لعبة القدر الجزء الثاني حكايات مايا خالد
نزل طارق درجات سلم المستشفى كالمجنون، لم يكن يرى أمامه، ولم يعد يستمع لنداءات يونس أو صراخ عالية. كان يدفعه نداء خفي غاب عنه لسبع سنوات.
فتح باب سيارة الشرطة بيدين ترتجفان. نظرت إليه الطفلة الصغيرة برعب، وانكمشت في زاوية المقعد وهي تضم بقايا الورد الذابل إلى صدرها. بنظرة واحدة إلى عينيها الخضراوين الواسعتين، رأى طارق زوجته “ليلى” في صباها؛ نفس النظرة، ونفس الملامح الممزوجة بالكبرياء والضعف.
جثا طارق على ركبتيه في الشارع، ومد يده نحوها وقال بصوت مخنوق من البكاء:
“لا تخافي يا حبيبتي.. أنا لست غريبًا.. أنا بابا.”
نظرت إليه الطفلة بغير تصديق، فالسيدة التي ربتها لم تعلّمها سوى الخوف من الغرباء، لكن الأمان الذي شعرت به في نبرة طارق جعلها تمد يدها الصغيرة الملوثة بغبار الشارع لتضعها في كفه الكبيرة. في تلك اللحظة، شعر طارق أن روحه التي سُلبت منه قد ردت إليه.
أخذ طارق ابنته—التي تبين أن اسمها في أوراق المتسولين “صابرين”—وصعد بها إلى الغرفة حيث ترقد ليلى. بمجرد أن دخلت الطفلة، انتفضت ليلى من فراشها رغم آلامها، وضمتها إلى صدرها بانهيار بكائي هز جدران الغرفة، كانت تشم شعرها، وتقبل يديها الخشنة من قسوة الشارع، وكأنها تعتذر لها عن كل ليلة نامت فيها على الرصيف بينما كانت طفلة أخرى تنعم بالدفء في بيتها.
خارج الغرفة، كان يونس الهواري يقف وعيناه مسلطتان على فرح عبر زجاج العناية المركزة. فرح التي استقرت حالتها تمامًا بفضل دمه، بدأت تتحرك ببطء.
التفت يونس إلى زوجته عالية وقال بصوت صارم حاسم لا رجعة فيه:
“عالية.. جهزي نفسك. نحن لن ننتظر غدًا. طارق وليلى س يأخذان ابنتهما الحقيقية (صابرين)، وسيربيان فرح أيضًا لأنها ابنتهم بالتبني والاسم.. أما نحن، فنأخذ (نور) ابنتنا الحقيقية من الصعيد ونأتي للاستقرار هنا في القاهرة. الدم لم يعد يحتمل الفرقة، وما حدث اليوم إشارة من ربنا أن القطيعة التي دامت أحد عشر عامًا يجب أن تنتهي بقوة هذا الشابك.”
مر شهر كامل على تلك الأحداث العاصفة. انتقلت عائلة يونس الهواري إلى قصر جديد في ضواحي القاهرة ليكونوا قريبين من طارق وليلى. وتم تغيير اسم “صابرين” رسميًا في الأوراق لتصبح “حياة طارق عبد الرحمن”.
لكن البيوت التي ظن الجميع أن الاستقرار دخلها، كانت تغلي فوق صفيح ساخن من الأسرار والتعقيدات النفسية.
في بيت طارق، كانت “حياة” تعاني من صدمة الانتقال؛ ترفض النوم على السرير الناعم وتفضل النوم على الأرض، وتستيقظ في الليل تصرخ وتبحث عن صندوق الورد الخاص بها. وفي المقابل، كانت فرح—التي بدأت تتعافى—تشعر بغيرة قاتلة وصمت مريب. كانت ترى طارق وليلى يغدقان الحنان على القادمة الجديدة، فشعرت ب غُربة في البيت الذي ظنت طوال عمرها أنها أميرته.
والأخطر من ذلك كله، أن فرح لم تعد تنادي طارق بكلمة “بابا” بحرارة كما كانت تفعل سابقًا. كان هناك حاجز نفسي غريب قد تشكل في عقلا الطفلة الصغير منذ ليلة الحادث ونقل الدم.
وفي يوم الجمعة، اجتمعت العائلتان في قصر يونس الهواري بناءً على رغبة عالية لتقريب الفتيات من بعضهن. كان المشهد مهيبًا: ثلاث فتيات في نفس العمر (سبع سنوات) يجلسن في حديقة القصر:
“نور” ابنة يونس الحقيقية التي تربت في الصعيد كغريبة.
“حياة” ابنة طارق الحقيقية التي عاشت مشردة في الشوارع.
و”فرح” ابنة عائلة الثأر والمجهولة التي تربت كأميرة في بيت طارق.
كان الكبار يراقبون الفتيات من الشرفة بنظرات مليئة بالقلق والتوجس. فجأة، ركضت فرح نحو يونس الهواري، وأمسكت بطرف جلبابه، ونظرت إليه بعيونها النمرة وقالت ببراءة مرعبة:
“عمو يونس.. أنا أريد أن أعيش معك في هذا القصر.. أنا لا أحب بيت بابا طارق الجديد، وهم لم يعودوا يحبونني مثل صابرين.”
نزل طارق من الشرفة مسرعًا وقلبه ينبض رعبًا، وصاح: “فرح! ماذا تقولين؟ أنا أحبكِ، أنتِ ابنتي الكبرى!”
لكن فرح انكمشت خلف ظهر يونس الهواري، واحتمت به كأنها تستدعي جيناتها الأصلية المخفية في عروقها.
نظر يونس إلى طارق، ثم نظر إلى الفتيات الثلاث اللواتي يمثلن شبكة معقدة من الدم، والمال، والثأر، والشارع.. وأدرك يونس أن الاتفاق الودي الذي عقدوه في المستشفى قد انهار تمامًا أمام غريزة الأطفال.
وفي تلك اللحظة القاتلة، رن جرس باب القصر. فتح الخادم الباب ليدخل رجل يرتدي ملابس رسمية وبيده حقيبة جلدية سوداء، ويسأل بنبرة جافة:
“أين المهندس طارق عبد الرحمن، والحاج يونس الهواري؟”
تقدم يونس وطارق نحوه، فقال الرجل وهو يخرج أوراقًا رسمية مختومة بختم النيابة العامة:
“أنا محامي من مكتب المدعي العام.. التحقيقات في قضية تزوير وتبديل الأطفال بمستشفى الشفاء لم تنتهِ كما ظننتم.. الفحوصات الجنائية الموسعة وبقايا جثامين حادثة الولادة التي فُتحت مقابرها قبل يومين أثبتت مفاجأة أخيرة.. المرأة المقتولة ليلة الحادث لم تكن غريبة عنكم.. ولم تكن زوجة هارب من الثأر.. تلك المرأة كانت شقيقة طارق عبد الرحمن التي اختفت قبل ثماني سنوات وظننتم أنها سافرت للخارج! فرح التي تقف هنا.. ليست ابنة عدوك يا يونس بيه.. فرح هي ابنة أخت طارق الحقيقية، والدم الذي يجري في عروقها الآن بعد نقل النخاع.. جعلك والدها بالدم، وخالها بالقرابة، وعدوها بالثأر القديم!”
سقطت الحقيبة من يد المحامي، وتراجعت ليلى وهي تصرخ، بينما وقف طارق ويونس ينظران إلى بعضهما البعض.. ليدركا أن الدائرة الملعونة لم تترك أحدًا خارجها، وأن السر لم يدفن، بل أصبح الآن قنبلة موقوتة ستنفجر في وجه الفتيات الثلاث حين يكبرن ويعرفن الحقيقة كاملة.سقطت الكلمات في وسط الحديقة كقذيفة شطرت العقود والعهود نصفين. التفت طارق إلى المحامي وجسده ينتفض بالكامل، وصاح بصوت لم يعد يشبه صوته:
“أختي؟ سمر؟! سمر ماتت مقتولة في ذلك المستشفى؟ فرح ابنة سمر؟!”
كانت سمر هي الجرح الغائر في حياة طارق، شقيقته الوحيدة التي اختفت قبل ثماني سنوات في ظروف غامضة، وظن الجميع أنها سافرت مع زوجها إلى الخارج وانقطعت أخبارها. لم يكن يعلم أن زوجها كان هاربًا من ثأر عائلة الهواري، وأن رصاصات رجال يونس قد طالتها وهي حامل، لتدخل المستشفى باسم مستعار وتموت وهي تلد فرح!
التفت طارق إلى يونس وعيناه تحولت إلى كتلة من الجمر المشتعل:
“أنت قتلت أختي يا يونس! رجالك قتلوا أختي وحرموني منها.. والآن دمها يطالبك بحقها في ابنتها!”
