قرض ج٢

مر باقي اليوم في الشغل وأنا حاسة إن كل دقيقة بتعدي بتزيدني ثبات. ركبت المواصلات وروحت على بيت أبويا، البيت اللي عشت فيه كرامتي مصونة قبل ما أدخل تجربة الجواز الفاشلة دي. أول ما فتحت الباب، لقيت أمي مستنياني بدموع وفاتحة لي دراعاتها، وأبويا قاعد في الصالة، وعلى وشه علامات الغضب والجدية اللي عمري ما شوفتها فيه قبل كده.

قعدت وسطهم، وبدأنا نتكلم، وأبويا قالي كلمة ريحت قلبي:

ـ “يا صباح، الفلوس تروح وتيجي، والشغل يتعوض، إنما الكرامة لو اتخدش منها سنتي واحد مش هتعرفي تعيشي راسك مرفوعة تاني. إنتِ صح، واللي عملتيه هو الأصول.”

على الساعة تمانية بالليل، تليفون أبويا رن. كان أحمد.

أبويا رد عليه ببرود شديد وصوت جهوري:

ـ “أهلاً يا أحمد.. آه صباح عندي.. الكلام مش في التليفون يا ابن الناس، إنت وأبوك تنورونا بكرة بعد صلاة العشا، والبيوت ليها أبواب.” وقفل السكة من غير ما يديله فرصة ينطق بكلمة واحدة.

تاني يوم، كان أصعب وأطول يوم تعدى عليا في حياتي. رحت شغلي ورجعت، جهزت نفسي وقعدت في أوضتي مستنية. الساعة جت تسعة، وجرس الباب رن.

دخل أحمد ومعاه أبوه، ومن صوت حمايا وهو داخل وبيسلم، كان باين إنه جاي وعامل حساب لـ “دخلة” حامية عشان يداري على موقفه. قعدوا في الصالون، وأبويا طلب من أمي تدخلي عشان أكون حاضرة القعدة.

دخلت وسلمت بهدوء وقعدت جنب أبويا. حمايا مكدبش خبر، وبدأ الكلام بنبرة هجومية:

ـ ” جرى إيه يا حاج؟ إحنا جايين ناخد مرآة ابننا اللي سابت بيتها من النجمة وخرجت من غير إذن، ووقفت في وسط بيت العيلة تعلي صوتها عليا.. ده يرضي ربنا؟ إحنا شاريين بنت الأصول، بس الأصول بتقول إن الست تطيق جوزها وأهل جوزها!”

أبويا سكت خالص، ملامحه كانت هادية لدرجة تخوف. بص لحمايا وقال بنبرة واثقة:

ـ “والأصول برضه يا حاج بتقول إن الراجل لما يتجوز، بيفتح بيت بماله وبشقاه، مش بيروح يمد إيده لمراته وياخد شقاها وتعبها عشان يسد بيه طلبات مالهاش لازمة. بنتي مش جاية تشتغل عندكم، ولا جاية تعمل قروض تسد بيها طمع حد. بنتي بتشتغل عشان كيانها، وفلوسها ليها لوحدها.”

أحمد اتدخل وحاول يعلي صوته:

ـ “يا عمي أنا جوزها، وليا كلمة عليها، وهي كبرت الموضوع وسابت البيت من غير إذني!”

أبويا لف له وبصله بنظرة خلت أحمد يسكت تماماً، وقاله:

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *