أخو جوزي ج١ منى السيد

وفي يوم…استنيت جوزي يرجع…أول ما دخل قلتله:
“لازم أخوك يشوفله مكان.”
بصلي باستغراب، وقال: “أعملها إزاي؟”
قلت: “يعني إيه تعملها إزاي؟”
قال وهو بيتنهد: “محرج منه.”
سكت شوية وكمل: “هو مالوش حد هنا.”
قلت بعصبية: “وأنا مالي؟”
“أنا مرتاحة في بيتي؟”
“أنا حتى مبقتش أعرف أتحرك.”
“وبقيت لابسة خمار طول اليوم.”
قال: “استحملي شوية.”
الكلمة دي كانت كفاية إنها تخليني أعيط.
كل مرة يبقى الرد…استحملي…طب وأنا؟
مين يستحملني؟
تاني يوم…نزلت أرمي الزبالة…لقيت جارتي واقفة…بصتلي وقالت: “مالك يا بنتي؟”
قلت: “مفيش.”
قالت: “وشك باين عليه.”
ابتسمت بالعافية…لكن يمكن كنت محتاجة أتكلم…حكيتلها.
هي وصاحبتها بصوا لبعض، وسكتوا، وبعدين قالتلي بهدوء:
“بصي… إحنا مالناش دعوة بحد.”
“بس اللي بيحصل ده مش صح.”
قلت: “ليه؟”
قالت: “إنتي شابة ، وهو شاب.”
“وجوزك برا البيت بالساعات.”
“والشيطان شاطر.”
حسيت قلبي وقع، قالت الجارة التانية: “سمعتي الحديث؟”
هزيت راسي بالنفي…قالت: “الحمو موت.”
الجملة فضلت ترن في وداني…رجعت البيت وأنا سرحانة.
فضلت أفكر…هو أنا فعلاً مكبرة الموضوع؟
ولا مصغراه؟ هل أنا ظلمت الراجل؟
ولا ظلمت نفسي؟
#حكـايـات_منـي_السيـد
وفي نفس الليلة…قلت لجوزي كلام الجارات.
اتضايق جدًا ، وقال بعصبية:
“يعني الجيران بقوا يدخلوا بينا؟”
قلت: “أنا مش مرتاحة.”
قال: “ده أخويا.”
قلت: “وأنا مراتك.”
سكت…وأنا سكت.
لكن من يومها…بدأت أحس بحاجة غريبة.
كل يوم الساعة تلاتة بالظبط…أخو جوزي كان يرجع من الشغل، وفي نفس المعاد تقريبًا…كان باب شقتنا يخبط.
مرة مندوب.
مرة عامل.
مرة حد بيسأل على عنوان.
الغريب…
إن أول ما أفتح الباب…
ألاقي مفيش حد.
افتكرت إنها صدفة.
لكن لما الموضوع اتكرر أكتر من مرة…
بدأت أشك.
وفي يوم…قررت أعرف مين اللي بيخبط ويجري.
لكن اللي شوفته بعيني من العين السحرية…
خلاني أتجمد مكاني، وحسيت إن كل اللي كنت خايفة منه لسه ما بدأش أصلاً ووو…!!!
#حكـايـات_منـي_السيـد
#حصرى_لمنصه_جولد_المحتوى_فقط
**الفصل الثاني**
فضلت واقفة ورا الباب، عيني لزقت في العين السحرية ونفسي مكتوم، لدرجة إني كنت سامعة ضربات قلبي جوه وداني زي طبول الحرب. رجلي مكنتش شايلاني، والخوف اللي كان مجرد إحساس عايم في الهوا بقاله شهر، اتمسد وبقى حقيقة ملموسة ورا الباب ده.
شُفت مين؟
شُفت أخو جوزي… واقف برا!
مستخبي ورا الحيطة المدارية اللي جنب الأسانسير، نِفسه عالي وطالع نازل كأنه كان بيجري، وماسك في إيده حتة خشبة صغيرة، وكان لسه هيمد إيده تاني يخبط على الباب ويجري يستخبى! المنظر جمد الدم في عروقي. هو اللي بيعمل كده؟ طب ليه؟ إيه الاستفادة من إنه يرعبني ويخليني أفتح الباب وأنا مخضوضة؟
سحبت نفسي لورا براحة من غير ما أعمل أي صوت، ودخلت المطبخ وأنا حاطة إيدي على بوقي عشان ما أصرخش. الأفكار كانت بتنهش في دماغي.. هل هو بيعمل كده عشان يلمحني وأنا بفتح الباب؟ عشان يجر شكلي؟ ولا دي ألاعيب شيطان وعايز يخليني أتعود أفتح الباب من غير ما أسأل مين، لحد ما في مرة…
جسمي اتنفض من الفكرة، واستعذت بالله من الشيطان الرجيم. قعدت في المطبخ على كرسي خشب، وبنتي “مكة” بدأت تعيط من الأوضة، صوت عياطها رجعني للواقع. طلعت جريت عليها، أخدتها في حضني وعصرتها جامد، وكأني بحميها وبحمي نفسي بيها.
الساعة بقت أربعة.. وخمسة.. وستة.. وجوزي دخل من الباب.
أول ما سمعت صوت مفتاحه، خرجت من الأوضة زي المجنونة، وشي كان أصفر زي الليمونة وشفايفي بتترعش. جوزي بصلي واستغرب:
ـ مالك يا منى؟ في إيه؟ وشك عامل كده ليه؟
بصيت ناحية الصالة، لقيت أخوه قاعد على الكنبة بكل برود، حاطط رجل على رجل وماسك الموبايل في إيده، وأول ما جوزي دخل، رفع عينه وبصلي بنظرة غامضة، نظرة فيها تحدي على خبث.. مكنتش قادرة أفسرها، بس نظرة خلت جسمي يقشعر.
شدّيت جوزي من إيده ودخلنا أوضة النوم وقفتلت الباب ورايا بترباس.
جوزي اتعصب وقال:
ـ في إيه يا بنتي؟ قلقتيني! وأخويا قاعد برا يقول إيه دلوقتي وإحنا بنستخبى منه كده؟
قلت بصوت واطي ومكتوم وأنا بنهج:
ـ أخوك هو اللي بيخبط على الباب ويجري يا أحمد!
أحمد برّق عينيه وبصلي بذهول، وبعدين ضحك بسخرية:
ـ إنتي اتجننتي يا منى؟ أخويا مين اللي يخبط ويجري؟ هو إحنا في الحضانة؟ ده راجل طول بعرض وجاي يشوف مستقبله، هيسيب شغله ويقعد يلعب في الممر؟
دموعي نزلت من قهرتي إنه مش مصدقني:
ـ والله العظيم شفته بعيني السحرية النهاردة! كان مستخبي ورا حيطة الأسانسير وكان لسه هيخبط ويهرب.. أنا مبتبلاش عليه يا أحمد، أنا خايفة.. خايفة في بيتي!
أحمد ملامحه اتغيرت، ميكس بين الغضب والارتباك، مش قادر يصدق إن أخوه يعمل كده، ومش قادر يكدب عياطي وانهياري. قاللي وهو بيحاول يهديني:
ـ طب اهدى.. اهدى يا منى، يمكن كنتِ متهيألك، يمكن حد تاني وهو كان طالع..
قاطعته بقهر:
ـ بقولك شفته ماسك خشبة في إيده وبيخبط بيها! ده بيستغفلنا.. ده بني آدم مش طبيعي، أرجوك يا أحمد، خليه يمشي، أنا مبقتش أأمن على نفسي ولا على بنتك في البيت ده وهو فيه!
أحمد سكت، حط إيده في جيبه وفضل يروح ويجي في الأوضة. الحرج من أخوه والواجب والأصول اللي اتربى عليها في الصعيد كانت مكتفاة، بس في نفس الوقت، كلامي زرع الشك في قلبه.
خرجنا من الأوضة عشان العشا، وطول ما إحنا قاعدين على السفرة، الجو كان مشحون وخانق. أحمد كان بيبص لأخوه “محمود” بنظرات فاحصة، ومحمود كان بيتصرف عادي جداً، بياكل ويهزر ويقول:
ـ تسلم إيدك يا مرات أخويا، الأكل اتعدل النهاردة عن كل يوم.
الكلمة نزلت عليا زي السم.. “اتعدل النهاردة”؟ يعني هو كان بيراقب طبيخي قبل كده؟ مكنتش قادرة أرد، هزيت راسي وسكت.
عدى اليوم، وتاني يوم الصبح أحمد نزل شغله، ومحمود نزل بعده.. وأنا قفلت وراهم الباب بسبع قفلات. قررت إني مش هقف في المطبخ ولا هتحرك من أوضتي طول ما الساعة بتقرب من تلاتة.
الساعة اتنين ونص.. تلاتة إلا ربع.. تلاتة بالدقيقة.. سمعت صوت المفتاح في الباب. محمود رجع.
دخل الشقة وقفل الباب، وفضل واقف في الصالة شوية. أنا كنت كتمة نَفس مكة جوه الأوضة ومرعوبة تعيط.
سمعت خطواته بتقرب من باب أوضتي.. الخطوات بطيئة.. ووقفت!
فضلت باصة لتحت الباب، شفت خيال رجليه واقف برا.. قلبي كان هيقف من الرعب، كنت حاسة إنه سامع دقات قلبي.
وفجأة.. تليفونه رن، فبعد عن الباب وهو بيرد وصوته واطي.
نَفست الصعداء، بس الرعب مكنش خلص.. الرعب الحقيقي بدأ لما الليل ليل.
أحمد رجع متأخر النهاردة، كانت الساعة حوالي تسعة بالليل بسبب ضغط الشغل. تعشينا وكل واحد دخل مكانه. محمود نام في الصالة على الكنبة السرير اللي بنقعد عليها، وأنا وأحمد ومكة في أوضتنا.
على الساعة اتنين بالليل، مكة بدأت تصرخ.. عياط متواصل مش راضية تسكت، مكنتش عارفة مالها، غيرتلها وعملتلها رضعة وبرضه بتعيط. أحمد من كتر تعب الشغل كان نايم زي القتيل ومش حاسس بحاجة.
اضطريت أخرج المطبخ عشان أجيب لها مية دافية وأحط لها نقط للمغص. لبست الإسدال بتاعي وربطته كويس، وفتحت باب الأوضة براحة وخرجت على أطراف صوابعي عشان مصحيش محمود.
الصالة كانت ضلمة كحل، مفيش غير نور خفيف جاي من منور المطبخ.
وأنا مادية إيدي في الضلمة وبتحرك ناحية المطبخ، رجلي خبطت في ترابيزة صغيرة، عملت صوت “كركبة” خفيفة.
وقفت مكاني وكتِمت نفسي.. وبصيت ناحية الكنبة اللي نايم عليها محمود.
الكنبة كانت فاضية!
برقت عيني في الضلمة.. محمود مش على الكنبة! طب راحت فين؟ دخل الحمام؟ الحمام نوره مطفي ومفيش فيه أي صوت.
وفجأة.. حسيت بهوا دافي ورا قفايا.. ونفس قريب مني جداً!
لفيت ببطء ورعب، وروحي بتتسحب مني..
لقيت محمود واقف ورايا بالظبط.. المسافة بيني وبينه مفيش شبر!
كان واقف في الضلمة، باصصلي وعينيه بتلمع بشكل يخوف، وكاتم ضحكة غريبة على وشه.
صرخت صرخة مكتومة ووقعت لورا، وسندت على حيطة المطبخ وأنا بترعش:
ـ أنت.. أنت واقف كده ليه؟ خضيتني!
محمود مقربش، بس فضل واقف مكانه وقال بصوت واطي ومبحوح، نبرة غريبة عمري ما سمعتها منه قبل كده:
ـ سلامتك من الخضة يا مرات أخويا.. شفتك خارجة في الضلمة، قلت أجي أشوفك محتاجة مساعدة ولا حاجة.. أصل البيت بيتك برضه، بس الليل آخره بيبقى غريب.
ـ مساعدة إيه؟ أنا داخلة المطبخ للبنت! وسع من طريق لو سمحت.
قلتها وأنا صوتي بيروح من الخوف.
خطى خطوة لقدام، وبصلي من فوق لتحت وقال:
ـ طب وليه التعب ده كله؟ ما تصحي أحمد يشوف بنته.. ولا أحمد تعبان في الشغل ومش فاضي للحاجات الصغيرة دي؟
الكلام كان فيه إيحاء سمج وقلة أدب واضحة وصريحة! دي مش نظرات ولا تصرفات أخو جوز يحترم بيت أخوه.
زقيته بكل ما فيا من عزم وجريت على أوضة النوم، دخلت وقفتلت الباب ورايا بالترباس ورجعت ضهري عليه وأنا بنهج وصدر بيطلع وينزل، ودموعي نازلة زي الشلال. مكة كانت لسه بتعيط، بس أنا مكنتش سامعاها، كنت سامعة بس صوت محمود وهو بيمشي في الصالة براحة ويرجع يقعد على الكنبة كأن مفيش حاجة حصلت.
صحيّت أحمد وأنا بصرخ وبنهج:
ـ اصحى يا أحمد.. اصحى وبص على مراتك اللي بتموت!
أحمد اتفزع وقعد على السرير:
ـ في إيه؟ مكة مالها؟
قلتله وأنا بنهار وبضربه في صدره من القهر:
ـ مش مكة اللي مالها.. أخوك.. أخوك كان واقفلي في الضلمة ورايا في الصالة وبيتكلم معايا بطريقة قذرة! أخوك بني آدم مش محترم يا أحمد.. أنا مش هقعد في البيت ده دقيقة تانية، يا أنا يا هو الصبح في الشقة دي!
أحمد وشه جاب ألوان، الغضب العمى عينيه، قام وقف وفتح باب الأوضة وخرج للصالة زي الإعصار، وأنا خرجت وراه..
محمود كان قاعد على الكنبة، وبص لأحمد بمنتهى البرود والبراءة المصطنعة:
ـ في إيه يا أحمد؟ مالكم قايمين حريقة كده ليه؟
أحمد مسكه من هدومه وزعق بصوت زلزل الشقة:
ـ أنت كنت واقف لمراتي في الضلمة بتعمل إيه يا محمود؟ أنت اتجننت؟ نسيت نفسك ولا إيه؟ دي شرفي ولحمى!
محمود ملامحه اتمطت بالدهشة والحزن المصطنع، وبص لأحمد وقال:
ـ أنا يا أحمد؟ أنا هبص لمرات أخويا؟ الله يسامحك.. أنا كل اللي حصل إني سمعت حركتها في الضلمة ورجلها خبطت في الحاجة، فقلت أدخل المطبخ أولع لها النور بدل ما تقع وهي شايلة البنت، لقيتها اتفزعت وصوتت وجريت! هي مراتك مالها يا أحمد؟ من أول ما دخلت البيت وهي شيفاني لغز ومستقصداني؟ عشان غريب وماليش مكان يعني؟
أحمد بصلي، وبص لأخوه، وبدأ يتردد.. كلام محمود طالع بهدوء وثقة، وكلامي طالع بانهيار وعصبية.
محمود كمل وهو بيقوم يلم هدومه في الشنطة وعامل نفسه زعلان ومكسور:
ـ خلاص يا أحمد.. أنا ماشي، مكانش العشم إنك تصدق عليا كلام زي ده، أنا هلم هدومي وأقعد في الشارع، ولا إن أخويا يشك في شرفي بسبب كلام ستات!
أحمد مسك إيد أخوه وقال بلهفة:
ـ استنى بس يا محمود.. استنى متفهمش غلط..
أنا واقفة شايفة التمثيلية دي ودمي بيغلي، محمود وهو بيلف ضهره لأحمد عشان يحط الهدوم في الشنطة، بصللي وغمزلي بعينه! آه والله.. غمزلي وابتسم ابتسامة خبيثة كأنه بيقولي “شفتي مين اللي هيكسب في الآخر؟”.
الغمزة دي خلتني أعرف إن اللي جاي أسود بكتير، وإن الراجل ده مش هيمشي بالسهل، وإنه ناوي على مصيبة..
يا ترى إيه اللي هيحصل؟ وأحمد هيصدق مين في الآخر؟ ومحمود ناوي على إيه؟





