ندم زوجي بقلم فاتن سليم

اللي يخلف ولد هو اللي هيكمل في البيت
كانت سلمى واقفة قدام المراية تبص لبطنها الصغير بإيد مرتعشة، وابتسامة خفيفة على وشها… أخيرًا ربنا رزقها بطفل بعد أربع سنين جواز من التعب والدكاترة والدموع.
لفّت تبص لجوزها كريم اللي كان قاعد ماسك موبايله وسرحان، وقالت بحماس: — كريم… أنا حاسة إن حياتنا هتتغير للأحسن.
رفع عينه لها بسرعة، وابتسم ابتسامة باهتة: — إن شاء الله.
حكايات فاتن
لكن قلبها وقتها كان حاسس إن فيه حاجة غلط… حاجة مستخبية ورا نظراته الباردة.
ومن يومها، كريم بقى يتأخر كل يوم، يخرج بحجج غريبة، وموبايله مبقاش يفارق إيده. ولأن الست بتحس… بدأت الشكوك تاكل قلب سلمى حتة حتة.
وفي ليلة مطر، كانت نايمة على الكنبة مستنياه، لحد ما الباب اتفتح. دخل كريم وهو متوتر، وورا منه ست متبرجة لابسة لبس غالي وعاملة نفسها ملكة.
سلمى قامت بفزع: — مين دي؟!
كريم بلع ريقه: — دي… دي رانيا.
رانيا بصتلها بابتسامة مستفزة ومسحت على بطنها وقالت: — أظن من حقي تعرفي… أنا حامل من جوزك.
الكلمة نزلت على سلمى زي السكينة. حست إن الأرض بتميد بيها.
بصت لكريم وهي مستنية منه يقول إن دي كدبة… ينفي… يزعق… لكن كل اللي عمله إنه وطّى عينه في الأرض.
في اليوم التاني، أهل كريم طلبوا “قعدة عائلية”.
سلمى كانت قاعدة وسطهم وهي حاسة نفسها متهمة، مش زوجة. حماتها، أمينة هانم، كانت ست متسلطة، شايفة إن الفلوس والنسب أهم من أي حاجة.
قالت وهي بتشرب القهوة ببرود: — اسمعوني بقى… بدل الخناقات اللي ملهاش لازمة دي.
سلمى بصتلها بعدم استيعاب.
أمينة كملت: — الاتنين حوامل… واللي هتجيب ولد هي اللي هتكمل مع ابني.
الصمت خيّم على المكان.
سلمى افتكرت إنها ممكن تكون سمعت غلط. لكن حماتها كررتها بمنتهى القسوة: — إحنا عايزين حفيد يشيل اسم العيلة. اللي تجيب بنت تمشي.
سلمى بصت لكريم بصدمة: — وإنت ساكت؟!
كريم قال بصوت مهزوز: — يا سلمى… دي رغبة أمي.
ضحكت سلمى ضحكة مكسورة ودموعها نزلت: — يعني قيمتي عندكم بجنس الطفل؟!
رانيا قعدت تبتسم بثقة، لأنها كانت متأكدة إنها كسبانة. كانت مدلعة من أهل كريم، وكل يوم ينزلولها دهب وهدوم وأكل مخصوص للحامل.
أما سلمى… فحست إنها غريبة في البيت اللي عاشت فيه سنين.
من حكايات فاتن
في نص الليل، قامت بهدوء، لمّت هدومها البسيطة، أخدت شوية حاجات للبيبي، وخرجت.
وقفت في الشارع تبكي وهي حاضنة بطنها: — أنا مش هربي ابني وسط ناس بالشكل ده.
تاني يوم راحت رفعت قضية خلع بدون تردد.
ولأول مرة من سنين… حست إنها حرة.
رجعت عند أمها في إسكندرية. البيت كان بسيط، بس مليان حنية.
أمها حضنتها وقالت: — سيبك منهم يا بنتي… اللي يهون عليه كسرك ميستاهلكيش.
بدأت سلمى تشتغل موظفة استقبال في عيادة صغيرة. ورغم تعب الحمل، كانت بتحاول تبدأ من جديد.
ومع الأيام… ضحكتها رجعت بالتدريج.
أما في بيت كريم، فكانت رانيا عايشة ملكة. حماته كل ما تشوف حد تقول بفخر: — رانيا هتجيب حفيد العيلة… الواد اللي مستنينه.
وكانوا بيجهزوا أوضة الطفل بالأزرق، ويشتروا لعب عربيات وكور.
كأن الجنين اتولد فعلًا ولد.
أما سلمى… فمكانتش مهتمة.
كانت كل ليلة تحط إيدها على بطنها وتقول: — تيجي بنت… تيجي ولد… المهم تيجي بخير.
وجاء يوم الولادة.
سلمى دخلت مستشفى حكومي بسيط… وبعد ساعات طويلة من الوجع، سمعت صوت بنتها الصغيرة.
الدكتورة قالت بابتسامة: — مبروك يا ماما… قمر زي الفل.
حضنتها سلمى وبكت بحرقة… بس المرة دي دموعها كانت راحة.
سمتها “ليان”.
بعدها بأسبوعين، سمعت الأخبار من واحدة جارتهم القديمة.
رانيا ولدت هي كمان.
وأهل كريم عاملين سبوع ضخم، ودابحين عجل احتفالًا بـ “الولد”.
لكن الفرحة متكملتش.
في المستشفى، الدكتور لاحظ مشكلة في فصيلة الدم. طلبوا تحاليل إضافية.
وبعد أيام… طلعت الصدمة.
الطفلة مش بنت كريم أصلًا.
تحليل الـDNA أثبت إن رانيا كانت حامل من راجل تاني.
الخبر وقع على العيلة زي القنبلة.
كريم دخل في انهيار عصبي. وأمه أغمي عليها واتنقلت المستشفى من الصدمة.
أما رانيا… فهربت واختفت بعد ما أخدت بنتها.
البيت اللي كان مليان غرور وتكبر… بقى كله صمت وفضايح.
بعد شهر، كريم راح لسلمى.
وقف قدام باب شقتها المتواضعة، شكله مكسور. ولما فتحت الباب، اتصدم من شكلها.
كانت هادية… قوية… وشايلة بنتها بابتسامة.
قال بندم: — سلمى… أنا غلطت. سامحيني.
بصتله طويلًا، وقالت بهدوء: — عارف أكتر حاجة كسرتني إيه؟ مش خيانتك… كسرتني لما سكت وهما بيهينوني.
نزل عينه في الأرض.
قرب يشوف بنته، فسمحتله.
فضل يبص لملامح ليان وهو بيعيط: — دي شبهي أوي…
سلمى قالت: — البنت اللي كنتوا شايفينها عار… طلعت أنضف حاجة في حياتك.
حاول يرجعها ليه، لكنها رفضت.
قال: — عايز أبدأ من جديد.
ردت بابتسامة هادئة: — وأنا بدأت فعلًا… بس من غيرك.
وقفل الباب وهو واقف مكسور.
رجعت سلمى لبنتها، حضنتها، وباست جبينها.
وبصت للسما وقت الغروب وهمست: — يمكن مخدتش عيلة كاملة… بس هديكي حياة مفيهاش إهانة ولا تفرقة… حياة تعرفي فيها إن قيمتك مش لأنك ولد أو بنت… قيمتك لأنك إنسانة.

