مرات اخويا

وبترعش لدرجة إن سناني كانت بتخبط في بعض. جسمي كان بيصرخ من الوجع، بس كان فيه فكرة واحدة مسيطرة عليا:
”لازم أحمي البيبي.”
استلفت تليفون من حد في بنزينة وكلمت ياسين. لقاني مرمية على الرصيف تحت نور عمود منور ومطفي، مكنتش واعية أوي. جري بيا على الطوارئ، وطول الست ساعات اللي قضي.تهم هناك مكنتش بفكر غير في حاجة واحدة.. إن الض,,ربة دي ممكن تكون نهت كل شيء.
بس ابني عاش.. وأنا كمان عشت.
دي كانت الليلة اللي أهلي خسروا فيها بنتهم.. بس هما لسه ميعرفوش.
ياسين مكنش مجرد ولد مراهق بالنسبة لي.. كان هو طوق النجاة الوحيد في وسط المحيط الغرقان ده. أهله لما عرفوا الحكاية، مصمصوا شفايفهم وقالوا: “أهو ده اللي بناخده من تربية البنات الفاشلة.. إحنا ملناش دعوة بالمصيبة دي.” ياسين مسمعش كلامهم، وقال لهم: “دي مسؤوليتي، ومش هسيبها.”
خرجت من المستشفى بجسم مكسر ونفسية تحت الصفر. ياسين كان مأجر أوضة صغيرة فوق سطوح في منطقة شعبية أبعد ما يكون عن منطقتنا القديمة. السطوح كان مليان كراكيب، والأوضة يا دوب فيها سر,,,ير ودولاب مكسور ولمبة سهارية بتزن.. بس بالنسبة لي، كانت قصر أمن مقارنة ببيت أهلي اللي رماني.
شهور الحمل كانت كابوس طويل. جسمي مكنش مستحمل، وقلبي مكنش بيوقف عن الوجع. كل ليلة، كنت بفضل صاحية، باصة للسقف المتشقق وبسأل نفسي: “يا ترى هما بيعملوا إيه دلوقتي؟ تفتكروا أفتكروا اسمي؟” كنت ببعت رسايل على تليفون أمي، “أنا كويسة”، “الجنين بخير”، بس ولا رسالة اتقرت، وكل مكالمة كانت بتتحول فوراً على “غير متاح”. قلوبهم كانت حديد، أصعب من الحجر.
ياسين كان بيشتغل شيفتين؛ الصبح في ورشة ميكانيكا، وبالليل في مطعم فول وفلافل. كان بيرجع وشه متبهدل شحم وتراب، وعيونه حمرا من التعب، بس دايماً معاه لفة جريد فيها رغيفين عيش طازة وعلبة جبنة قريش، ويقول لي بابتسامة باهتة: “كلي عشان الواد يطلع راجل زي أبوه.”
وفي عز الوجع ده، كان فيه شعور واحد بيقويني.. الحركة الخفيفة في بطني. كل خبطة كانت بتقول لي: “أنا هنا، وأنا محتاجك.” كنت بكلمه كل يوم، بقول له على الدنيا اللي مستنياه، بوعده إني هكون أمه وأبوه، وإني عمري ما هرميه مهما حصل. سميته “أدهم”، اسم فيه قوة وعزة، زي اللي كنت محتاجاهم وقتها.
يوم الولادة كان أصعب يوم في حياتي. الطلق جالي في نص الليل، وياسين مكنش موجود. الأوضة كانت سقعة م,,وت، والوجع كان بيقطع في جسمي. مكنش قدامي غير الجيران اللي في السطوح؛ ست بسيطة اسمها “أم عبده” كانت بتشتغل داية بالبركة، هي اللي قفت جنبي، مسكت إيدي وهي بتقرأ قرآن بصوت واطي، وقالت لي: “شدي حيلك يا بنتي، ربنا معاكي.”
لما أدهم نزل، الدنيا فجأة هديت. صوته وهو بيصرخ كان أجمل لحن سمعته في حياتي. أم عبده حطته في حض,,ني، وشه كان صغير أوي، وملامحه بريئة
مكنتش مصدقة إنه نجى من كل الوجع ده. بصيت له ودموعي نزلت، بس كانت دموع فرحة ودموع وعد جديد.
[الجزء الثالث: سنوات الصبر.. وبناء النفس]
بعد الولادة، الدنيا اتغيرت تماماً. مكنش قدامي غير حل واحد: أتعلم. مكنش ينفع أفضل كده، مستنية حد يصرف عليا وعلى ابني. قدمت في مدرسة ليلية عشان أكمل الثانوية العامة. كنت بذاكر في الأوضة الصغيرة، على ضوء اللمبة السهارية، وأدهم نايم جنبي. ياسين كان بيشجعني، وبيشيل عني مسؤولية أدهم في الأوقات اللي مكنتش بقدر فيها.
السنين مرت ببطء قاتل. تخرجت من الثانوية، وقدمت في معهد فني تجاري. كنت بشتغل في كشك سجاير في نص اليوم، وأدرس في النص التاني. أدهم كبر، بقى ولد شقي وذكي، عيونه كانت بتلمع بالأمل، وكان هو اللي بيديني القوة عشان أكمل. كنت بقول له دايماً: “أهم حاجة هي العلم يا أدهم، العلم هو اللي هيخليك ترفع راسك.”
كنت بسمع أخبار متقطعة عن أهلي. رنا، مرات أخويا، كانت لسه بتبخ سمها في كل مكان. أخويا علاء كان لسه عايش في ظل بابا، ملوش شخصية ولا كلمة. بابا وماما كانوا عايشين في نفس البيت، بس البيت كان فاضي وميت، مكنش فيه حس ولا خبر لبنتهم اللي رموها.
وفي عز السنين دي، حصلت المعجزة. واحدة من جيراننا، كانت بتشتغل في شركة كبيرة، شافت مجهودي وصبري، ورشحتني لوظيفة محاسبة في الشركة. كانت فرصة العمر، وافقت فوراً، واشتغلت بكل إخلاص. كنت بذاكر أكتر في الشغل، وبتعلم كل يوم حاجة جديدة، لحد ما بقيت رئيسة قسم في الشركة.
أدهم اتخرج من الثانوية بتفوق، وقدم في كلية الهندسة، نفس الكلية اللي كان بابا بيحلم إنه يدخلها. لما نجح، حسيت إني حققت أكبر نصر في حياتي. كنت بقول لنفسي: “شفتوا؟ البنت اللي رمتوها، قدرت تربي راجل، وطلعت مهندس، ومحتاجاكم في حاجة.”
كنت دايماً بفتكر ليلة الطرد. الض,,ربة اللي في بطني، البرد اللي على الرصيف، باب الشقة اللي اترزع في وشي. الوجع مكنش بيم,,وت، بس كان بيتحول لطاقة، طاقة تخليني أثبت لنفسي وللدنيا إنني أقدر. كنت بجهز نفسي لليوم ده، اليوم اللي هرجع فيه، بس مش عشان أستعطفهم، لا، عشان أواجههم، وأشوف في عيونهم الصدمة اللي كنت مستنياها سنين.
[الجزء الرابع: ليلة الحساب.. والمواجهة]
اليوم جه.. أدهم اتخرج بامتياز، وعملنا حفلة كبيرة في شقتنا الجديدة، الشقة الواسعة والنضيفة، الشقة اللي أنا اشتريتها بفلوسي وتعب جسمي. أدهم كان واقف في نص الصالة ببدلة التخرج، وشه بيلمع بالفخر، وياسين واقف جنبه، وعيونه بتلمع بدموع الفرحة.
بصيت لروحي في المراية. كنت شايفة ست قوية، ملامحها باين عليها آثار الزمن والتعب، بس عيونها كانت فيها عزة ونصر. قلت لأدهم: “تفتكر ده الوقت المناسب؟” أدهم هز راسه وقال: “أيوة يا ماما، الوقت جه.”
ركبنا عربيتي، وروحنا لمنطقتنا القديمة. الدنيا
كانت اتغيرت شوية، بس الشارع مكنش اتغير، نفس العمارات ونفس الشجر. قلبي بدأ يدق بسرعة، بس مش بخوف، بحماس. نزلت من العربية، وأدهم نزل ورايا.
وقفت قدام باب الشقة القديمة. نفس الباب الخشب، نفس الرقم، “2”. مكنتش قادرة أصدق إني هنا تاني بعد كل السنين دي. رفعت إيدي، ورنيت الجرس.
سمعت صوت بابا من ورا الباب: “مين؟” الصوت كان خشن وتعبان، مش زي الصوت القوي اللي كنت بسمعه في كوابيسي.
قلت بصوت عالي وواثق: “أنا هناء يا بابا.. بنتك هناء.”
السكوت عم على المكان تاني. ثواني كأنها سنين. وفجأة، الباب اتفتح.
وقفت قدامي ماما. شعرها كان أبيض كله، ووشها كان مليان تجاعيد الوجع والحسرة. ماما زينب، الست اللي رمتني برا من غير ما ترمش عيونها. مكنتش قادرة تتكلم، كانت باصة لي بصدمة، كأنها شايفة شبح.
وبابا كان واقف وراها. كان شايل عصاية صغيرة، وشه كان شاحب، وكان بيرتعش. بابا عوض، اللي ض,,ربني بالشومة في بطني. بص لي، ودموعه نزلت فوراً. مكنش مصدق، مكنش قادر يتكلم.
دخلنا الشقة. الشقة كانت هادية، وكأنها ميتة. بابا وماما قعدوا على الكنبة، وهما لسه في حالة الصدمة. أدهم كان واقف جنبي، وشه بيلمع بالفخر.
قلت لهم بهدوء: “أنا رجعت يا بابا.. رجعت بعد سنين العذاب.”
بابا قال بصوت واطي ومخنوق: “هناء… أنتي هنا؟”
قلت له: “أيوة أنا هنا. ورجعت ومعايا ابني.. المهندس أدهم.”
شاور بابا على أدهم: “ده ابنك؟”
قلت له بابتسامة نصر: “أيوة ده ابني. ابني اللي بابايا ض,,ربني في بطني عشان أجهضه. ابني اللي رمتوني في البرد بسببه. ابني اللي ماما فتحت باب الشقة عشان ترميني برا ومحركتش صباع واحد عشان تنقذني.”
الدنيا بدأت تسود في عين بابا. ماما كانت بتعيط بصوت عالي.
قلت لهم: “أنا مش رجعت عشان أقولكم سامحوني، ولا عشان أطلب منكم حاجة. أنا رجعت عشان أقولكم إن البنت اللي رمتوها، قدرت تعيش، وقدرت تربي، وقدرت تطلع مهندس، وقدرت تبني حياتها من غير مساعدة من حد.”
أدهم قال لهم بصوت واطي بس قوي: “شكراً إنكم رمتوها.. عشان لولا كده، مكنتش هتكون الأم العظيمة دي.”
خرجنا من الشقة. بابا كان لسه في مكانه، بيرتعش وبيبكي. ماما كانت بتنده على اسمي من ورا الباب: “هناء… يا بنتي… استني!”
بس أنا مسمعتهاش.. ولا التفت ورايا. كنت شايفة قدامي طريق طويل، طريق بيبدأ بخطوة جديدة، طريق فيه أمل وفرحة وعزة ونصر. كنت شايفة قدامي أدهم وياسين وحياتي الجديدة، وحسيت إني خلاص، حققت النصر الأكبر، النصر اللي كان بابا وماما بيحلموا بيه، بس هما، بس هما، مكنوش يعرفوا!
[النهاية]
دي كانت قصة هناء، القصة اللي بدأت بألم كبير، بس انتهت بنصر أكبر. قصة بتثبت إن الصبر والعلم هما الطريق الوحيد للنجاح، وإن الحب الحقيقي والعفة هما اللي بيخلو الإنسان يعيش بعزة كرامة. قصة بنت
رموها أهلها، بس هي، بس هي، قدرت تعيش، وقدرت تربي، وقدرت ترفع راسها!

