تركتني أمي

ثم أردفت بسرعة:

“لكنني لم أتركك لأنني لم أحبك.”

رفعت عينيها إليّ.

“تركتك لأنني أحببتك أكثر مما كنت أحب نفسي.”

لم أعرف ماذا أقول.

تابعت:

“اتخذت أصعب قرار في حياتي. رحلت حتى لا تعيشي طفولتك وأنتِ خائفة مني.”

ثم أخبرتني بالحقيقة التي لم أعرفها طوال تلك السنوات.

أبي لم يكرهها.

بل رآها في أسوأ حالاتها.

ووعدها بأنه سيحمي طفلتها مهما حدث.

وأنه سيمنحني حياة مستقرة وآمنة.

قالت:

“كنت أعرف أنك ستكرهينني.”

ثم ابتسمت بحزن:

“لكنني فضّلت أن تكرهيني وأنتِ آمنة… على أن تحبيني وأنتِ خائفة.”

لم أستطع منع دموعي.

كل السنوات التي قضيتها وأنا أظن أنها تخلت عني…

كل تلك الذكريات…

كل ذلك الغضب…

بدأ يتغير أمامي.

قالت:

“قضيت سنوات طويلة في العلاج. كنت أريد أن أصل إلى اليوم الذي أستطيع فيه أن أقف أمامك دون أن أخاف من نفسي.”

ثم قالت بصوت خافت:

“كنت أريد أن أصبح إنسانة تستحق أن تكون أمك.”

كانت تلك الجملة أقسى من كل شيء.

مددت يدي نحوها.

وأمسكت بيديها المرتجفتين.

وقلت:

“كنتِ تستحقين أن تكوني أمي دائمًا.”

لأول مرة منذ اثني عشر عامًا…

ابتسمت.

كانت ابتسامة صغيرة.

لكنها كانت أصدق ابتسامة رأيتها في حياتي.

لم نستطع استعادة السنوات التي ضاعت.

لم يكن بإمكاننا العودة إلى طفولتي.

لكننا حصلنا على شيء آخر.

ستة أشهر.

ستة أشهر من الوجبات المشتركة.

من الأحاديث الطويلة.

من الضحك الذي كان يتخلله البكاء.

ستة أشهر من الأسئلة والإجابات.

ستة أشهر نتعرف فيها إلى بعضنا من جديد.

ستة أشهر كانت كافية لأعرف أنني لم أكن طفلة غير مرغوب فيها…

وأن أمي لم تكن امرأة تخلت عني.

كانت امرأة خائفة…

اختارت أن تختفي حتى تحميني.

ثم، في صباح أحد الأيام…

رحلت أمي.

هذه المرة إلى الأبد.

لكنها رحلت بسلام.

وقفت أمام باب منزلها طويلًا بعد وفاتها.

وفكرت في كل السنوات التي قضيتها أكرهها.

ثم أدركت شيئًا لن أنساه ما حييت:

نحن لا نعرف القصة كاملة أبدًا.

قد يبدو قرار شخص ما قاسيًا.

قد يبدو تخليًا.

قد يبدو أنه نابع من الأنانية.

لكن خلف كل قرار قصة لا نراها.

ومعركة لا نعرف عنها شيئًا.

وخوف قد لا نستطيع فهمه.

كان بإمكاني أن أتمسك بغضبي.

كان بإمكاني أن أغلق الباب في وجهها.

لكنني اخترت أن أستمع.

وهذا الاختيار غيّر حياتي كلها.

لم أستعد طفولتي.

ولم أستعد السنوات التي ضاعت.

لكنني استعدت شيئًا كنت أحتاج إليه أكثر:

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *