلابيتها وقولت بـ تفكير سريع:
ـ أنا هخرج من هنا يا فايزة.. والنهاردة بالليل.
فايزة فتحت عيونها على الآخر وشهقت:
ـ تخرجي؟.. تخرجي إزاي يا مجنونة؟.. ده سجن نسا.. الأسوار سبعة متر والكلاب والظباط في كل حتة.. اللي بتهرب من هنا بتتدفن مكانها!
بصيت لها وضحكت بـ ثقة:
ـ مش ههرب من فوق السور.. أنا هخرج من البوابة الكبـيرة.. بـ نفس الطريقة اللي بنتي خرجت بيها.. في عربية الإسعاف بتاعة دكتور شريف.
فايزة حطت إيدها على بؤها بصدمة:
ـ إنتِ هتموتي نفسك!.. دكتور شريف مبيخرجش حد صاحي.. هو بياخد البنات مخدرين ومحطوطين في صناديق خشب تابعة للمستشفى على أساس إنها أجهزة طبية مرجوعة.. العربية بتدخل لحد باب المستوصف الجواني وبتحمل وتمشي بـ إذن خروج رسمي ممضي من المأمور نفسه!
ـ وهو ده بالظبط اللي هيحصل.. — قولت لها بـ حسم.. “النهاردة بالليل.. دكتور شريف هيخلص الكشف، والعربية هتيجي تحمل الصناديق.. إنتِ عليكي تخلي الباب الجواني للمستوصف مفتوح.. وتديني لبس دكتور أو ممرض من اللي بيبقوا في المستوصف.. الباقي بتاعي أنا.. ولو فكرتي تغدري بيا يا فايزة، افتكري إن الورق اللي بره هيتفتح في ثانية.”
فايزة هزت راسها بـ قلة حيلة:
ـ حاضر.. حاضر هعمل اللي إنتِ عايزاه.. بس لو اتمسكتِ، أنا معرفكيش.. سامعة؟.. أنا ماليش دعوة.
سيبتها وخرجت من المخزن.. الجو كان بيغلي في المطبخ، بس أنا عقلي كان شغال بـ سرعة الـ ١٠٠ ميل في الساعة.. الخطة كانت خطيرة، نسبة نجاحها مش كاملة، بس مكنش قدامي حل تاني.. مريم بقالها سنتين بره، وكل ثانية بتعدي وهي في إيد الحيتان دول بتموتني ألف مرة.
النهار عدى كأنه سنة.. الشمس كانت تقيلة ومبتنزلش.. السجينات كانوا بيتحركوا حواليا وأنا في عالم تاني.. كنت بـ حفظ ممرات السجن بـ عيني، وبـ راقب حركة السجانات ونوبتجيات الحراسة.. الساعة ٧ بالليل، نادوا على العنابر عشان تتقفل.. دخلت عنبري.. وقعدت على السرير مستنية اللحظة الحـاسمة.
الساعة بقت ١١ بالليل.. النور اتطفى.. وبدأ السكون الكئيب ينزل على المكان.. قمت من على السرير بـ خفة، وطلعت المَطواة المسنونة اللي كنت مخبياها تحت المرتبة.. حطيتها في جيب العباية.. واتسحبت لحد الباب الحديدي اللي فايزة كانت مظبطة السجانة إنه يتساب موارب لـ تاني مرة. متوفرة على روايات و اقتباسات
خرجت للممر.. المكان كان ضلمة كحل، ومفيش غير صوت الهوا اللي بيصفر في الحديد.. مشيت بـ خطى سريعة لحد ما وصلت للباب الجواني للمستوصف.. زقيت الباب بـ الراحة.. دخلت جوه.. ريحة السبرتو والفينيك كانت قوية.. النور كان شغال جوه بـ إضاءة بيضا ضعيفة.
في أوضة الكشف الجوانية.. لمحت خيال دكتور شريف.. كان قاعد على مكتب، بيمضي على أوراق بـ عصبية.. وكان فيه صندوقين خشب كبار محطوطين على الأرض جنب سرير الكشف.. الصناديق دي اللي فايزة قالت عليها.. اللي بـ يهربوا فيها البنات!
اتسحبت من وراه من غير ما يعمل أي صوت.. دكتور شريف كان مستغرق في الكتابة، لدرجة إنه مسمعش خطوات رجلي الحافية.. وقفت وراه بالظبط.. ورفعت إيدي بـ المطواة.. وبصوت واطي وبارد قولت:
ـ دكتور شريف.. لو حركت إيدك أو طلعت صوت.. الس-كينة دي هتجرب شرايين رقبتك في ثانية.
الدكتور اتجمد في مكانه.. القلم وقع من إيده على الورق.. لمحت رعب حقيقي في عينه من المراية اللي كانت قصاده على الحيطة.. بدأ يرفع إيده بـ بطء وهو بيتنفض:
ـ إنتِ مين؟.. وعايزة إيه؟.. الممنوعات والفلوس في الدرج.. خدي كل حاجة وسيبيني.
قربت الس*كينة من رقبتة لدرجة إن السن لمس جلده:
ـ أنا مش عايزة فلوس يا دكتور.. أنا عايزة بنتي مريم.. اللي شحنتها من سنتين لـ مستشفى دار الشفاء في المعادي.. والنهاردة.. إنت هتاخدني معاك في العربية دي.. لـ حد بره السجن.. عشان نروح نجيبها مع بعض.. بـ الأصول.. أو بـ الدم.. إختار بقا!
الدكتور بلع ريقه بـ صعوبة، وعيونه كانت بتلف في الأوضة يدور على أي حد يلحقه.. بس السجن كله كان نايم.. والوحش اللي كان فاكر إنه دافن الضحايا جوه.. لقى نفسه في مواجهة الضحية الغلط!
**#حكايات_مني_السيـد**
## الفصل السادس
صوت القلم وهو بيتحرج على الورق بعد ما وقع من إيد دكتور شريف كان طالع عالي في السكون المرعب اللي مالي الأوضة. الراجل كان بيتنفض تحت إيدي لدرجة إني كنت حاسة بـ رعشة كتافه من ورا البالطو الأبيض النضيف اللي لابه. ريحة البرفان الغالي بتاعه كانت فاقعة، ريحة ناس بره اللي ميعرفوش عن قذارة الدنيا غير الفلوس اللي بتدخل جيوبهم.
“مـ مريم؟.. مريم مين؟.. أنا دكتور، أنا ماليش دعوة بـ الخطف.. إنتِ فاهمة غلط يا ست إنتِ.. ارجعي عنبرك قبل ما الحرس ييجوا ويضربوكي بالنار!” — صوت الدكتور كان بيقطع وهو بيحاول يبان متماسك، بس ركبه اللي كانت بتخبط في خشب المكتب كانت فضحاه.
لويت دراعه اليمين ورا ضهره بـ ضغطة خفيفة، بس الضغطة دي كانت مدروسة.. ضغطة تخلي المفصل يصرخ من غير ما يطقطق. قربت سن المطواة من حتة طرية ورا ودنه، وهمست:
ـ دكتور شريف.. بلاش اللف والدوران ده معايا عشان أنا خلقي أضيق من خرم الإبرة. الاسم نادية عبد الحميد، وبنتي مريم دخلت هنا بـ اسم هدير مصطفى.. وإنت اللي مضيت على ورق استلام جثتها الوهمية من سنتين.. البنت راحت على مستشفى دار الشفاء في المعادي.. المستشفى اللي إنت بتدير فيها السبوبة دي كلها.. كلمة تانية بره الحقيقة، والغل اللي جوايا من ١٥ سنة هطلعه في رقبتك دي في ثانية.. اخلص.. البت فين؟
الدكتور غمض عينه بـ وجع ورعب، والنفس بتاعه بقى سريع ومكتوم:
ـ البت حية!.. حية والله العظيم ما لمستها!.. أنا مجرد منفذ.. الباشا هو اللي طلبها بـ الاسم.. البت شغالة في فيلا في المعادي.. فيلا تابعة لـ ناس كبار أوي.. هي هناك بـ تخدم.. ده كل اللي أعرفه.. وحياة أولادي ما أعرف أكتر من كدة!
ـ فيلا مين؟.. والباشا ده اسمه إيه؟ — سألته وأنا بضغط أكتر على دراعه. متوفرة على روايات و اقتباسات
ـ معرفش اسمه الحقيقي!.. اسمه “سليمان بيه”.. هو راجل أعمال واصل، وله يد في المستشفى وفي السجن وفي كل حتة.. الفيلا بتاعته في المعادي، في شارع ٩، ورا المحطة القديمة.. الفيلا اللي سورها شجر عالي وبوابتها حديد أسود.. البت هناك بقالها سنتين.. هما طلبوا بنت صغيرة مالهاش أهل يسألوا عليها عشان تفضل هناك من غير شوشرة.. سيبيني بقا.. أنا ماليش ذنب.. أنا لو سليمان بيه عرف إني اتكلمت هيسقيني من دمِي!
سيبت دراعه براحة، بس فضلت واقفة وراه زي ضله. كلامه دخل عقلي ورتبت الخيوط في ثانية. شارع ٩ في المعادي.. الفلل القديمة.. “سليمان بيه”.. الاسم مكنش غريب عليا، ده من الحيتان اللي أساميهم بتهز البورصة والسوق بره، ومحدش يجرؤ يرفع عينه في عينه. بس سليمان بيه ميعرفش أنا مين.. ميعرفش الأم اللي اتحولت لـ وحش عشان تدور على ضناها.
بصيت على الصناديق الخشب الكبيرة اللي محطوطة على الأرض جنب السرير.. الصناديق دي اللي فايزة قالت إنهم بيحطوا فيها الأجهزة الطبية المرجوعة، وجواها البنات المخدرة.
وقفت قدامه وقولت له بـ حسم:
ـ قـوم اقف.
الدكتور قام وقف وهو ساند على المكتب، وشه كان جايب مية من الخوف، وعينه بتبص للمطواة اللي في إيدي بـ رعب.
ـ الورق اللي كنت بتمضيه ده إيه؟ — سألته.
ـ ده.. ده إذن الخروج لعربية الإسعاف وبضاعة المستشفى.. المأمور ماضي عليه.. مفيش حد بيفتش العربية على البوابة لأنها تابعة للمستشفى الاستثماري، ومعايا أمر مباشر.
ـ حلو أوي.. — قولت له وأنا بـ شاور بالس*كينة على لبسه.. “البالطو النضيف ده هقلعه.. وفي الطرقة بره فايزة سايبة لي لبس ممرض من بتوعك.. هلبسه.. وواحد من الصناديق دي أنا هقعد فيه.. إنت اللي هتقفل عليا، وتأمن خروجي لحد ما العربية تطلع بره بوابة السجن.. لو حسيت بـ أي حركة غدر، أو لو العربية وقفت، افتكر إن معايا الس*كينة دي جوه، وأول ما الباب يتفتح هطلع أخلص عليك وعلى سواقك.. مفهوم؟” متوفرة على روايات و اقتباسات
الدكتور هز راسه بـ سرعة جنونية:
ـ مفهوم.. مفهوم.. هعمل كل اللي تقوليه.. بس وحياة أغلى ما عندك سيبيني أعيش.
خرجت للطرقة الضلمة بـ خطى سريعة.. لقيت شنطة سودا محطوطة ورا الباب، فايزة كانت منفذة كلامها بـ الحرف.. فتحتها ولقيت فيها بدلة ممرض كحلي، وكمامة بيضا.. غيرت هدومي في ثانية، رميت العباية السمرة في ركن، ولبست اللبس الجديد، وحطيت الكمامة على وشي.. ملامحي كلها اختفت، ومبقاش باين مني غير عيوني السمرا الهادية اللي مفيهاش أي خوف.
رجعت لـ أوضة الكشف.. دكتور شريف كان واقف مستني وهو بيمسح عرق وشة بـ مناديل.. شاورت له على الصندوق الخشب الكبـير اللي كان فاضي وفيه تهوية خفيفة من الجناب لزوم الأجهزة الطبية.
خطيت جوه الصندوق.. المكان كان ضيق ويخنق، بس أنا عشت في ضلمة ألعن من دي لسنين.. قعدت وضميت ركبي لـ صدري، وإيدي اليمين متبتة على الس*كينة في جيب البدلة الكحلي.
بصيت لـ الدكتور من فتحة الصندوق وقولت له:
ـ اقفل.. وافتكر كلامي كويس يا دكتور.. رقبتك معايا في الصندوق ده.
هز راسه وقفل الغطاء الخشب.. سمعت صوت الحديد وهو بيقفل من بره بـ قفل خفيف.. الضلمة نزلت عليا بالكامل.. مكنتش سامعة غير صوت نفسي وصوت دقات قلبي المنتظمة.. الصبر.. الصبر ده الس*لاح اللي عشت بيه ١٥ سنة.. ودلوقتي الفريسة بقت قريبة أوي.
بعد حوالي عشر دقايق، سمعت صوت خبط رزع بره.. صوت الباب الجواني للمستوصف وهو بيفتح، وصوت خطوات تقيلة تابعة لـ عمال أو حراس.. سمعت صوت دكتور شريف وهو بيتكلم بـ نبرة متوترة بيحاول يخفيها:
ـ يلا يا رجالة.. شيلوا الصناديق دي بسرعة وحطوها في عربية الإسعاف.. ورانا مشوار طويل للمعادي والدنيا متأخرة.
حسيت بـ الصندوق وهو بيتهز ويترفع من على الأرض.. جسمي مال لـ جوة، بس حافظت على سكوني.. العمال كانوا بيشيلوا الصندوق بـ صعوبة وقال واحد منهم بـ نهجان:
ـ إيه ده يا دكتور؟.. الصندوق ده تقيل بزيادة عن المرة اللي فاتت.. هو فيه أجهزة إيه جوه؟
قلبي دق دقـة زيادة، وإيدي راحت للمطواة بـ تلقائية.. بس صوت دكتور شريف جه بسرعة وبـ نبرة حادة:
ـ وإنت مالك يا فالح؟.. دي أجهزة أشعة ديجيتال مرجوعة للصيانة.. إخلص وحرك رجلك مش هقضي الليلة هنا!
العمل سكت، وحسيت بـ حركة الصندوق وهو بيمشي في الممر الطويل.. وبعدين صوت الهوا المفتوح.. إحنا بره المستوصف دلوقتي.. الصندوق اترفع لفوق واتحط على أرضية حديد.. باب عربية الإسعاف الكبـير اتقفل بـ رزعـة عالية.. والموتور دار بـ صوت عالي.
العربية بدأت تتحرك.. الهزات والملفات كانت بتخليني أخبط في خشب الصندوق، بس كنت بـ سـند نفسي بـ إيديا ورجليا.. المشهد الأخير في السجن كان بيقرب.. بوابة الخروج الكبيرة.
بعد دقيقتين، العربية وقفت فجأة.. صوت صفارة الحراسة.. وصوت خطوات سجان أو ظابط بيقرب من شباك العربية.. ده السور الأخير.. لو عدينا منه، هبقى بره جدران السجن اللي رماني فيها الظابط عادل بـ قضيته المتقفلة.
سمعت صوت الظابط بره وهو بيقول بـ كسل:
ـ أهلاً يا دكتور شريف.. خلصت الكشف الدوري؟.. والأوراق تمام؟
صوت الدكتور طلع مهزوز سنة، بس كمل:
ـ تمام يا باشا.. المأمور ماضي على إذن خروج الأجهزة المرجوعة.. اتفضل الورق عندك أهو.
سمعت خروشة الورق.. وصوت الظابط وهو بيلف حوالين العربية بـ كسل.. وفجأة، سمعت صوت خبطة على جسم العربية من بره، بالظبط قريب من الصندوق بتاعي:
ـ ماشي يا دكتور.. افتح لنا الباب الوراني نلقي نظرة كدة عشان الأصول.. إنت عارف الأوامر مشددة اليومين دول بـ سبب السجينة الجديدة اللي قلبت العنبر الصبح.
الدم جمد في عروقي.. السجينة الجديدة.. قصدهم عليا أنا!.. لو فتحوا الباب وشافوا الصناديق وفتشوها، الحكاية كلها هتنتهي هنا.. وإيدي هتتلطخ بـ الدم قبل ما أشوف بنتي.
سمعت صوت دكتور شريف وهو بيكلم الظابط بـ نبرة واثقة بزيادة:
ـ مفيش مشكلة يا باشا.. بس الأجهزة دي حساسة جداً والضوء المباشر بيبوظ الحساسات بتاعتها.. وإنت عارف سليمان بيه واقف مستني الشحنة دي في المستشفى.. لو حصل أي عطل، إنت اللي هتتكلم معاه بكرة الصبح وتفسر له التأخير. متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات
اسم “سليمان بيه” كان مفعوله زي السحر.. الظابط سكت للحظة، وبعدين سمعت صوت خطواته وهي بتبعد:
ـ لا وعلي إيه الطيب أحسن.. سليمان بيه مابيهزرش.. اتفضل يا دكتور.. افتح البوابة يا عسكري!
صوت السلاسل الحديدية الكبـيرة وهي بتتحرك وترن.. وصوت البوابة وهي بتفتح.. العربية دارت من تاني، واتحركت بـ سرعة.. الهزات قلت.. وصوت الإسفلت السريع بدأ يظهر..
أنا بقيت بره السجن.. بره الأسوار السبعة والكلاب والحراس.. بره جحيم سجن النسا.. ورايحة لـ جحيم أكبر بكتير.. المعادي!
العربية مشيت حوالي ساعة.. الطـريق كان طويل وسريع.. وأنا في جحر الخشب بتاعي كنت بـ رتب الخطوة الجاية.. الفيلا اللي في شارع ٩.. مريم هناك.. سنتين كاملين وبنتي عايشة وسط الذئاب دول.. كنت بـ كتم دموعي وبـ حولها لـ غضب حامي.. غضب هيحرق المعادي كلها لو مريم مجرتش في حضني الليلة دي.
العربية بدأت تهدى.. وتدخل في ملفات ضيقة.. صوت كلكسات العربيات الشيك وهدوء الشوارع الراقية بدأ يظهر.. وفجأة، العربية وقفت خالص.. والموتور انطفى.
سمعت صوت باب العربية وهو بيفتح.. وبعد ثواني، صوت القفل بتاع الصندوق الخشب وهو بيتفك بـ بطء.. الغطاء اترفع.. والنور الأبيض بتاع كشافات الشارع دخل في عيني..
لقيت دكتور شريف واقف وشه أصفر، وعيونه مبرقة وهو بيبص لي بـ رعب.. وإحنا كنا واقفين في حتة ضلمة ورا مستشفى دار الشفاء.. الشارع كان فاضي والهوا بارد.
نزلت من الصندوق بـ خفة الممرض المحترف.. نفضت البدلة الكحلي وبصيت لـ الدكتور اللي كان واقف بيرتعش:
ـ إحنا فين دلوقتي؟
ـ إحنا.. إحنا ورا المستشفى.. الشارع ده فاضي ومحدش هيشوفك.. أنا كدة عملت اللي عليكي وأكتر يا نادية.. سيبيني أمشي بقا.. أنا ماليش دعوة بـ اللي هيحصل في فيلا سليمان بيه.
طلعت المطواة ولـمحت اللمعة بتاعتها تحت نور كشاف الشارع.. وقربت منه وقولت بـ ابتسامة مرعبة:
ـ تمشي؟.. تروح فين يا دكتور؟.. إحنا لسه مخلصناش.. إنت هتركب معايا عربيتك الملاكي الشيك دي.. وهتوصلني بـ إيدك لـ باب فيلا سليمان بيه في شارع ٩.. وهتدخلني معاك على أساس إننا جايين في شغل خاص بـ المستشفى.. الرحلة لسه في أولها يا دكتور شريف.. وإنت المرشد بتاعي في رحلة جـهنم!
الدكتور بلع ريقه وعرفت إنه خلاص مبقاش عنده أي طاقة للمقاومة.. سلم نفسه للمصير اللي هو اختاره يوم ما مد إيده على بنات الناس الغلابة.. مشينا في الشارع الضلمة لـ حد عربيته.. وركبت جمبه.. وعيني على طـريق المعادي.. الطـريق اللي هيجمعني بـ بنتي.. أو هينتهي بـ جثتي وجثة الكل!
**#حكايات_مني_السيـد****

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *