تركتني أمي

حتى بلغت التاسعة عشرة.

وفي أحد الأيام، مات أبي فجأة.

سكتة قلبية.

دون مرض طويل.

دون إنذار.

ودون أن يمنحني فرصة لأقول له:

“شكرًا.”

انهار عالمي في لحظة.

فقدت الشخص الوحيد الذي كنت أظن أنني أملكه.

وفي اليوم التالي فقط…

رن هاتفي.

رقم مجهول.

حدقت في الشاشة طويلًا.

كدت أرفض المكالمة.

لكن شيئًا بداخلي دفعني إلى الإجابة.

قلت:

“ألو؟”

ساد صمت قصير.

ثم سمعت صوتًا لم أسمعه منذ اثني عشر عامًا.

صوتًا مكسورًا ومرتجفًا.

قال:

“هل أنتِ… ابنتي؟”

توقفت أنفاسي.

ثم سمعت الجملة التي لم أتخيل أنني سأسمعها يومًا:

“أنا أمك.”

كان يجب أن أغلق الهاتف.

كان يجب أن أصرخ.

كان يجب أن أقول لها إنني أكرهها.

لكنني شعرت بمشاعر كثيرة في وقت واحد.

الغضب.

الفضول.

الألم.

والاشتياق الذي كنت أرفض الاعتراف بوجوده.

قالت:

“عرفت أن والدك توفي… وانتظرت كل هذه السنوات احترامًا لوعدي له.”

ثم بدأت تبكي.

“لكنني الآن لم يعد لدي شيء أخسره.”

وتوسلت إليّ:

“أرجوكِ… تعالي لرؤيتي ولو مرة واحدة.”

لا أعرف لماذا وافقت.

ربما لأن أبي لم يعد موجودًا ليجيب عن أسئلتي.

وربما لأن جزءًا صغيرًا بداخلي كان لا يزال ينتظر أمي.

ذهبت إلى عنوانها.

طوال الطريق، تخيلت ما سأقوله.

كنت سأصرخ.

سأسألها لماذا تركتني.

سأخبرها عن كل ليلة بكيت فيها.

عن كل عيد ميلاد تمنيت أن تكون فيه بجانبي.

وعن السؤال الذي عذبني سنوات:

“ألم أكن كافية لتبقي من أجلي؟”

لكن عندما فتحت الباب…

نسيت كل شيء.

وقفت أمامي امرأة مختلفة تمامًا عن الصورة التي رسمتها في خيالي طوال حياتي.

كانت نحيلة جدًا.

ضعيفة.

تمسك بإطار الباب حتى تستطيع الوقوف.

وعيناها…

كانتا تحملان شيئًا لم أستطع تجاهله.

الندم.

وقبل أن أقول أي كلمة، انهمرت دموعها.

قالت:

“أرجوكِ… دعيني أشرح.”

دخلت.

جلسنا أمام بعضنا بعضًا في صمت طويل.

ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت:

“عندما كنتِ في السادسة من عمرك… شُخّصت باضطراب ثنائي القطب شديد.”

لم أتحرك.

تابعت:

“كانت تأتيني نوبات لم أكن أستطيع السيطرة عليها. أفكاري كانت تخيفني. أحيانًا لم أكن أعرف نفسي.”

ثم نظرت إليّ بعينين دامعتين وقالت:

“لكن أكثر شيء أخافني… كان أنتِ.”

شعرت بقشعريرة في جسدي.

أضافت:

“كنت أخاف أن يأتي يوم أؤذيك فيه دون أن أكون واعية لما أفعل.”

سألتها بصوت مرتجف:

“فتركتِني؟”

أغمضت عينيها.

وقالت:

“نعم.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *