حكايات منى السيد ج٢

لو حبيت، أقدر أوقف تمويلك في ثانية، وأخليك تعلن إفلاسك قبل ما الشمس تغيب.
رضا بص ل داميان، اللي كان بيبصله ببرود قاتل
أنا.. أنا ممكن أعمل أي حاجة تانية. ممكن نتفاهم.
ماري قامت وقفت، وقربت منه لدرجة إنه شم ريحة برفانها القوي، اللي كان مختلف تماماً عن ريحة الطين
التفاهم كان من 3 سنين، لما قلتلي إني مابقتش لايقة عليك. دلوقتي، أنا اللي مش عايزة أشرف بوجودك في مكتبي. قدامك 24 ساعة، يا إما تتنازل عن كل أصولك وتعلن خروجك من السوق، يا إما هخلي الناس اللي ضحكت عليهم في التريند بتاع إمبارح، هما اللي يطاردوك في الشوارع، مش بالطين.. بس بالديون.
خرجت ماري من القاعة، ووراها داميان. رضا فضل واقف في القاعة الكبيرة، لوحده، لأول مرة يحس ب الفراغ اللي كان بيحاول يهرب منه طول حياته.
موبايله رن. كانت ريهام.
رضا، الحفلة بدأت، فين الناس؟ فين الصحافة؟ الكل بيسأل عنك!
رضا مسك الموبايل، وبدل ما يرد، رماه على الأرض بصرخة مكتومة، وهو شايف حياته اللي بناها على الخديعة بتنهار قدام عينه، زي ما رماه هو في الطين.
ماري كانت بتركب عربيتها، وبتشوف من المراية رضا وهو خارج من المبنى، وشه أصفر، وإيديه بتترعش. كلمت نفسها بصوت واطي
مش كل اللي بيقع بيطلع منه مكسور يا رضا.. في ناس بتقع عشان تتعلم إزاي تطير.
بس كان لسه فيه حاجة تانية، حاجة أخطر. وهي بتتحرك، لقت في المظروف اللي معاها ورقة تانية، ورقة ماكانتش متوقعة تشوفها، ورقة بتبين إن اللي حصل إمبارح في الشارع ماكانش صدفة، وإن ريهام ماكانتش بس بتصور فيديو، كانت بتنفذ خطة تانية خالص، أكبر من مجرد إهانة.
ماري بصت لداميان
فيه حاجة غلط. ريهام ماكانتش بتصورني عشان تتهمني إني وقعت.. هي كانت بتصور الناس اللي حواليا. هي كانت بتصور حراسك.
داميان اتغير لون وشه
ليه؟
ماري ردت وهي بتمسك تليفونها عشان تتصل بمحاميها
الجزء الرابع والأخير الحساب الأخير
الصبح طلع على القاهرة، بس الصبح ده كان مختلف. ماري كانت واقفة في بلكونة بيتها بتبص على النيل، حاسة بهدوء غريب. عزت وريهام بقوا ورا القضبان، والشبكة اللي كانت بتدير كل شيء من خلف الستار اتفككت حتة حتة. بس كان لسه فيه خيط واحد ناقص في اللوحة رضا.
تليفونها رن. كان الأستاذ محسن، مدير البنك اللي رضا كان بيتعامل معاه.
يا مدام ماري، رضا موجود دلوقتي في فرع البنك الرئيسي. بيحاول يسحب اللي فاضل من السيولة في حسابات الشركة عشان يهرب بره البلد. الإجراءات القانونية اللي بدأتيها جمدت كل شيء، بس هو بيعمل حالة هياج غير طبيعية جوه.
ماري قفلت التليفون ببرود. لبست، وطلبت من داميان يوصلها للبنك.
مش محتاجة أجي معاكي؟ سأل داميان وهو بيطمن عليها.
لأ يا داميان. دي مواجهة شخصية. هي دي اللحظة اللي لازم رضا يفهم فيها مين هي الست اللي هو قرر يدوس عليها عشان يكبر.
وصلت ماري البنك. الجو بره كان متوتر. الأمن واقف، والعملاء واقفين بيتفرجوا على المشهد. جوه، رضا كان واقف بيزعق، ووشه أحمر، والشرر بيطير من عينيه. كان زي الوحش المحبوس في قفص.
يعني إيه حساباتي مجمدة؟! أنا رضا سلطان! أنا اللي بنيت الأبراج اللي أنتوا قاعدين فيها دي!
الموظف كان بيبصله بشفقة
يا فندم، فيه قرار قضائي من النائب العام بوقف كل التعاملات لحد انتهاء التحقيقات في تهم غسيل أموال وتزوير.
رضا لف وشه، وفجأة شاف ماري داخلة من باب البنك. مشيت بخطوات تقيلة، واثقة، كأنها داخلة تستلم جايزة. الموظفين والعملاء كلهم اتجمعوا، كأنهم مستنيين المشهد الأخير في فيلم طويل.
رضا جري ناحيتها، والشرر بيطلع من عينيه
أنتِ! أنتي السبب في كل ده! أنتي اللي دبرتي كل حاجة عشان تنتقمي مني عشان سيبتك! أنتي دمرتي مستقبلي يا ماري!
