صافي هاني 3

​افتكرت في ثانية كل نظرات الشماتة والغل اللي كانت في عين علوان وهو بيبصلي في الساحة.. وافتكرت صرخة أمي المكتومة ونَفَسها اللي اتقطع وهي بتحاول تمنعه إنه ينطق بالسر الكامل. هي مكانتش بتخبي عليا إني ابن حرام أو ابن شوارع.. هي كانت بتخبي عني إن الراجل الندل اللي واقف بيشمت فينا، الراجل اللي بيشحت على حسي بقاله سنين، هو نفس الراجل اللي رماني وأنا لحمة حمرا وباعني لأبويا مصطفى!

​فتحت الصفحة التانية من الورق، وكانت عبارة عن مكاتبة قديمة بخط إيد أبويا مصطفى، الله يرحمه. كان كاتب فيها:

«أنا مش ندمان إني اشتريت ابني شريف بمالي وعمري.. علوان باع قطة لحم من صلبُه عشان يسدد ديونه، والست الغلبانة (أمي) ملهاش ذنب غير إنها وافقت تمثل دور الميتة عشان تضمن إن الواد يكبر في عز وبعيد عن أصل أبوه النجس.. سامحني يا رب لو كنت خالفت شرعك في التبني، بس أنا محرمتوش من أمه.. أنا حميته من أبوه».

​الدموع نزلت من عيني زي المطر، بس المرة دي مكانتش دموع صدمة.. كانت دموع فخر بأبويا مصطفى، الراجل اللي بجد شال الشيل وصان الأمانة ورباني بنظافة لغاية ما بقيت شريف بيه.

​لميت الورق كله في جيب وفجأة.. سمعت صوت خبط رزين وقوي على باب الشقة برة في وقت الفجر ده. قمت مشيت بخطوات تقيلة وفتحت الباب..

​وقفت مكاني مذهول وأنا شايف قدامي الراجل أبو جلابية بيضا.. الراجل اللي ضرب علوان بالمطواة في وسط الساحة وهرب.. واقف قدام باب بيتي وحاطط إيده في جيبه وباصصلي وعيونه كلها غموض!

​#حكايات_صافي_هاني..

 

الراجل أبو جلابية بيضا فضّل واقف مكانه، ملامحه كانت هادية لدرجة ترعب، وعيونه مفيهاش أي ندم على الروح اللي لسه مخلص عليها من كام ساعة.

​حطيت إيدي على الباب وأنا سانده، وحبست نَفَسي وسألته بصوت متحشرج:

— «أنت مين؟ وعايز مني إيه؟ وأزاي عرفت مكان بيتي؟»

​الراجل نزل إيده من جيبه، وبص حواليه في الممر الفاضي للتأكد إن مفيش حد، وقال بنبرة هادية وصعيدية أصيلة:

— «أنا ولد عمك يا شريف بيه.. علوان اللي مات ده يبقى أبوي أنا كمان، يعني أخوك في الدم اللي رماه زمان ومسألش فيه.. وعرفت طريقك لأن علوان مكانش وراه سيرة طول السنين اللي فاتت غيرك أنت وأبوك مصطفى الله يرحمه».

​اتسعت عيني بذهول، وهو كمل وعينه فيها لمعة انكسار:

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *