روايه انجي الخطيب 3

الليالي اللي بعد كدة كانت تقيلة، زي ما يكون البيت لسه مسموم ببقايا البخور والحقد اللي اتزرع في أركانه. أنا وأحمد بقينا عايشين في حالة استنفار، غيرنا كالون باب الشقة، وبقيت بقرأ قرآن بصوت عالي في كل ركن، وبنتي بقت أنام وهي في حضني، مش راضية تسيبني لحظة، وكأنها حاسة بالخطر اللي لسه بيحوم حوالينا.
في وسط الهدوء اللي كان بيكسر السكون، تليفون أحمد رن. كان رقم غريب، رد وهو حاطط إيده على قلبه، ملامحه اتغيرت في ثانية، عروق رقبته برزت ووشه اتخطف. قفل الخط وبص لي وعيونه مفيهاش أي تعبير: “المحامي بيقول إنها خرجت بكفالة.”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. خرجت؟ يعني بدأت المواجهة الحقيقية؟ أحمد مسك مفاتيح العربية بسرعة وقال: “مروة، خدي بنتك وروحي عند أهلك فوراً. أنا مش هقدر أطمن عليكي وإنتي هنا لوحدك. أنا هروح أخلص شوية ورق في القسم وأشوف الدنيا فيها إيه، بس مش عايزكم تقعدوا في البيت ده.”
حاولت أعترض، كنت عايزة أكون جنبه، بس لما شفت الرعب في عينيه، عرفت إنه خايف إنها تنتقم مني أنا والبنت تحديداً. لميت هدومنا أنا وبنتي في شنطة بسرعة، قلبي كان بيوجعني وأنا خارجة، البيت اللي كنت بفرشه بحب وبحلم فيه بتربية بنتي، بقى مكان بخاف منه.
وصلت بيت أهلي، أمي استقبلتني وهي بتعيط، شافت في عيني انكسار وشافت في بنتي تعب. قعدت في أوضة نومي القديمة، اللي كنت بحلم فيها قبل الجواز. بعد ساعة، الموبايل رن تاني، كان أحمد. صوته كان مختلف، صوت راجل منهك من المعركة: “مروة.. أنا عند البيت دلوقتي.”
استغربت، قلت له: “أحمد؟ إنت مش قولت هتقعد في القسم؟ وإيه اللي جابك البيت دلوقتي؟”
سكت شوية، وبعدين قال بنبرة مكسورة ومفاجئة: “أنا لقيت الباب مفتوح يا مروة.. مفتوح بمفتاح، مش مكسور. ودخلت لقيت البيت كله مقلوب، هدومنا، عفش الأوضة، حتى السرير بتاع البنت.. كل حاجة متبهدلة. بس الأهم من ده كله.. لقيت ورقة محطوطة على مخدة بنتي.”
حسيت ببرودة سارية في جسمي، سألت بصوت بيترعش: “ورقة إيه؟ كاتبين فيها إيه؟”
أحمد رد وهو صوته بيختنق: “كاتبة بخط إيدها.. ‘اللي فات كان هزار، اللي جاي هو الحقيقة. البيت ده مش بتاعكم، البنت دي مش من نصيبكم، واللعبة لسه ما بدأتش’.”
لحظة صمت سادت المكان، وفجأة سمعت صوت تكسير زجاج جاي من ورا أحمد في التليفون، وصوت صريخ ست مش غريب عليا.. صوت حماتي. أحمد زعق: “إنتي إيه اللي جابك هنا؟ اطلعي بره!”، وبعدها الخط اتقطع.
حاولت أتصل بيه تاني، مفيش رد. “خارج نطاق الخدمة”. اتسمرت في مكاني، عرفت إن اللعبة مكنتش مجرد سحر وذهب، دي كانت “حرب وجود”. قمت لبست عبايتي بسرعة، ونزلت أجري زي المجنونة، مش عارفة أنا رايحة فين، بس عارفة إن جوزي وبنتي هما حياتي، ولو هي ناوية على دم، فأنا مستعدة أدافع عنهم لآخر نفس.
هل تفتكري يا مروة إن أحمد قدر يسيطر على الموقف، ولا حماتك كانت مجهزة “مفاجأة” أخيرة تقلب فيها موازين اللعبة تماماً؟
……….
وصلت العمارة، طلعت السلم بخطوات متسارعة، كان قلبي بيدق كأنه طبل بلدي في فرح مسحور. لقيت باب الشقة موارب، والهدوء اللي جوه كان أخطر من أي صريخ. زقيت الباب ودخلت، الشقة كانت زي ما قال أحمد، مقلوبة.. الهدوم مرمية، والتحف مكسرة، والريحة.. ريحة البخور اللي بيخنق النفس كانت ماليّة المكان.
ناديت بصوت مرعوب: “أحمد! أحمد أنت فين؟”
مفيش رد. قلبي كان هيقف، دخلت أوضة النوم، لقيت أحمد قاعد على طرف السرير، بيبص للفراغ، وفي إيده الورقة اللي قال عليها. حماتي مكانتش موجودة، بس كان فيه حاجة تانية.. كانت فيه ريحة “فحم” جاية من الصالون.
قربت منه، لمست كتفه، انتفض وكأنه كان غايب عن الدنيا. بص لي وعيونه كانت غايرة ووشه شاحب، مسك إيدي وقام وقف وهو بيشدني ناحية الصالون. لما وصلنا، لقيت المنظر اللي خلاني أصرخ من غير صوت:
في نص الصالون، كانت عاملة دايرة من الملح، وفي نص الدايرة دي، كانت حاطة صورة جوازنا، ومولعة شمع أسود، وجنبه طبق فيه “رماد” لحاجات مكنتش قادرة أميزها، بس الريحة كانت كفيلة تفهمي إنها كانت بتحرق في صورنا وذكرياتنا.
أحمد بص لي وقال بصوت واطي ومخنوق: “دخلت ولقيتها قاعدة هنا.. زي العفريت. مكنتش بتصرخ، مكنتش بتعيط.. كانت بتهمس بكلمات مش مفهومة وهي بتحرق في الصور. أول ما شافتني، قامت وقفت، بصتلي بابتسامة مرعبة وقالتلي: ‘البيت ده مش هيتهني فيه حد غيري، ولو مش ليا، مش هيكون لحد’.”
قلت له برعشة في صوتي: “فينها يا أحمد؟ ليه سبتها تمشي؟”
أحمد ضحك ضحكة قهر: “مشيت؟ يا ريت.. دي اختفت، مروة. حرفياً، زي ما تكون اتبخرت. دخلت الأوضة اللي ورا المطبخ، لما لحقتها لقيت الشباك مفتوح، بس ده دور رابع.. مفيش أي أثر لنزول، ولا فيه أي حد شافها بتخرج من العمارة.”
قربت من “الدايرة” اللي كانت عاملاها، لقيت صورة لبنتي محطوطة في النص، وعليها نقط حمرا.. دم. في اللحظة دي، حسيت بقوة غريبة بتسحبني، حسيت بدوخة، بس أحمد مسكني بسرعة.
قعدنا على الأرض، كنت بنطق الشهادة، وبصيت للأوضة اللي قالت إنها اختفت فيها، لقيت “خيط أحمر” طويل ممتد من دايرة الملح لحد تحت باب الأوضة دي، وكأنه “أثر” للي عملته.
أحمد فجأة وقف، جاب “جركن” مية وقرآن كان دايماً شايله، ورش المكان كله، وكسر الدايرة دي بقدمه. وبمجرد ما الدايرة اتكسرت، سمعنا صوت “تزييق” جاي من جوه الأوضة.. صوت حد بيتحرك ببطء، وكأن فيه حد كان مستخبي ومستنينا.
أحمد مسك “مفتاح الربط” اللي كان جنبه، ووقف قدامي، وقال بصوت هز الحيطان: “أنا عارف إنك جوه.. مش هسمحلك تلمسي شعرة من بنتي تاني، اطلعي يا أمي.. اطلعي وواجهي ابنك اللي دمرتيه.”
الصمت في الأوضة كان “صمت الموت”، وبعد ثواني، بدأت إيد كبيرة، مجعدة، ومصبوغة بلون أسود غريب، تظهر من ورا الباب الموارب بتاع الأوضة.. وبدأت هي تطلع، وشها كان أصفر، وعينيها.. عينيها مكنتش عيون بشرية، كانت عيون حد بايع روحه للشر.
بصتلي وقالت بصوت طالع من تحت الأرض: “فاكر إنك طردتني؟ أنا في كل حيطة في البيت ده، أنا في كل حتة في حياتكم.. أنتم ملكي.”
أحمد مكنش خايف، رمى المية المقروء عليها في وشها، وفجأة.. البيت كله هز، كأن زلزال ضرب المكان، والأنوار بدأت تترعش وتطفي وتولع، والصرخة اللي خرجت منها كانت صرخة مش بشرية.. صرخة كيان بيتحرق!
فجأة، كل حاجة سكتت.. الكهرباء قطعت تماماً، والبيت غرق في ضلمة دامسة، ومن جوه الضلمة، سمعت صوت بنتي بتضحك.. ضحكة بريئة، وكأنها بتقولي إن كل الشر ده انتهى بمجرد ما واجهنا “الحقيقة” وواجهنا “الخوف”.
هل انتهت اللعنة فعلاً؟ ولا الضلمة دي مخبية لينا حاجة تانية؟
……….
الضلمة كانت تقيلة، كاتمة على أنفاسي، وأنا ماسكة إيد أحمد لدرجة إن ضوافري غرزت في جلده. فجأة، صوت ضحكة بنتي اللي طلعت في الضلمة اتغير.. مابقاش ضحكة طفلة، بقى صوت صدى طالع من كل ركن في الشقة، صوت بيتردد وكأنه جاي من تحت الأرض. أحمد شدني وراه، نوره كشاف تليفونه، وبدأ يوجهه ناحية الأوضة اللي طلعت منها حماتي.
الأوضة كانت فاضية تماماً. لا حماتي، ولا الخيط الأحمر، ولا حتى الريحة المعفنة اللي كانت مالية المكان. الشباك كان مقفول ترباس من جوه، والباب ملوش مخرج تاني. أحمد بصلي وعرقه كان مغطي وشه: “مروة.. هي اختفت فين؟ دي مستحيل تكون خرجت من هنا!”
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط تقيل على باب الشقة الرئيسي، خبط متواصل وعنيف، مش خبط بني آدم، خبط حد بيحاول يكسر الباب. أحمد جري ناحية الباب وفتح، لقينا “صفاء” أخت جوزي واقفة، وشها أبيض كالثلج، وعنيها مبرقة من الرعب.
صفاء مسكت في عباية أحمد وبدأت تعيط بهستيريا: “الحقوا.. الحقوا ماما! هي.. هي مش في البيت، هي في المستشفى! اتصلوا بيا من شوية وقالولي إنها وقعت من على السلم في بيتهم، ومحدش عارف إيه اللي حصل!”
أحمد اتجمد في مكانه: “مستشفى إيه؟ وإزاي وقعت؟ دي كانت هنا من دقايق!”
صفاء بصتله بذهول: “هنا؟ إنت بتقول إيه؟ ماما بقالها يومين في غيبوبة في المستشفى بعد ما حاولت تعمل ‘العمل’ الأخير اللي كلمتك عنه، والناس اللي كانوا بيساعدوها هربوا وسابوها لوحدها!”
الكلمة نزلت علينا زي الصاعقة. أنا وأحمد بصينا لبعض، ورجعت بصيت للشقة اللي كنا واقفين فيها.. كل حاجة كانت رجعت مكانها، لا شمع أسود، لا دايرة ملح، ولا حتى ريحة بخور. كان البيت هادي، نظيف، ومفيش فيه أي أثر للي عشناه.
أحمد بيبصلي بذهول: “يعني.. يعني اللي شفناه ده؟”
قاطعته بصوت متهدج: “كانت روحها يا أحمد.. روحها اللي سابت جسمها في المستشفى وجت هنا عشان تكمل اللي بدأته. الشر ده مكنش مجرد فعل، ده كان طاقة سلبية شيطانية هي اللي حركتها.”
أحمد شدني وشد صفاء وخرجنا من الشقة، نزلنا على السلالم زي المجانين، ركبنا العربية وروحنا المستشفى. دخلنا العناية المركزة، وشوفنا حماتي.. كانت نايمة على السرير، وشها شاحب، وجسمها كله متوصل بأجهزة. الدكتور طلع وبص لأحمد وقال: “البقاء لله في حياتها.. القلب وقف من ساعة تقريباً.”
أحمد وقف قصاد سريرها، مكنش بيبكي، كان باصص لها بنظرة شفقة مخلوطة بوجع سنين. قولتله بصوت واطي: “سامحها يا أحمد.. هي خلاص راحت للي هيحاسبها.”
أحمد مسح دموعه، وبص لبنتي اللي كانت معايا في العربية وكنت جايباها، وقرب منها وباسها، وبعدين بص لأمه للمرة الأخيرة وقال: “سامحتك يا أمي، مش عشان إنتي تستاهلي، بس عشان أنا وبنتي نبدأ حياة جديدة، خالية من كرهك ومن شرك.”
خرجنا من المستشفى، والفجر كان بدأ يطلع. لأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن الهوا اللي بتنفسه نضيف، مفيش فيه ريحة سحر ولا غدر. رجعنا بيتنا، فتحت الباب، دخلت لقيت بنتي بتضحك في نومها ضحكة بريئة.. ضحكة وكأنها بتقول إن العاصفة عدت، وإن الشمس طلعت أخيراً على حياتنا.
قفلت الباب ورايا، وعرفت إن اللي فات ده كان كابوس طويل، صحينا منه بمواجهة الحقيقة، وإن مهما كتر السحر والشر، “الحق” دايماً هو اللي بيفضل، والبيت اللي مبني على الطيبة والستر، مفيش قوة في الأرض تقدر تهده. قعدت جنب بنتي، ونمت نومة عميقة، نومة واحدة ارتاحت بعد حرب طويلة، عالمة إن ربنا حاميها، وإن الصفحة اللي فاتت اتقفلت للأبد.. وبدأت حياة جديدة، مافيهاش غير حبنا، وستر ربنا، وضحكة بنتي اللي نورت الدنيا.
تمت
حكايات انجى الخطيب





