حكايات منى السيد ج٢

خدي يا حلوة، عشان تفتكري أصلك وأيام الفقر.. قالت ريهام وهي بترفع الموبايل بتصور وبتموت من الضحك.
عربية ال SUV السوداء الفارهة لزقت في الرصيف بتاع شارع تحلية مصر في التجمع الخامس، في اللحظة اللي كانت ماشية فيها ماري لوحدها تحت السما الملبدة بالغيوم. كانت الدنيا مطرت من عشر دقايق، والمية بالطين اتجمعت في حفرة جنب الرصيف. رضا سلطان لف الدركسيون بابتسامة خبيثة، وداس بنزين ومر بالعربية بسرعة جنونية فوق الحفرة، لتنطلق موجة من الطين تغرق ماري من راسها لرجليها شعرها، بلوزتها البيضا، جيبتها، وحتى ملف الجلد اللي كانت ضاماه لصدرها.
ريهام، حبيبته، كانت بتصور كل ده من كرسي اللي جنب السواق وهي بتصرخ
يا لهوي! جت فيها بالظبط! أحلى حمام واقعي ده ولا إيه؟
رضا كان بيضحك مش من باب المفاجأة، كان بيضحك ببرود وقسوة اللي فاكر إن الدنيا مش هتقدر عليه. لأن الست اللي غرقانة طين دي مش أي واحدة، دي ماري، مراته السابقة. نفس الست اللي باعت دهب مامتها عشان تساعده يفتح أول مكتب سلطان للتطوير العقاري. نفس الست اللي كانت بتسهر للفجر تراجع عقود، وتهدي دائنين، وتجيب عملاء وهو لسه مش عارف يدفع إيجار مكتب صغير في وسط البلد.
نفس الست اللي خانها، وهانها، وطردها

من حياته أول ما الفلوس بدأت تفيض في إيده.
في الشارع، ناس كتير وقفوا مصدومين. ست كبيرة حطت إيدها على قلبها، شاب واقف على الرصيف طلع موبايله يصور، وحارس أمن محل فاخر لحق لقط نمرة العربية. ماري فضلت واقفة ثواني، بتتنفس بالراحة، والطين نازل من على وشها زي الدموع.
ما صرختش، ولا جريت ورا العربية، ولا شتمت.
بكل هدوء، غمضت عينيها، مسحت الطين من على وشها بصباعها، ووطت جابت ملفها. الورق اللي جواه كان بتاع جمعية خيرية لسه خارجة من اجتماع فيها، الورق كله باظ، بس هي بدأت ترتبه ببرود، كأنها مش عايزة تدي للناس اللي بتتفرج عليها فرصة تشوف انكسارها.
يا بنتي، أنتي كويسة؟ سألتها الست الكبيرة وهي بتقرب منها بمنديل.
ماري ابتسمت نص ابتسامة وقالت
هبقى كويسة يا ست الكل، متشكرة.
قالت كده لأنها عدى عليها أهون من شويه طين.
من 3 سنين، رضا وقف قدامها، وقدام مامته وأخوه والمحامين، وقال بصوت عالي
كنتي مفيدة لما كنت على الحديدة يا ماري، بس أنا كبرت.. ومعدتيش لايقة على مستوايا.
والدة رضا، مدام إلهام، بدل ما تلومه، عدلت كوليه اللؤلؤ بتاعها وقالت ببرود
الست الذكية هي اللي تنسحب من غير ما تحسس اللي قدامها بالشفقة.
يومها ماري فهمت إنها مش بس بتخسر جواز، هي بتخسر عيلة كانت بتمثل إنها بتحبها طول ما هي محتاجة فلوسها وشغلها وسكوتها. رضا أخد الشركة، وأخد الفيلا، والعلاقات، وحتى السمعة اللي اتبنت على عرقها. ساب لماري نفقة تافهة، وشوية هدوم في شنطة، وفضيحة إنها اتغيرت ب ريهام، بلوجر مشهورة كانت بتستعرض شنطها الماركات وعزوماتها في الساحل كأنها انتصارات حرب.
ماري سابت القاهرة كلها من غير ولا كلمة. الكل افتكر إنها اتكسرت. رضا كان بيقعد في العزومات يقول
غلابة.. في ناس اتخلقت عشان تعيش في الظل، مش للنجاح.
اللي رضا ما يعرفوش، إن ماري ما استخبتش عشان هي مهزومة.. هي بعدت عشان تبني نفسها من جديد.
في سيوة، بعيد عن دوشة التجمع ونظرات عيلة سلطان المسمومة، اشتغلت متطوعة في مؤسسة لترميم البيوت والمدارس. هناك قابلت داميان، راجل هادي، بيشتغل بيده مع العمال، وبيسمع أكتر ما بيتكلم. شهور طويلة، ماري فاكراه مهندس متطوع، لحد ما عرفت إنه صاحب مجموعة شركات داميان، واحد من أكبر حيتان العقارات في مصر، اللي مشاريعها في كل حتة.
داميان كان شايل وجع زيه، مراته اتوفيت من سنين وكان بيحمي حياته الخاصة بذكاء. حب ماري من غير ما يعرف تفاصيل ماضيها، ولما عرف.. ما بصش ليها بشفقة، بص ليها باحترام.
اتجوزوا في فرح صغير وسط صحابهم المقربين، من غير صحافة، ولا مجلات. محدش كان يعرف إن ماري دلوقتي هي ماري داميان.
رضا طبعاً، كان عايش في غيبوبة.
عشان كده، لما العربية مشيت وهو بيضحك، افتكر إنه أهان واحدة نكرة. ماخدش باله إن في طالب صور الفيديو، وماخدش باله إن في رجل أعمال مهم كان خارج من مطعم وشاف الموقف وعارف مين ماري، وماخدش باله إن عربية مجموعة داميان كانت واقفة بتبص من بعيد.
يا مدام ماري.. قال السواق وهو وشه أصفر من الخوف لما شافها بالطين، الباشمهندس داميان طلب مني أخد حضرتك فوراً.
في ناس في الشارع اتلفتت لما سمعوا اللقب.
ماري هزت راسها بهدوء وقالت
شكراً يا صبحي.
وهي بتركب العربية، كانت ريهام بتنزل الفيديو على السوشيال ميديا وكاتبة في ناس مش قادرة تستوعب إن اللي فات مات.
في أقل من ساعة، الفيديو كان مسمع في مصر كلها.. والكل ما كانش مصدق إيه اللي هيحصل بعد كده.
الجزء الثاني العاصفة قبل الهدوء
الفيديو انتشر زي النار في الهشيم. تريند رقم واحد في مصر. التعليقات كانت مابين ناس متعاطفة مع الست اللي انذلت في الشارع، وناس تانية من بتوع التريند اللي داخلين يتفرجوا على خناقة ريهام وماري. رضا كان قاعد في مكتبه في الدور ال 40، حاطط رجل على رجل، بيشرب قهوته وبيتابع التعليقات بابتسامة نصر. كان
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *