عز الصعيد

مايا خالد

​لكن في الجانب التاني من البلد، كان فيه “منصور الهواري”، وده كان العدو اللدود لعيلة العداني، وبينهم طار قديم ودم مبردش. منصور لما سمع إن عزالرجال “وقع في شباك صبا” وبقى بيمشي وراها زي الظل، ضحك بخبث وقال لرجاله:
ـ أخيراً يا عزالرجال لقيت لك “نقطة ضعف”.. المهرة اللي فخور بيها دي هي اللي هتدبحك من غير سكي,,ن!
​في يوم كان عزالرجال في الغيط بيتابع الشغل، وصبا كانت لوحدها في الجنينة ورا السرايا بتمسح على مهرتها “فجر”. فجأة، سمعت صوت حركة غريبة ورا الشجر، وقبل ما تنطق، هجموا عليها تلاتة رجالة ملثمين، وحطوا غماة على عينها وكمموا بوقها، وشالوها وطلعوا يجروا على الجبل.
​لما رجع عزالرجال السرايا وملقاش صبا، الدنيا اسودت في عينه. نادى على حماد الغفير وزعق فيه:
ـ فين صبا يا حماد؟ انطق!
​حماد وهو بيرتعش:
ـ والله يا بيه كانت في الجنينة، وفص ملح وذاب.. بس لقينا طرحتها واقعة عند سور الجنينة ووراها آثار خيول غريبة.
​عزالرجال عرف فوراً إنها من عملة منصور الهواري. الدم غلي في عروقه، وطلع مسدسه وركب حصانه “الليل” من غير سرج، وصرخ بصوت زلزل البلد:
ـ يا رماحة.. يا عدانية! اللي بيحب عزالرجال يركب ورايا.. النهاردة يا الطار يخلص، يا نمـ,ـوت كلنا!
​في المغارة فوق الجبل، صبا كانت مربوطة، ومنصور الهواري واقف قدامها بيضحك:
ـ يا خسارة الجمال ده في عزالرجال.. تعرفي يا بت إني هقتـ,ـلك وأبعت له ج,,ثتك عشان أح,,رق قلبه زي ما ح,,رق قلبي على أخويا زمان؟
​صبا رغم الخوف، بصت له بقوة وقالت:
ـ عزالرجال مش هيسيبك.. ولو قتـ,ـلتني، هيمحي عيلة الهواري كلها من على وش الأرض. إنت فاكر إنك بطل إنت ندل لإنك استقويت على ست!
​وفجأة، سمعوا صوت ضـ,ـرب ن,,ار كثيف وصوت “صهيل” حصان مألوف لصبا. عزالرجال وصل، وهجم على المغارة كأنه إعصار، وبدأ يضـ,ـرب ن,,ار يمين وشمال وهو بينادي بصوته كله:
ـ صباااااااا! وحق اللي خلقك لو لمسوا شعرة منك لهد الجبل ده عليهم!
​منصور خاف من جنون عزالرجال، وسحب خنجره وحطه على رقبة صبا وقال:
ـ وقف عندك يا ولد العداني! خطوة كمان وهدبحها قدام عينك!
​عزالرجال وقف، وص,,دره بيعلو ويهبط من النهجان، ورمى السلاح من إيده وقال بكسرة لأول مرة تبان عليه:
ـ سيبها يا منصور.. خدني أنا مكانها، خد تاري وتار أخوك مني أنا، بس هي ملهاش ذنب.. صبا غالية قوي يا منصور، أرجوك!
​صبا لما شافت عزالرجال “السبع” وهو بيترجاه عشان خاطرها، قلبها اتفتح له تماماً، وعرفت إن توبته وحبه حقيقيين. وبلمحة بصر، صبا استغلت لحظة انشغال منصور بالكلام مع عزالرجال، وضـ,ـربته بـ “كوعها” في بطنه بكل قوتها، وفلتت منه.
​في اللحظة دي، عزالرجال هجم على منصور زي الأسد المعتفر، ونزل فيه ضـ,ـرب لحد ما خلاه يقطع النفس، ورجالة عزالرجال سيطروا على المكان.