وقف يونس الهواري مذهولاً، ولأول مرة في حياته يسقط قناع الهيبة الصعيدية عن وجهه، ليرتعد أمام الحقيقة. نظر إلى كفيه، ثم إلى فرح التي تقف خلفه محتمية بثوبه، وقال بصوت متحشرج:
“والله ما كنت أعلم يا طارق.. الثأر كان مع زوجها وليس معها، ورجالي ضربوا النار على سيارتهما دون أن يعلموا بوجودها.. يا للمصيبة! أنا أنقذت بنخاعي ابنة المرأة التي قتلتها عائلتي؟!”
امتزجت الأنساب، وتحول ممر القصر إلى ساحة صراع بين الماضي والحاضر. فرح لم تعد مجرد طفلة مُبدلة، أصبحت هي الرابط بين القاتل والضحية؛ خالها هو طارق الذي رباها، ووالدها بالدم (بسبب نقل النخاع الذي غير فصيلتها وأنقذها) هو يونس الهواري الذي قتل والدتها!
نزلت ليلى إلى الحديقة، وأمسكت بيد “حياة” (صابرين سابقاً) و”نور”، وضمت الفتيات الثلاث إليها وهي تصرخ في وجه يونس وطارق:
“اكتفوا بالدماء! انظروا إلى الصغار! الأطفال سيموتون بجريرتكم! فرح ابنة سمر، يعني هي ابنتنا ولحم ليلى وطارق، ولن تخرج من هذا البيت!”
لكن فرح، الطفلة ذات السنوات السبع، كانت قد استمعت إلى كل شيء وعقلها الصغير يحاول استيعاب الكلمات المتقاطعة: “قتل.. ثأر.. أختي.. ابنتي”. نظرت إلى طارق وهي تبكي: “أنت لست بابا؟” ثم نظرت إلى يونس: “وأنت قتلت أمي؟”
صرخت فرح صرخة هزت أركان القصر، وركضت بكامل سرعتها نحو بوابة القصر المفتوحة لتفر من هذا الجحيم البشري.
ركض الجميع خلفها؛ طارق، ويونس، وليلى، وعالية. خرجت فرح إلى الشارع السريع المقابل للقصر وهي تبكي بحرقة ولا تنظر خلفها.
وفي تلك اللحظة القاتلة، كانت هناك شاحنة ضخمة مسرعة تقترب من الطفلة. صرخ طارق: “فرح!”، وتحرك يونس بجسده القوي كالسهم نحو الشارع.
اندفع يونس وطارق معًا في نفس اللحظة يفديان الطفلة. ألقى طارق بنفسه ليجذب فرح إلى الرصيف الآخر، بينما ارتمى يونس بجسده ليعترض طريق الشاحنة..
دوى صوت كبح الفرامل المرعب، وتبعه صوت ارتطام قوي أعاد إلى الأذهان نفس صوت الحادث الأول الذي بدأت به الحكاية!
ساد صمت مطبق في الشارع.
استقرت فرح في أحضان طارق على الرصيف، تبكي وتنتفض، لكنها كانت سليمة لم يمسسها سوء. التفت طارق وهو يلهث ونظر إلى منتصف الطريق..
كان يونس الهواري راقدًا على الأرض والدماء تسيل من رأسه، والى جانبه زوجته عالية تصرخ بانهيار. زحف طارق نحو يونس، ووضع رأسه على فخذه. فتح يونس عينيه بصعوبة بالغة، ونظر إلى طارق، ثم إلى فرح، وابتسم ابتسامة باهتة يملؤها الندم والراحة، وقال بصوت متقطع:
”الدم.. الدم انغسل يا طارق.. دم سمر سددته بدمي.. فرح.. ابنتنا جميعًا.. حافظ عليها..”
أغلق يونس الهواري عينيه للمرة الأخيرة، لتنتهي معركته مع الحياة والثأر، ويدفع ثمن خطأ الماضي من جسده وروحه، تاركًا خلفه عائلتين انصهرتا بالدم، والموت، والتبديل.
بعد مرور أشهر على الحادثة.. ساد الهدوء قصر الهواري الذي أغلقت بواباته على عائلة واحدة غريبة الأطوار. ليلى وعالية تعيشان معًا، وطارق أصبح الأب والمسؤول عن الفتيات الثلاث: “حياة” ابنة الشوارع التي عادت لحضنه، و”نور” ابنة يونس اليتيمة، و”فرح” ابنة أخته الراحلة وحاملة نخاع قاتل أمها.
وفي ليلة هادئة، جلست فرح أمام المرآة تنظر إلى ملامحها، واقترب منها طارق وقبل رأسها وقال: “تصبحين على خير يا ابنتي.”
التفتت إليه فرح، ونظرت في عينيه بنظرة غامضة أكبر من سنها بكثير، وقالت بهدوء جمد الدماء في عروق طارق:
”بابا طارق.. أنا أعلم أنك خالي.. وأعلم أن عمو يونس هو الذي أنقذني.. لكن هل تعلم ماذا قالت لي الممرضة سعاد في المستشفى قبل أن تموت وهي تبكي؟”
توقف طارق في مكانه، وابتلع ريقه بصعوبة: “ماذا قالت لكِ يا فرح؟”
نظرت إليه فرح بابتسامة باردة وقالت:
“قالت لي إنني لست ابنة سمر أيضًا.. سمر ولدت ولدًا، وسعاد أخذت الولد وأعطته لعائلة أخرى.. وأنا ابنة امرأة لم يعرفها أحد حتى الآن.. أنا لست منكم يا بابا.. فمن أنا؟!”
وقع الخبر كالصاعقة الأخيرة التي هدمت ما تبقى من عقل طارق، ليركع على الأرض ويدرك أن صندوق الأسرار الأسود لم يفتح منه سوى القشور، وأن الرحلة نحو الحقيقة لم تبدأ بعد!تصلبت أطراف طارق وكأن الغرفة قد أُفرغت فجأة من الأكسجين. حدق في وجه فرح، وجهها الطفولي الصغير الذي حمل في هذه اللحظة نظرة باردة وغموضًا لا ينتمي لسنواتها السبع. الكلمات خرجت من فمها كخناجر صغيرة مزقت آخر خيط من الثبات كان يتمسك به.
”أنا لست منكم.. فمن أنا؟”
تردد صدى سؤالها في أركان الغرفة الثقيلة. لم ينطق طارق بحرف، تراجع خطوة إلى الوراء، ثم خرج مسرعًا والأنفاس تتلاحق في صدره كأنه يهرب من شبح.
انعزل طارق في مكتبه طوال الليل، والأوراق المتناثرة والتحاليل القديمة تحاصره كقضبان سجن. إذا كانت فرح ليست ابنة سمر، وإذا كانت سمر قد ولدت ولدًا.. فأين هو ذلك الولد؟ ومن تكون هذه الطفلة التي نامت في بيته سبع سنوات، والتي مات من أجلها يونس الهواري؟
قرر طارق أن يبحث عن المفتاح الوحيد المتبقي لهذه الكارثة: المحامي الذي أحضر التقرير الجنائي، والملفات السرية للممرضة الراحلة سعاد.
بعد أيام من البحث والضغط القانوني مستعينًا بنفوذ عائلة الهواري الذي ورثته عالية، استطاع طارق الوصول إلى مذكرات قديمة كانت تخبئها سعاد في بيتها القديم بالقاهرة، مذكرات كتبت فيها بدموع الندم واعترافات الاحتضار قبل أن يغيبها الموت.
فتح طارق الدفتر العتيق، وتقلب بين الصفحات حتى وصل إلى تاريخ الولادة المشؤوم، لتقع عيناه على السطور الأخيرة التي كُتبت بخط مرتجف:
”يا رب سامحني.. الخطأ لم يكن بيدي بل كان تدبيرًا شيطانيًا. ليلة الولادة، جاء رجال يونس الهواري متخفين يبحثون عن زوج سمر ليقتلوه، وحين دخلوا المستشفى أحدثوا فوضى عارمة واعتدوا على الطاقم الطبي. سمر ولدت ولدًا، وحين علمتُ أن رجال الهواري سيقتلون الرضيع ليقطعوا نسل زوجها، قمت بتهريب الولد فورًا مع طبيب شاب غادر المستشفى في تلك اللحظة.. وبسبب رعبها، تركت لي امرأة أخرى غريبة طفلتها الرضيعة وهربت.. الطفلة هي (فرح)، والولد.. الولد الحقيقي لسمر، ابن أخت طارق، يعيش الآن تحت اسم مستعار مع ذلك الطبيب الذي رباه كابنه!”
شعر طارق بنبضات قلبه تضرب في أذنيه ك الطبول. إذن فرح طفلة مجهولة النسب تمامًا، وُضعت في هذا الطريق لتكون سببًا في إنقاذ عائلتين وتدمير عائلتين. أما ابن أخته.. فما زال حيًا!
مرت السنوات سريعة كأنها طيف، وتحولت الحكاية من دراما اجتماعية إلى واقع معقد تعيشه الفتيات الثلاث اللواتي كبرن معًا تحت سقف واحد بعد أن دمجت عالية وطارق أملاكهما واستقرا في القصر.
أصبحت الفتيات في سن الثامنة عشرة.
“حياة” (ابنة الشوارع السابقة) أصبحت شابة يملؤها الطموح والقوة، تدرس إدارة الأعمال لتدير أملاك والدها.
“نور” (ابنة يونس) ورثت هيبة أبيها وصمته، وباتت تدير شؤون عائلتها في الصعيد بقوة وحزم.
أما “فرح”.. فقد نمت لتصبح شابة فائقة الجمال، لكنها كانت الأكثر انطواءً وغموضًا، تحمل في قلبها سرًا لم تبح به لأحد، ونظرة عينين تعود لامرأة لا يعرف أحد أصلها. حكايات مايا خالد
وفي حفل تخرج الفتيات من المرحلة الثانوية، أقام طارق وعالية حفلًا ضخمًا في القصر، دعا إليه صفوة المجتمع والأطباء والمهندسين.
أثناء الحفل، تقدم طبيب شاب، وسيم، في أواخر العشرين من عمره، يُدعى “الدكتور يوسف”، كان قد انضم حديثًا لطاقم المستشفى الذي يديره أصدقاء طارق. جاء يوسف ليبارك للفتيات، وبمجرد أن وقعت عيناه على طارق، شعر كلاهما بانجذاب غريب، رابط خفي لم يفهماه.
التفت طارق إلى الطبيب الشاب وسأله باهتمام: “أهلاً بك يا دكتور يوسف.. لم نتعرف على عائلتك الكريم؟”
ابتسم يوسف وقال بنبرة يملؤها الفخر: “والدي هو الدكتور الوالد (مصطفى الملاح)، كان يعمل في مستشفى الشفاء القديم قبل سنوات طويلة، وتوفي العام الماضي.. وهو الذي علمني الطب.”
تسمر طارق في مكانه، واسم “مصطفى الملاح” يتردد في عقله؛ إنه نفس اسم الطبيب الشاب الذي ذكرته الممرضة سعاد في مذكراتها! الطبيب الذي هرب بالولد!
نظر طارق إلى يوسف.. ركز في ملامحه، في طريقة كلامه، ونبرة صوته.. ليرى فيه نسخة طبق الأصل من شقيقته الراحلة سمر! الدم حنّ، والحقيقة التي دُفنت قبل ثمانية عشر عامًا وقفت أمامه حية ترزق. يوسف هو ابن أخته، الوريث الشرعي والدم الحقيقي الذي يبحث عنه!
لكن الصدمة لم تكن هنا. الصدمة التي جمدت الدماء في العروق وهزت أركان الحكاية حدثت في نفس اللحظة.
بينما كان طارق يستوعب المفاجأة، التفت ليجد “فرح” تقف خلف يوسف، وتنظر إليه بنظرة حب عميقة، وأمسكت بيده أمام الجميع وقالت لطارق بابتسامة يملؤها التحدي:
”بابا طارق.. أريد أن أعرفك رسميًا على يوسف.. يوسف ليس فقط زميلًا، بل هو خطيبي الذي اخترته، وقررنا أن نتزوج قريبًا!”
طارق نظر إلى فرح، ثم إلى يوسف—ابن أخته—الذي يريد الزواج من فتاة مجهولة النسب تربت كأخته في الرضاعة والبيت!
انطفأت أنوار القصر في عيني طارق، وادرك أن القدر لم يكن يمهد لهم للاستقرار، بل كان ينسج خيوط اللعبة الأخيرة بعناية مرعبة. إذا أخبر يوسف بالحقيقة، سيدمر حبه لفرح ويفصل بين الأخ وأخته بالتربية.. وإذا سكت، سيسمح بكارثة كبرى تجمع بين الدم المجهول والدم الضائع!
التفتت الفتيات الثلاث؛ حياة، ونور، وفرح، ونظرن إلى طارق المنتفض في مكانه، ليركع المهندس العجوز على ركبتيه وسط الحفل، وتنتهي الحكاية على صرخة صامتة في صدره: “يا الله.. لقد عاد الماضي ليحصد ما تبقى منا!”
تمت
لعبة القدر حكايات مايا خالد


