روايه للكاتبه شروق خالد 1

#حكايات_شروق_خالد
ملامح شريف اتمسحت تماماً، والظرف الأبيض في إيده اتحول لقنبلة موقوتة. بص للورق وبصلي، وشه جاب ميت لون، والزهق والعتاب اللي كان داخل بيهم اتبخروا وفضل مكانهم صدمة وذهول.
حاول يداري كسرته وضحك ضحكة صفرا مهزوزة:
* خلع؟ وتنازل؟ أنتِ أكيد البنج لسة مأثر على دماغك يا سارة! إيه الجنان ده؟ عشان قولت للدكتور يشوف ميرفت الأول؟ أنتِ عارفة إن حالتها والقلب..
قاطعته بصوت واطي بس حاد زي المشرط اللي لسة خارج من بطني:
* ميرفت حالتها استقرت قبل ما أنا أدخل العمليات يا شريف.. حالتها استقرت وأنت واقف برة بتبكي عليها وتدعي، في نفس اللحظة اللي أنا كنت بمضي فيها على حياتي بإيدي الشمال عشان إيدي اليمين مفرومة. متقوليش بنج.. أنا عمري ما فوقت في حياتي قد الكام ساعة اللي فاتوا دول.
شريف خطوة لورا، وبدأ صوته يعلى والغل ينطق في كلامه:
* أنتِ بتبيعي تلات سنين جواز عشان لقطة؟ عشان موقف اتصرفت فيه بنخوة وجدعنة مع صاحبة عمري اللي ملهاش حد؟ أنتِ أنانية ومريضة بالغيرة يا سارة!
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت حماتي، الست فادية، وعلى وشها علامات القلق المصطنع، وأول ما شافت الورق في إيد ابنها وشافت نظراتي، فهمت. قربت من السرير وبنفس النبرة الباردة اللي حفظتها تلات سنين قالت:
* جرى إيه يا سارة؟ ده بدل ما تحمدي ربنا إنه نجاكِ؟ شريف منامش طول الليل من قلقه عليكي، وميرفت عمالة تعيط في الأوضة اللي جنبك وخايفة تكوني زعلانة.. بلاش تفاهة وصغر عقل، قسماً بالله ميرفت زي أخته!
بصيت للست فادية، ولأول مرة محسيتش بالذنب ولا الرغبة إني أرضيها. ابتسمت بوجع وقولت:
* أخته؟ طالما هي أخته، يتجوزها بقى وتبقى في حمايته رسمي يا طنط. أصل أنا “الست العاقلة” اللي قولتلي عليها.. والست العاقلة خلاص ميرفت مابقتش تضايقها، عشان شريف نفسه مابقاش يفرق معاها.
شريف اتقدم خطوة وعينيه بتطق شرار، مسك الورق وكرمشه في إيده:
* أعلى ما في خيلك اركبيه يا سارة.. المحاكم هتقعد سنين، وأنا مش هطلقك، وهتشوفي مين اللي هيتذل في الآخر!
* المحامي بتاعي برة يا شريف.. ومعاه تقرير طبي بحالتي، ومعاه شهادة الممرضة والدكتور اللي ثبتوا في الدفاتر إنك رفضت تمضي لإنقاذ مراتي وطلبت إسعاف طرف تاني الأول. الإهمال العمدي والشروع في الق*تل المعنوي ده هيخلي قض*ية الخلع تخلص في جلستين.. ده غير الفضيحة اللي هتوصل لشغلك ولعيلتك لما الناس تعرف إنك سبت مراتك تموت عشان “صاحبتك”.
الكلام نزل عليه زي الصاعقة. شريف كان دايماً بيهتم ببرستيجه وشكله قدام الناس، وفكرة إن حقيقته تتكشف كانت كابوسه الأكبر.
قربت الممرضة ودخلت الأوضة، وبصت لشريف وحماتي بحدة:
* لو سمحتوا، المريضة لسة خارجة من جراحة كبيرة وممنوع عنها الانفعال. يا فندم اتفضل برة أنت والمدام.
شريف بصلي نظرة أخيرة، كانت مزيج من الغل، الخوف، والانكسار.. ولأول مرة أشوف في عينيه نظرة “رجاء” مدارية ورا كبريائه. أخد أمه من إيدها وخرجوا، ورزع الباب وراه.
أول ما الباب اتقفل، اتنفست لأول مرة من تلات سنين.. اتنفست بجد. الصدر اللي كان كاتم، والوجع اللي كان محبوس، كله طلع في تنهيدة طويلة.
بصيت لإيدي اليمين المتجبسة، ولإيدي الشمال الفاضية من الدبلة. مكنش فيه دموع.. كان فيه راحة غريبة. أنا خسرت جزء من صحتي في الحادثة دي، وخسرت تلات سنين من عمري.. بس كسبت نفسي. كسبت “سارة” اللي مابقتش تقبل تكون دكة احتياطي في حياة حد.
ومن اليوم ده، قفلت حكاية شريف وميرفت، وبدأت حكايتي أنا.. حكاية الست اللي اختارت تعيش لنفسها، ولنفسها وبس.