ماري وقفت قدامه، بصلته من فوق لتحت بنظرة استعلاء، مش شماتة، كانت نظرة أم بتشوف طفل بيعيط عشان كسرت لعبته.
مستقبلك؟ أنت اللي دمرت مستقبلك يا رضا يوم ما بعت اللي صانك عشان تشتري واحدة كانت بتبتزك. أنت اللي بنيت إمبراطوريتك على سرقة مجهودي وتزوير توقيعاتي. أنا ما عملتش حاجة غير إني نورت النور في الأوضة الضلمة اللي كنت مستخبي فيها.
رضا ضحك ضحكة مجنونة
أنا اللي خليتك ماري! أنا اللي طلعتك من العدم!
ماري هزت راسها بأسى
لا يا رضا.. أنت اللي لقيتني جوهرة في العدم، بس لأنك رخيص، ما عرفتش تقدر قيمتها. كنت فاكر إنك لو أهنتني في الشارع، كرامتي هتروح مع الطين. بس الطين ده غسل وشي من ذكرياتك اللي كانت موقفه حياتي. أنا دلوقتي ماري داميان، وأنت.. أنت رضا سلطان اللي بقاله 24 ساعة بيحاول يسحب قرشين عشان يهرب من العدالة اللي كانت مستنياه.
رضا بص حواليه، شاف نظرات الناس اللي كانت بتبص له بإعجاب زمان، دلوقتي بيبصوا له بازدراء. لقى رفاقه اللي كانوا بيطبلوا له، اختفوا أول ما السفينة بدأت تغرق.
أنا لسه معايا فلوس.. لسه معايا علاقات.. تمتم رضا بصوت مكسور.
ماري طلعت من شنطتها ورقة صغيرة، ورقتها قدامه
ده إخطار بيع أصول الشركة بالمزاد العلني عشان سداد ديون البنك. الشقة اللي كنت ساكن فيها، العربية اللي كنت بتذلني بيها في الشارع، حتى المكتب اللي كنت
بتفخر بيه.. كله بقى ملك البنك. ماعدش معاك سلطة تشتري بيها ولا حتى كلمة مسموعة.
رضا وقع على ركبه. لأول مرة، رضا سلطان اللي كان بيشوف نفسه إله، بقى مجرد راجل مكسور في بنك، قدام الناس اللي كان بيشوفهم نكرة.
ماري نزلت لمستواه، ومسكت رقبته بالراحة، وبصت في عينيه
عارف إيه الفرق بيني وبينك؟ أنا بدأت من الصفر، وبنيت كل حاجة بكرامة، ولما خسرتك، كسبت نفسي. أنت بدأت من الصفر، وبنيت كل حاجة بالخديعة، ولما خسرت كل ده.. ما بقاش عندك أنت.
خرجت ماري من البنك، وركبت عربيتها. داميان كان مستنيها.
خلصتي؟
خلصت يا داميان. مش فاضل غير إنه يعيش باقي حياته بيشوف النجاح اللي كان يملكه، بيتبني بأيدين ناس تانية، ويفتكر إنه كان يقدر يكون إنسان، بس اختار يكون تاجر.
بينما كانت العربية بتبعد، رضا فضل واقف قدام البنك، بيبص للسما، وبيمسح على وشه. الطين اللي كان فاكر إنه بيذل بيه ماري، كان هو الحقيقة اللي رضا اتلطخ بيها، طين الفشل والخيانة اللي مش هيطلع من سمعته أبداً.
ماري غمضت عينيها وهي في العربية، وحست إنها أخيراً بقت حرة. مش من رضا بس، لكن من الخوف من الماضي.
أما رضا، فكان لسه بيمشي في شوارع القاهرة اللي كانت بتشهد على مجده، بس دلوقت بقت بتشهد على سقوطه. مش في طين شارع تحلية مصر، بس في طين الحقيقة المرة.
مرت شهور. ماري بقت رمز للمرأة اللي قدرت ترجع حقها بقوتها وذكائها. داميان بقى سندها، وبدأوا يوسعوا شغلهم، بس المرة دي.. الأساس كان النزاهة. رضا؟ يقال إنه ساب القاهرة، وبقى بيشتغل موظف بسيط في مدينة تانية، بيشوف الأخبار عن ماري ونجاحاتها، وبيعيد في باله شريط حياته كل يوم.. اليوم اللي كان فيه سلطان، واليوم اللي بقى فيه لا أحد.
القصة هنا مش عن انتقام، القصة عن استرداد الذات. ماري ماخدتش حقها من رضا بس، هي خدت نسختها الحقيقية اللي ضاعت سنين في ظل واحد أناني.
والناس في الشارع؟ لسه بيحكوا قصة الست اللي اتغسلت بالطين، بس طلع الطين ده هو اللي نضف حياتها من كل حاجة وحشة.
القصة انتهت هنا، بس الدرس فضل عايش.. إن القوة مش إنك تغرق اللي قدامك، القوة إنك تطلع من الغرق، وتكمل طريقك، وتسيب الدنيا هي اللي تحاسب الظالم.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *