صافي هاني 3

​صوت سرينات البوكس والإسعاف بقوا في قلب الساحة خلاص، والناس بدأت تتفرق وتوسع عشان العساكر والمسعفين اللي نازلين يجروا. في اللحظة دي، وأنا عيني غرقانة دموع وباصص لوشها المجهد اللي الشارع كل من نضارته، افتكرت الورق المطبق اللي رمتّه في حجري قبل ما تقع.

​بسرعة ومن غير ما حد يلمحني، لميت الورق المتبهدل والدموع مغرقة الحبر اللي عليه، وحطيته في جيب جاكيت البدلة الداخلي.. الجيب اللي جه جهة قلبي بالظبط، وكأن الورق ده بقى هو النبض الوحيد اللي باقيلِي في الدنيا دي.

​المسعفين شالوها على النقالة، والظابط بدأ يطلب بطاقتي وبطاقة أسماء عشان يستجوبنا كشهود عيان على ق*تلة علوان وعلى الوفاة. قضيت الساعات اللي بعد كده في القسم وكأني مغيب عن الوعي، بنطق كلام وبمضي على محاضر وأنا عقلي وروحي لسه هناك.. واقفين في ساحة الحسين تحت المئذنة.

​على الفجر، رجعت بيتي.. البيت الكبير اللي أبويا مصطفى بناه من عرق جبينه وشقاه. دخلت مكتبي وقفت الباب ورايا بالمفتاح. السكون في البيت كان مرعب، وصورة أبويا اللي متعلقة على الحيطة بزيه الرسمي المبتسم، بقت بتبصلي بنظرة تانية خالص.. نظرة كلها أسرار وخبايا مكنتش بشوفها زمان.

​قعدت على الكرسي، وطلعت الورق المطبق من جيب جاكيتي وإيدي لسه بتترعش. فردت أول صفحة براحة عشان متتقطعش، وكانت عبارة عن شهادة ميلاد قديمة جداً ومكتوبة بخط الإيد، وصادرة من نفس المستشفى الحكومي اللي علوان قال عليه..

​نزلت بعيني على خانة اسم المولود، وبعدين خانة اسم الأب، وفجأة عيني برقت، والورقة وقعت من إيدي على المكتب وأنا مش قادر أصدق الاسم اللي قريته مكتوب في خانة الأب الحقيقي!

​#حكايات_صافي_

 

الاسم اللي كان مكتوب في خانة الأب الحقيقي مكانش اسم أبويا مصطفى.. ولا كان خانة فاضية زي ما علوان حاول يلمّح. الاسم اللي هز كياني وخلّى الدم يتجمد في عروقي كان اسم “علوان نفسه”!

​”علوان عبد الرحمن النجعاوي”.. الاسم كان مكتوب بخط إيد واضح وجنبه ختم المستشفى الباهت.

​وقعت على الكرسي وضهري ساند لورا، وأنا حاسس إن الأوكسجين اتقطع عن الأوضة كلها. يعني علوان مكانش مجرد مبتز؟ علوان كان الأب الحقيقي اللي أبويا مصطفى دفع عمره وشقاه وفلوسه عشان يشتري سكوتُه ويحميني منه؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *