الجرسونة الفقيرة
كنت شغالة جرسونة ومفلسة، وفي شنطتي جواب طرد من الشقة، لما بنت صغيرة عندها ست سنين وكانت بټموت، مدتلي تليفونها في جراج مهجور في ديترويت.
وبعدها بدقايق، أخطر وأرعب راجل في المدينة وصل ب عربيات SUV سودا، لكن بدل ما يسأل مين اللي أذى بنته، هارلان فوس بصلي أنا وقال بصوت حاسم
عايز أعرف مين اللي أنقذها.
الساعة كانت 1147 بالليل، في ليلة تلج يوم التلات، وأنا كنت لسه ضيعت آخر أتوبيس راجع بيتي، عشان المدير بتاعي فضل معطلني وهو پيتخانق معايا على حساب أنا أصلا ماكنتش غلطانة فيه.
كان معايا 15 دولار و سنت بس في حسابي البنكي.
ومكنش قدامي حل غير إني أخد الطريق المختصر من جراج العربيات اللي جنب مسرح ميريديان القديم.
وأنا في نص الدور التاني، سمعت كحة.
كحة صغيرة مكتومة ورطبة وفيها حاجة غلط.
في الأول كنت هكمل طريقي وأطنش.
لكن الكحة اتكررت.
لفيت ناحيتها، ولقيت بنت صغيرة ساندة بجسمها على عمود خرساني.
مكنتش باينة أكبر من ست سنين.
كانت لابسة بالطو كحلي، وفي رجلها جزمة سودا لامعة، والرجل التانية فيها شراب أبيض متبهدل ومتوسخ بشكل فظيع.
شفايفها كانت شاحبة.
قربت منها بسرعة وقلت
حبيبتي سامعاني؟
عينيها اتحركت بالعافية لحد ما قابلت عيني.
وهمست بصوت ضعيف
بردانة
من غير تفكير، قلعت الجاكت بتاعي ولفيته حواليها، وبعدها مدت إيدي عشان أطلع موبايلي.
لكن في اللحظة دي، هي زقت تليفونها في إيدي.
بصيت للشاشة.
كان فيه اسم متسجل عليه
بابا
وتحته اسم خلاني أحس إن معدتي اتقبضت.
هارلان فوس.
كل حد في ديترويت كان عارف الاسم ده.
وبرغم كده، ضغطت على زر الاتصال.
رد من أول رنة.
وصوته جه بارد وحاد
قدامك عشر ثواني.
قلت بسرعة
لقيت بنتك جنب مسرح ميريديان. هي بتكافح عشان تتنفس، ونبضها ضعيف، وكمان ضيعت جزمة من رجلها.
سكت.
سكون تقيل نزل بينا.
وبعدين صوته اتغير تماما.
هي واعية؟
بالعافية. أنا بتصل بالإسعاف.
رد ببرود
الفريق الطبي بتاعي هيوصل قبليهم.
اتنرفزت وقلت
ده مش نظام الطوارئ!
رد بمنتهى الثقة
الليلة دي هو النظام.
بصيت للبنت.
جفونها بدأت تقفل.
وفجأة سمعته بيقول بحدة
اسمها بيل. عندها مشكلة في القلب. خليها قاعدة ومرفوعة، وماتديهاش أكل. ولا نقطة مية. أنا على بُعد أربع دقايق.
بيل؟
حطيت إيدي على خدها البارد.
بيل افتحي عينيكي عشاني.
فتحت عينيها بالعافية، لثانية واحدة بس.
وبعدين سمعت صوته من التليفون
اسمك إيه؟
اترددت لحظة، وبعدين قلت
رو كالاواي.
كرر اسمي.
ببطء.
رو كالاواي
وبعدين قال الجملة اللي عمري ما هنساها
رو كالاواي إوعي تسيبي بنتي.
وفصل الخط.
ماكنتش عارفة ليه كلامه خلاني أتجمد مكاني.
يمكن عشان نبرة صوته كانت مختلفة.
مكنش بيطلب.
مكنش بيرجى.
كان بيأمر.
وأقل من أربع دقايق بعد المكالمة، صوت الكاوتش وهو پيصرخ على الأرض قطع سكون الجراج.
بصيت ناحية المنحدر.
3 عربيات SUV سودا دخلت المكان بسرعة چنونية.
الرجالة اللي كانوا جواها نطوا منها قبل العربيات حتى ما تقف تماما، وكل واحد فيهم لابس بالطو غامق.
انتشروا في الجراج في ثواني، كأن المكان كله بقى ملكهم.
كل ظل.
كل ممر.
كل باب.
كل زاوية.
وبعدين باب العربية اللي في النص اتفتح.
ونزل هارلان فوس.
أول حاجة عينه راحت عليها كانت بيل.
وبعدين شاف الجاكت بتاعي ملفوف حوالين جسمها المرتعش.
وبعدين شافني أنا.
كنت راكعة على الأرض الخرسانية المتلجة، لابسة يونيفورم الجرسونة، وماسكة إيد بنته بإيدي.
وشه كان هادي بشكل يخوف.
هدوء مش طبيعي.
هدوء واحد متعود إن كل الناس حواليه تخاف منه.
وقف قدامي، وبص لرجالته لحظة، وبعدها سأل بصوت منخفض لكنه كان كفاية يخلي الجراج كله يسكت
مين فيكم
بص حوالين المكان.
وبعدين عينه استقرت عليا.
مين فيكم لقى بنتي؟
بلعت ريقي.
ورفعت إيدي إشارة لنفسي.
أنا.
فضل باصصلي.
وأول ما عينيه اتقابلت بعيني، حسيت بحاجة غريبة.
حسيت إن حياتي اللي كنت فاكرة إنها خلاص وصلت لطريق مسدود
كانت لسه على وشك تبدأ.
لأني في اللحظة دي فهمت إن ضياع آخر أتوبيس في حياتي
مكنش مجرد حظ وحش.
كان بداية حاجة هتغير حياتي للأبد
الفصل الأول بنت أخطر راجل في ديترويت
فضل هارلان فوس واقف قدامي كام ثانية من غير ما يتكلم.
كان طويل بشكل لافت، لابس معطف أسود طويل، وشعره الغامق عليه شوية تلج دابوا من أول ما نزل من العربية. ملامحه كانت جامدة، لكن عينيه…
عينيه كانوا أكتر حاجة خوفتني.
عيني راجل مش محتاج يرفع صوته عشان يخلي اللي قدامه يسكت.
بص على إيدي اللي ماسكة إيد بيل، وبعدها نزل بعينيه على الجاكت بتاعي الملفوف حواليها.
قال
إنتي اللي اتصلتي بيا؟
هزيت راسي.
أيوه.
إنتي اللي لقيتيها؟
أيوه.
من إمتى؟
بصيت في ساعتي.
تقريبا من عشر دقايق.
واحد من الرجالة قرب منه وقال بسرعة
السيد فوس، الفريق الطبي جاهز.
هارلان ما ردش عليه.
فضل باصص لبيل.
وفجأة، كل الجمود اللي كان في وشه اختفى.
اتحرك بسرعة وركع على ركبة واحدة جنب بنته.
بيل.
البنت فتحت عينيها بالعافية.
ولما شافته، حاولت تبتسم.
بابا…
الصوت كان ضعيف لدرجة إن قلبي اتقبض.
هارلان مد إيده ولمس شعرها.
أنا هنا.
كنت… عارفة إنك هتيجي.
حرك إيده على خدها البارد.
طبعًا هاجي.
وبعدين شالها بحذر.
في اللحظة دي، ظهر اتنين من الفريق الطبي، وبدأوا يفحصوها بسرعة.
واحد منهم قال
ضغطها منخفض.
التاني قال
لازم المستشفى فورًا.
هارلان وقف.
وبصلي.
إنتي هتيجي معانا.
رمشت باستغراب.
إيه؟
المستشفى.
أنا؟
أيوه.
ضحكت ضحكة قصيرة من التوتر.
لا، أنا مش محتاجة مستشفى.
بصلي كأنه مش فاهم أنا بقول إيه.
أنا محتاجة أروح بيتي.