​عزالرجال جري على صبا، وفك رباطها، وشدها لحض,,نه وهو بيترعش من الخوف عليها، وقال بصوت مخنوق:
ـ كنتي هتمـ,ـوتي مني يا صبا.. كنت همـ,ـوت وراكي يا مهرتي.
​صبا خبت وشها في ص,,دره وقالت لأول مرة بكل حب:
ـ مكنتش هتمـ,ـوت.. المهرة متمـ,ـوتش وف,,ارسها “عزالرجال” لسه عايش ومسندها.
​رجعوا السرايا، وعزالرجال شال صبا ودخل بيها قدام أمه والكل، وبص للحاجة فضيلة وقال:
ـ الليلة دي يا أما، صبا أثبتت إنها مش بس ست البيت، دي شرف عيلة العداني كله.
​ومن الليلة دي، صبا مابقتش “ضيفة”، بقت هي الروح اللي بتدب في السرايا، وعزالرجال اتغير تماماً وبقى فعلاً الفارس اللي صبا حلمت بيه، وعاشوا قصة حب بيحكي عنها الصعيد كله لحد النهاردة.بعد سنة من الليلة دي، السرايا حالها اتبدل تماماً. “عزالرجال” اللي كان اسمه بيترعب منه بنات البلد، بقى مثال للراجل اللي بيصون عرضه وبيحمي الغريب قبل القريب. مابقاش فيه خمرة ولا سهر ولا جوزات “الليلة الواحدة”، وبقت كلمته سيف، بس سيف في الحق.
​في يوم، كانت صبا واقفة في بلكونة السرايا، ملامحها بقت هادية ومطمئنة، وبطنها كان باين عليها ملامح الحمل في الشهور الأخيرة. عزالرجال طلع وراها ولف دراعه حواليها بحنان وقعد يوشوشها:
ـ في إيه يا ست الهوانم؟ واخدة عقلك المهرة “فجر” ولا بتفكري في السباق اللي خسرته؟
​صبا ضحكت بجمال وقالت:
ـ بفكر في إن ربنا كريم قوي يا عزالرجال.. بعتلي الفارس اللي روضته، وبعتلك المهرة اللي خلتك تعرف قيمة نفسك بجد.
​عزالرجال باس راسها وقال:
ـ أنا اللي مدين ليكي بحياتي يا صبا.. عارفة، النهاردة الغفير حماد جالي وقالي إن فيه راجل فقير من طرف “الرماحة” عنده مشكلة، زمان كنت هطرده، بس النهاردة رحتله وحليت مشكلته وبست راسه كمان.. كأني بشوف في كل راجل غلبان “أبوكي”، وفي كل بنت “إنتي”.
​صبا بصتله بحب وقالت:
ـ هو ده عزالرجال اللي قلبي اختاره.. مش بس سيد الناس بماله، ده سيدهم بأصله.
​فجأة، الحاجة فضيلة طلعت وراهم، وبصت لصبا بابتسامة حقيقية مش صفراء زي زمان، وقالت:
ـ يلا يا بتي، الوكل جاهز.. ولازم تتغذي زين عشان “عزالرجال الصغير” اللي جاي يشرف السرايا.. ده البلد كلها مستنية ولي العهد.
​عزالرجال شال صبا بين إيديه بضحكة عالية وقال:
ـ ولي العهد هيطلع فارس لأمه، ومهرة لأبوه!
​نزلوا كلهم على الطبلية الكبيرة، والبيت اللي كان زمان ريحته “خوف وكبرياء”، بقى ريحته “دفا وحب”. صبا قدرت تكسر جنون الصعيدي، مش بالدراع، ولا بالجمال بس، لكن بالكرامة اللي مابتنحنيش، والذكاء اللي بيعرف يروض الوحش ويطلّع منه أغلى ما فيه.
​النهاية.بقلم مايا خالد

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *