تركتني أمي
تركتني أمي وأنا في السابعة من عمري… وعندما مات أبي بعد اثني عشر عامًا، اتصلت بي أمي في اليوم التالي تتوسل إليّ أن أزورها.
ذهبت إليها وأنا أحمل في قلبي سنوات من الغضب والأسئلة.
لكن عندما فتحت الباب…
تجمّدت في مكاني.
لم أكن مستعدة أبدًا لما رأيته أمامي.
كنت في السابعة من عمري عندما اختفت أمي من حياتي.
لم يكن هناك وداع طويل.
لم تشرح لي شيئًا.
لم تقل لي إلى أين ستذهب أو متى ستعود.
فقط… في أحد الأيام كانت تمشط شعري قبل المدرسة، وتغني لي بصوت خافت.
وفي اليوم التالي…
لم تعد موجودة.
بالنسبة لطفلة في السابعة، لم يكن هناك سوى تفسير واحد:
أمي تركتني.
أما أبي، فلم يتحدث عنها.
لم يشرح.
لم يبرر.
وكأنه قرر أن يغلق ذلك الباب إلى الأبد.
وانشغل بالعمل.
كان يعمل في الصباح داخل ورشة ميكانيكا، ثم يقضي فترة بعد الظهر في توصيل الطلبات، وفي الليل يعمل في متجر لترتيب البضائع.
كان يعود إلى المنزل منهكًا.
وأحيانًا كنت أستيقظ في منتصف الليل، فأجده نائمًا على طاولة المطبخ، وملابسه ما تزال عليه، والفواتير منتشرة حوله.
كنت أنظر إليه وأشعر بالحزن.
وحين أسأله:
“هل أنت بخير يا أبي؟”
كان يبتسم رغم الإرهاق ويقول:
“أنا بخير… طالما أنتِ بخير.”
كبرت وأنا أراه يحاول أن يكون كل شيء بالنسبة إليّ.
الأب.
والأم.
والسند.
لكن رغم كل ما فعله، كان هناك سؤال واحد يطاردني.
لماذا تركتني أمي؟
وعندما بلغت العاشرة، لم أعد أستطيع كتمانه.
سألته ذات ليلة:
“لماذا تركتنا أمي؟”
توقف أبي عن الكلام.
ظل صامتًا لثوانٍ طويلة.
ثم نظر إليّ وقال:
“لم تعد جزءًا من حياتنا.”
ثم أضاف:
“لكن أريد منك وعدًا.”
سألته:
“ما هو؟”
قال:
“ما دمت حيًا، لا تحاولي التواصل معها.”
لم أفهم السبب.
ولم أقتنع.
لكنني كنت أثق بأبي أكثر من أي شخص في العالم.
لذلك أومأت برأسي وقلت:
“أعدك.”
ومنذ ذلك اليوم، لم أسأل مرة أخرى.
مرت اثنتا عشرة سنة.
وخلالها، فعل أبي كل ما يستطيع من أجلي.
كان يحضر حفلات المدرسة حتى لو وصل متأخرًا ويداه مغطاتان بالشحوم.
تعلم كيف يضفر شعري، رغم أن ضفائري كانت دائمًا تخرج بشكل مضحك.
تعلم طبخ وجبتي المفضلة، رغم أنه كان يحرقها في معظم المرات.
كان يضحك معي، ويحزن معي، ويقف إلى جواري في كل لحظة.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
لم يتحدث عن أمي.
وأنا…
لم أتحدث عنها أيضًا.