هتروحي بعد ما أطمن على بنتي.
بس…
قاطعني
اسمك رو كالاواي.
حسيت بقلبي وقع.
إنت عرفت اسمي من المكالمة.
وعرفت كمان إنك شغالة جرسونة في مطعم روزلين.
اتوترت.
إنت… إنت بحثت عني في الأربع دقايق دول؟
أنا ما بثقش في حد غريب لمس بنتي.
قالها بمنتهى الهدوء.
وبعدين أضاف
لكن ده مش معناه إني مش شاكر.
وقبل ما أقدر أرد، واحدة من الطبيبات قالت
السيد فوس، لازم نتحرك.
هارلان هز راسه.
وبعدين مد إيده ناحيتي.
تعالي.
بصيت لإيده.
وبعدين بصيت له.
أنا ممكن أروح بعربيتي.
بص ناحية العربية القديمة اللي كانت مركونة في آخر الجراج.
عربية عمرها أكبر مني تقريبا.
رجع بصلي.
العربية دي مش هتوصل آخر الشارع في التلج.
هي بتوصلني كل يوم.
النهاردة لأ.
أنا مش فاهمة ليه لازم أروح معاكم أصلا.
اقترب خطوة.
لأن بنتي لما فاقت، أول حاجة قالتها إنها عايزة الست اللي أنقذتها.
بصيت لبيل.
كانت مغمضة عينيها، والأكسجين على وشها.
هي قالت كده؟
هارلان رد
أيوه.
سكت شوية، وبعدين قال
وهي مش بتثق في ناس كتير.
الكلمة دي أثرت فيا رغم إني ما عرفتش ليه.
دخلت إيدي في جيب الجاكت اللي كنت قلعتُه، وافتكرت حاجة.
جواب الطرد.
طلعته.
الورقة كانت متكرمشة ومبلولة من التلج.
بصيت عليها.
أنا عندي مشكلة أهم من المستشفى.
هارلان بص للورقة.
إيه دي؟
جواب طرد.
سكت.
من البيت؟
هزيت راسي.
النهاردة آخر يوم.
واحد من رجاله بصله، وهارلان فضل ساكت.
وبعدين قال
هنتكلم في ده بعدين.
مفيش بعدين. الساعة عدت نص الليل.
بص في ساعته.
أيوه.
يعني أنا دلوقتي رسميا من غير بيت.
لأول مرة، شفت حاجة شبه الاستغراب في عينيه.
إنتي لقيتي بنتي وإنتي مطرودة من بيتك؟
ضحكت بمرارة.
تقريبًا.
ليه؟
الإيجار.
قد إيه؟
اتضايقت.
ده مش من حقك.
صح.
سكت لحظة.
وبعدين قال
بس هنعرف.
دخلت عربية الإسعاف الخاصة بيه، واتحركنا ناحية المستشفى.
أنا ركبت في العربية اللي وراهم.
طول الطريق، كنت قاعدة لوحدي في المقعد الخلفي، وببص من الشباك للثلج اللي بيغطي شوارع ديترويت.
كنت بحاول أفهم إزاي يوم واحد ممكن يقلب حياة بني آدمة كده.
الصبح كنت مجرد جرسونة مديونة.
وبالليل كنت راكبة في موكب أخطر راجل في المدينة.
ولسه مش عارفة أنا دخلت نفسي في إيه.
وصلنا المستشفى الخاص بعد حوالي عشر دقايق.
وأول ما نزلت، لقيت المكان كله بيتحرك.
ممرضين.
أطباء.
رجالة أمن.
كلهم بيتعاملوا مع هارلان كأنه صاحب المكان.
دخل ورا سرير بيل.
وأنا فضلت واقفة بره.
واحد من الحراس قرب مني.
السيد فوس قال إنك تستني هنا.
طيب.
قعدت على كرسي.
مر حوالي عشرين دقيقة.
وبعدين نص ساعة.
وبعدين ساعة.
وأنا كل دقيقة ببص على الساعة.
كنت مرهقة.
جعانة.
بردانة.
ومش عارفة هعمل إيه لما أخرج.
بعد حوالي ساعة
