* يا دكتور، لو سمحت.. اعمل العملية لميرفت الأول.. مراتي تقدر تستنى! دي كانت آخر جملة سمعتها قبل ما عيني تغيب عن الوعي، جملة فوقتني على حقيقة مكنتش عايزة أشوفها بقالي سنين. الحادثة مكنتش هي اللي دمرت جوازنا، جوازنا كان ميت ومكسور من قبل اليوم ده بكتير. كل حاجة حصلت في ثانية على طريق المحور وإحنا راجعين من غدا عيلة في الشيخ زايد. جوزي شريف كان هو اللي سايق، وجنبه ميرفت صاحبة عمره اللي مابتفارقوش، مأنتخة في الكرسي اللي قدام وبتشتكي إنها دايخة ومش عارفة تاخد نفسها. وأنا ورا، كاتمة في نفسي وساكتة، لسة مفرملة جوايا خناقة تافهة مالحقناش نخلصها أنا وهو. وفجأة.. عربية نقل فرملت حُبّي، شريف كبس فرامل بكل عزم فيه، صريخ صاج بيتفعص، وإزاز بيطير في كل حتة، وريحة بنزين عمت المكان. لما فتحت عيني، لقيت نفسي في طوارئ مستشفى في المهندسين، أنا وميرفت دخلنا مع بعض. هي على سرير وأنا على سرير تاني رجلي اليمين مفرومة من الصاج، ووجع رهيب في بطني مخليني مش شايفه قدامي .#حكايات_شروق_خالد الممرضة زعقت وهي بتجري: * يا دكتور! المريضة مدام سارة ضغطها بيقع ومحتاجة غسيل عمليات فوراً! بصيت برعب بدور على شريف، لقيت واقف على بعد خطوتين، قميصه غرقان دم، وماسك قلم وبيمضي على إقرار عملية طوارئ. في ثانية غبية افتكرته بيمضي عشاني، لحد ما سمعته بيقول للدكتور بصوت عالي: * بقولك اخلص واعمل لميرفت الأول، ميرفت طول عمرها ضعيفة وعندها مشاكل في القلب، مش هتستحمل، مراتي تقدر تستنى! الممرضة بصتله بذهول وزعقت: * يا أستاذ، مدام سارة حالتها هي اللي حرجة جداً ومحتاجين إمضاءك عشان ندخلها العمليات حالا! شريف بصلي نظرة خاطفة، مكنش فيها خوف ولا لهفة، كان فيها زهق ونفاد صبر: * ما هي فايقة قدامك أهي! ومابتموتش.. تمضي لنفسها، اخلصوا وشوفوا ميرفت الأول! حسيت إن فيه حيطة اتهدت جوايا. تلات سنين جواز.. تلات سنين وأنا بتعلم ما اشتكيش، ما اسألوش ليه ميرفت دايماً رقم واحد في حياته؟ ميرفت صدعت.. شريف يكنسل اجتماعاته ويجري لها. ميرفت اتقمصت من خطيبها.. شريف ينزل لها في نص الليل. ميرفت تتبلى عليا إني ضايقتها.. شريف يغصبني أعتذر لها! وحماتي، الست فادية، كانت دايماً تقولي بنبرة باردة: "يا حبيبتي، الست العاقلة مابتغيرش من صاحبة جوزها، ميرفت دي زي أخته، بلاش تفاهة!" وأنا بين الحيا والموت، والدم غرقان في إيدي، عرفت يعني إيه "ست عاقلة".. يعني ماليش وجود. الدكتور قرب مني ووشه مقلوب: * مدام سارة، إحنا محتاجين إمضاءك فوراً، العملية دي حياة أو موت. حاولت أحرك إيدي اليمين مكنتش بتتحرك، مسكت القلم بإيدي الشمال والممرضة بتسندني، هزيت راسي ودموعي نازلة: * لو جوزي مش هيمضي عشان ينقذ حياتي.. هأنقذها أنا لنفسي. مضيت بإيد مرعوشة.. سارة عبد الرحمن. وقبل ما السرير يتحرك بيا للعمليات، سمعت صوت ميرفت المسهوك من الأوضة اللي جنبي وهي بتقول: * شريف.. روح مع سارة يا حبيبي عشان مatزعلش مني، أنا هبقى كويسة. حتى وهي بتموت، عارفة بتلعب اللعبة إزاي. وشريف رد عليها من غير تفكير: * ميت مfوزعلهاش، متتكلميش أنتِ خالص، أنتِ أهم حاجة عندي دلوقتي. كنت عايزة أضحك من كتر الوجع والكسرة، بس النفس مكنش طالع. وأنا داخلة تحت كشافات غرفة العمليات، صوابعي راحت لبلبلة دبلة الجواز، كانت لازقة من الدم الناشف، شديتها بكل غل لحد ما طلعت في إيدي. #حكايات_شروق_خالد الممرضة بصتلي بخوف: * يا مدام بتعملي إيه؟ هاتيها أشيلهالك مع حاجتك. رميت الدبلة في الصينية الإستانلس اللي جنبها وقولت بصوت طالع بالعافية: * خليها معاكي.. ارميها.. مش عايزاها. * بس دي شكلها غالية يا فندم! * مابقاش ليها أي قيمة.. دي كانت تمن تلات سنين رخصت فيهم نفسي. البنج بدأ يسري في عروقي، والضلمة بدأت تقفل عيني، وآخر حاجة سمعتها في الممر كان صوت الدكتور وهو بيقول: "الحالة التانية استقرت يا فندم"، وصوت شريف بيرد بنبرة فرحة: "الحمد لله يا رب!" غمضت عيني وأنا باخد عهد على نفسي.. لو خرجت عايشة من الأوضة دي، عمري ما هستناه يختارني تاني. بعد خمس ساعات، فوقت من البنج، الأوضة كانت هادية والإضاءة خافتة. أول ما فتحت عيني لقيت شريف قاعد على الكرسي اللي جنب السرير، أول ما شافني قام ووقف فوق راسي، وبدل ما يتطمن عليا، قال بنبرة عتاب ونرفزة: * حمد الله على السلامة.. إيه الحركة البايخة اللي عملتيها مع الممرضة دي؟ فين دبلتك؟ والدكتور بيقولي إنك مضيتي بنفسك وكأن م لكيش راجل! أنتِ دايماً غاوية تعملي من الحبة قبة وتصغرينا قدام الناس؟ بصيت له ببرود تام، مكنش فيه في عيني دموع، الوجع كله كان اتمسح وحل محله حجر. شاورت بإيدي الشمال الضعيفة للكومودينو اللي جنبه: * افتح الدرج ده يا شريف. شريف قطب حواجبه مستغرب، وفتح الدرج، وطلع منه ظرف أبيض كبير ومقفول. * إيه ده؟ ومين اللي جاب ده هنا وأنتِ في العمليات؟ سندت ضهري على المخدة براحة وقولتله: * ده إعلان على يد محضر.. ق*ضية خلع، وتنازل عن كل حقوقي، ومحامي عيلتي استلم الإقرار اللي أنت مضيته لميرفت وصوره وصور تذكرتين الطوارئ عشان نرفقهم في المحكمة.. مبروك عليك ميرفت يا شريف، أنت من اللحظة دي مpبقتش تلزمني. #حكايات_شروق_خالد ملامح شريف اتمسحت تماماً، والظرف الأبيض في إيده اتحول لقنبلة موقوتة. بص للورق وبصلي، وشه جاب ميت لون، والزهق والعتاب اللي كان داخل بيهم اتبخروا وفضل مكانهم صدمة وذهول. حاول يداري كسرته وضحك ضحكة صفرا مهزوزة: * خلع؟ وتنازل؟ أنتِ أكيد البنج لسة مأثر على دماغك يا سارة! إيه الجنان ده؟ عشان قولت للدكتور يشوف ميرفت الأول؟ أنتِ عارفة إن حالتها والقلب.. قاطعته بصوت واطي بس حاد زي المشرط اللي لسة خارج من بطني: * ميرفت حالتها استقرت قبل ما أنا أدخل العمليات يا شريف.. حالتها استقرت وأنت واقف برة بتبكي عليها وتدعي، في نفس اللحظة اللي أنا كنت بمضي فيها على حياتي بإيدي الشمال عشان إيدي اليمين مفرومة. متقوليش بنج.. أنا عمري ما فوقت في حياتي قد الكام ساعة اللي فاتوا دول. شريف خطوة لورا، وبدأ صوته يعلى والغل ينطق في كلامه: * أنتِ بتبيعي تلات سنين جواز عشان لقطة؟ عشان موقف اتصرفت فيه بنخوة وجدعنة مع صاحبة عمري اللي ملهاش حد؟ أنتِ أنانية ومريضة بالغيرة يا سارة! في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت حماتي، الست فادية، وعلى وشها علامات القلق المصطنع، وأول ما شافت الورق في إيد ابنها وشافت نظراتي، فهمت. قربت من السرير وبنفس النبرة الباردة اللي حفظتها تلات سنين قالت: * جرى إيه يا سارة؟ ده بدل ما تحمدي ربنا إنه نجاكِ؟ شريف منامش طول الليل من قلقه عليكي، وميرفت عمالة تعيط في الأوضة اللي جنبك وخايفة تكوني زعلانة.. بلاش تفاهة وصغر عقل، قسماً بالله ميرفت زي أخته! بصيت للست فادية، ولأول مرة محسيتش بالذنب ولا الرغبة إني أرضيها. ابتسمت بوجع وقولت: * أخته؟ طالما هي أخته، يتجوزها بقى وتبقى في حمايته رسمي يا طنط. أصل أنا "الست العاقلة" اللي قولتلي عليها.. والست العاقلة خلاص ميرفت مابقتش تضايقها، عشان شريف نفسه مابقاش يفرق معاها. شريف اتقدم خطوة وعينيه بتطق شرار، مسك الورق وكرمشه في إيده: * أعلى ما في خيلك اركبيه يا سارة.. المحاكم هتقعد سنين، وأنا مش هطلقك، وهتشوفي مين اللي هيتذل في الآخر! * المحامي بتاعي برة يا شريف.. ومعاه تقرير طبي بحالتي، ومعاه شهادة الممرضة والدكتور اللي ثبتوا في الدفاتر إنك رفضت تمضي لإنقاذ مراتي وطلبت إسعاف طرف تاني الأول. الإهمال العمدي والشروع في الق*تل المعنوي ده هيخلي قض*ية الخلع تخلص في جلستين.. ده غير الفضيحة اللي هتوصل لشغلك ولعيلتك لما الناس تعرف إنك سبت مراتك تموت عشان "صاحبتك". الكلام نزل عليه زي الصاعقة. شريف كان دايماً بيهتم ببرستيجه وشكله قدام الناس، وفكرة إن حقيقته تتكشف كانت كابوسه الأكبر. قربت الممرضة ودخلت الأوضة، وبصت لشريف وحماتي بحدة: * لو سمحتوا، المريضة لسة خارجة من جراحة كبيرة وممنوع عنها الانفعال. يا فندم اتفضل برة أنت والمدام. شريف بصلي نظرة أخيرة، كانت مزيج من الغل، الخوف، والانكسار.. ولأول مرة أشوف في عينيه نظرة "رجاء" مدارية ورا كبريائه. أخد أمه من إيدها وخرجوا، ورزع الباب وراه. أول ما الباب اتقفل، اتنفست لأول مرة من تلات سنين.. اتنفست بجد. الصدر اللي كان كاتم، والوجع اللي كان محبوس، كله طلع في تنهيدة طويلة. بصيت لإيدي اليمين المتجبسة، ولإيدي الشمال الفاضية من الدبلة. مكنش فيه دموع.. كان فيه راحة غريبة. أنا خسرت جزء من صحتي في الحادثة دي، وخسرت تلات سنين من عمري.. بس كسبت نفسي. كسبت "سارة" اللي مابقتش تقبل تكون دكة احتياطي في حياة حد. ومن اليوم ده، قفلت حكاية شريف وميرفت، وبدأت حكايتي أنا.. حكاية الست اللي اختارت تعيش لنفسها، ولنفسها وبس. حكايات شروق خالد