لعبة القدر الجزء الثاني حكايات مايا خالد
ارتجفت الجدران في عين طارق، وساد صمت الموت في ممر المستشفى. لم يكن مجرد التفاف مذهل للأقدار، بل كان فخًا نصبه الماضي ليعاقب الجميع. “ليلى” ابنة الأثرياء التي تحدت أهلها وقاطعتهم لتتزوج من طارق المهندس البسيط، كانت في الحقيقة شقيقة زوجة “يونس الهواري” الهاربة!
نظر يونس إلى زوجته “عالية” ثم إلى ليلى، وتطاير الشرار من عينيه الصعيديتين:
“ليلى؟ هربتِ من قنا قبل أحد عشر عامًا، وكسرتِ رأس أبيكِ وتزوجتِ غريبًا.. لتكوني أنتِ الطرف الآخر في هذه المصيبة؟!”
صاحت ليلى وهي تبكي بحرقة:
“أنا لم أكن أعلم يا عالية! يوم ولادتي غطوا وجهي وكنت في حالة إعياء تام.. لم أكن أعلم أن المستشفى الذي هربتِ إليه لتلدي فيه بعيدًا عن ثأر الصعيد هو نفسه المستشفى الذي لجأتُ إليه!”
وسط هذه الفوضى العارمة والمشادات التي كادت تتحول إلى معركة دماء في ممر المستشفى، ركض طبيب المختبر “أحمد” صديق طارق نحوهم، وهو يحمل في يده مغلفًا مشفرًا ومختومًا باللون الأحمر. كان يلهث بشدة وعيناه تتسعان ذهولاً.
امسك طارق بياقة قميصه وقال بجنون: “أحمد! انطق.. ماذا هناك أيضًا؟ أليست فرح ابنة يونس؟ أليست الطفلة الأخرى ابنتي؟”
أخرج أحمد تقريرًا طبيًا جنائيًا قديمًا أرسله له صديق يعمل في إدارة الوفيات بالمستشفى المنكوب، وقال بصوت خافت:
“طارق.. يونس بيه.. اسمعوني جيدًا. ليلة الولادة قبل سبع سنوات لم تكن هناك ثلاث ولادات فقط.. بل كانت هناك أربع! الممرضة سعاد (رحمها الله) لم تبدل طفلتين بل تسببت في كارثة أكبر قبل أن تصاب بالارتباك.”
تجمع الجميع حول الطبيب يحبسون أنفاسهم. تابع أحمد:
“المرأة المقطوعة من شجرة التي ماتت أثناء الولادة.. لم تمت ميتة طبيعية، بل وصلت المستشفى مقتولة برصاصة! والتقرير الجنائي يثبت أنها كانت زوجة هارب من أحكام ثأر لصالح عائلة الهواري! سعاد حين بدلت الأطفال، كانت تحاول إخفاء طفلة هذه المرأة المقتولة لحمايتها من بطش رجال يونس، فوضعتها في حضن ليلى (التي هي فرح).”
التفت أحمد إلى يونس وقال بصدمة:
“أما ابنة زوجتك عالية (الحقيقية).. فقد ظنت سعاد أنها ابنة المرأة المقتولة، وخافت أن يقتلها رجال الثأر إن عرفوا هويتها، فباعتها للممرضة الأخرى في القاهرة.. وهي الطفلة التي اشتريتها أنت يا يونس بيه وظننتها ابنتك من امرأة أخرى!”
صاح يونس كالأسد الجريح: “إذن.. ابنة عالية الحقيقية هي التي معي في الدوار؟!”
رد الطبيب: “نعم! الطفلة التي سميتها (نور) وتربيها في الصعيد على أنها ابنتك بالتبني.. هي ابنتك البيولوجية الشرعية من زوجتك عالية!”
طارق صرخ والدموع تحرق جفنيه: “وابنتي أنا يا أحمد؟ ابنتي أنا وليلى أين هي؟!”
طأطأ الطبيب رأسه وقال بأسى:
“ابنتك أنت وليلى.. هي الطفلة الرابعة التي سُجلت بالخطأ باسم المرأة الميتة.. وبسبب ارتباك سعاد، تم تسليمها لعائلة فقيرة جدًا من البدو يعيشون في أطراف الجيزة، ظنوا أن أمها ماتت وتركتها.. ابنتك الحقيقية ما زالت حية يا طارق، لكنها تعيش في فقر مدقع وتبيع الورود على الطرقات!”
يونس الهواري اكتشف أن الطفلة التي في العناية المركزة (فرح) والتي أنقذها بنخاعه منذ قليل.. ليست ابنته، بل هي ابنة غريمه وقاتل رجاله! والطفلة التي يربيها في بيته هي ابنته الحقيقية من زوجته.
وطارق وليلى اكتشفا أن فرح التي عاشت في حضنهما سبع سنوات هي ابنة صراعات وثأر لا ناقة لهما فيها ولا جمل.. وأن ابنتهما الحقيقية مشردة في الشوارع!
ساد صمت مرعب. نظر طارق إلى فرح النائمة وراء زجاج العناية المركزة.. الطفلة التي منحها اسمه وحبه، والتي يجري في عروقها الآن دم يونس الهواري. ونظر إلى يونس الذي كان يقف مذهولاً بين ابنة دمه الحقيقية وابنة عدوه التي أنقذ حياتها.
تحرك طارق بخطوات ميتة نحو الباب، والتفت إلى يونس وعالية، وقال بنبرة جمدت القلوب:
”فرح ستخرج من المستشفى معي.. ستبقى ابنتي باسمي، ولن يعلم أحد بهذا السر. ويونس بيه.. ابنتك (نور) ستبقى عندك. الدم اختلط، والورق احترق.. والآن، سأذهب لأبحث عن ابنتي الثالثة الضائعة في الشوارع لتربيها ليلى مع ابنة قاتل عائلتكم!.. من اليوم، نحن لسنا أعداء، ولسنا أقارب.. نحن مجرد جثث تتحرك على الأرض.”
وفي تلك اللحظة، فتحت فرح الصغيرة عينيها داخل العناية المركزة، ونظرت عبر الزجاج إلى طارق ويونس.. وأشارت بصرها ونطقت بكلمة واحدة سمعها الجميع خلف الزجاج: “بابا..”
لكنها لم تكن تنظر لطارق.. بل كانت تنظر وتُشير بعينيها الصغيرتين إلى يونس الهواري! لتنتهي الحكاية على أبواب جحيم جديد من الأسئلة والقرارات التي ستحرق عائلتين إلى الأبد.
لم يلتفت يونس إلى الخلف، بل تيبست قدماه وكأن الصاعقة ضربته مجددًا. التفت ببطء شديد نحو الزجاج ليجد عيني فرح الصغيرة مُعلقتين بوجهه هو، وكأن نداء الدم الذي جرى في عروقها قبل ساعات عبر جراحة نقل النخاع قد أيقظ فيها حاسة خفية، أو كأن روح والدها الحقيقي قد نادتها من خلف جدار الموت.
تحركت عالية، زوجة يونس، بخطوات مرتعشة ووقفت بجانب زوجها، تنظر إلى فرح بصدمة لتقول بنبرة باكية:
“يونس.. البنت تنظر إليك أنت.. النخاع الذي جرى في جسدها غير فصيلتها، وصنع بينكما رابطًا لا يمكن لورق أو قانون أن يمحوه.. هذه الطفلة أنقذت حياتها بدمك!”
طارق وقف بعيدًا، يشاهد المشهد بقلب ممزق. فرح التي كان يظنها ملكه، الطفلة التي لم تنطق بكلمة “بابا” لغيره طوال سبع سنوات، تنظر الآن إلى رجل غريب، صعيدي، دخل حياتهم قبل ساعات فقط ليقلبها جحيمًا. شعر طارق ببرودة تجتاح أطرافه، وأدرك أن الأبوة بالتربية قد هزمتها لغة الدم في اللحظة الأخيرة.
خطى طارق نحو الزجاج، ووضع يده عليه محاولًا جذب انتباه فرح، لكن عيني الطفلة ظلتا شاخصتين نحو يونس الهواري، كأنها مغيبة أو ترى فيه أمانًا جهلته طوال حياتها.
في تلك اللحظة، التفت يونس إلى طارق، ولم تكن في عينيه نظرة انتصار أو غل صعيدي، بل كانتا مليئتين بدموع رجل انكسرت كبرياؤه أمام لغز الأقدار. اقترب يونس من طارق وهز رأسه بأسى:
“يا بشمهندس.. الأرض دارت بنا حتى أرجعتنا لنقطة الصفر. البنت التي في الداخل تحمل دم عائلة الهواري، والدم في الصعيد لا يُترك للغرباء.. لكنها في نفس الوقت ابنة عدوي! وابنتي الحقيقية تعيش في داري على أنها غريبة.. وابنتك أنت تبيع الورد في الشوارع! ألا ترى أننا نعيش في مسرحية ملعونة؟”
صاح طارق بصوت مخنوق وهو يمسك بياقة يونس:
“ماذا تريد يا يونس بيه؟ هل تريد أن تأخذ فرح أيضًا؟ لقد أخذتم كل شيء.. عائلتي، اسم زوجتي، والآن تريدون ابنتي التي ربّيتها؟”
تراجعت عالية خطوتين للخلف، ونظرت إلى شقيقتها ليلى الراقدة على السرير بدموع متحجرة، ثم قالت بصوت حازم:
“يونس.. طارق.. لن ينصلح هذا الحال والفتيات مشتتات. نحن لن نتبادل الأطفال كأنهم بضائع. طارق سيبحث عن ابنته الضائعة في الجيزة ويأتي بها، وفرح ستبقى في حضن ليلى وطارق لأنها لا تعرف غيرهما أمًا وأبًا.. لكن بشرط واحد!”
اتجهت الأنظار كلها نحو عالية التي تابعت بمرارة:
“يونس سيكتب نصف أملاكه في الصعيد باسم فرح لتأمينها، ونور (ابنتنا الحقيقية) ستأتي لتعيش هنا في القاهرة مع أولاد خالتها لتعوض سنوات الحرمان.. العائلتان يجب أن تندمجا، والدم الذي تفرق بالهرب والثأر والتبديل، يجب أن يجمعنا رغماً عنا تحت سقف واحد.. وإلا سيموت الجميع بالجنون.”
ساد صمت ثقيل في الممر، صمت قطعه صوت خطوات ثقيلة قادمة من نهاية الرواق. التفت الجميع ليجدوا رجلين من رجال الشرطة يتقدمان نحو طارق ويونس، ومعهما سيدة تبكي بحرقة وتكاد تسقط أرضًا.
توقف الضابط أمام طارق وسأله بنبرة جادة:
“أنت المهندس طارق عبد الرحمن؟”
رد طارق بوجل: “نعم يا فندم، خير؟”
أشار الضابط إلى السيدة الباكية وقال:
“هذه السيدة تم القبض عليها قبل ساعة في حملة ضد متسولي الشوارع في منطقة الجيزة.. وأثناء التحقيق معها، انهارت واعترفت أنها اشترت طفلة قبل سبع سنوات من ممرضة في مستشفى استثماري بالقاهرة بعد أن أوهموها أن أمها ماتت أثناء الولادة.. الطفلة معها في سيارة الشرطة بالأسفل، والتحقيقات قادتنا إليك كوالد محتمل بناءً على سجلات المستشفى المفتوحة مؤخرًا في قضية التزوير.”
شعر طارق أن قلبه سيتوقف عن النبض. ركض نحو نافذة الممر المطلة على الشارع، ونظر إلى الأسفل ليرى سيارة الشرطة.. ومن زجاجها الخلفي، كانت تطل طفلة صغيرة، ترتدي ثيابًا بالية، وتمسك بقميصها بقايا وردة حمراء ذابلة.. لكنها كانت تمتلك وجهًا يصرخ بالبراءة، وعينين خضراوين لامعتين، وشعرًا مموجًا كشعر ليلى تمامًا!
التفت طارق إلى يونس وعالية، والدموع تنهمر كالشلال على وجهه، ثم نظر إلى فرح داخل العناية المركزة التي كانت ما تزال تنظر إلى يونس.. وأدرك في تلك اللحظة الصادمة أن الحكاية لم تنتهِ، بل بدأت الآن؛ فكيف لبيت واحد أن يجمع بين طفلة الشوارع التي عاد لها حقها، وطفلة الثأر التي تحولت فجأة إلى ابنة ملياردير صعيدي، وعائلتين قُدر لهما أن يعيشا معًا في مواجهة حقيقة واحدة: أن الدم أقوى من الحب، لكن التربية أقوى من الموت!


