عز الصعيد

مايا خالد

​نزلت صبا المطبخ، والخدم كانوا بيبصوا لها بغيره وشم,,اتة، وبدأوا يرموا عليها الشغل التقيل عشان يكسروها. في الوقت ده، عزالرجال كان واقف في البلكونة بيبص عليها من بعيد وهي بتتحرك في حوش السرايا بنشاط، وقلبه اللي كان قاسي بدأ يحس بوجع غريب.. وجع “الإعجاب” اللي بيحاول يداريه ورا غض,,به.
​وفجأة، سمع صوت صريخ طالع من المطبخ، وصوت صبا وهي بتزعق في واحدة من الشغالات:
ـ إنتي فاكرة نفسك بتكلمي مين يا بت؟ أنا اهنه “ستك” وست الدار دي، والي يدخل السرايا لازم يعرف مقامه زين!
​عزالرجال نزل يجري يشوف صبا عملت إيه، ولقى صبا ماسكة إيد الخدامة اللي كانت بتحاول توقع طبق مية سخنة عليها،
وعينيها بتطلع شرار.عزالرجال دخل المطبخ ولقى المنظر يغلي، صبا ماسكة إيد الخدامة “هنية” بقوة، والخدامة وشها أحمر وبتحاول تفلفص وهي بتعيط. هنية دي كانت مقربة من الحاجة فضيلة وعارفة إنها عينها في البيت، فكانت فاكرة إنها تقدر تدوس على صبا.
​عزالرجال زعق بصوت هز الحيطان:
ـ فيه إيه اهنه؟ إيه الخبل ده يا صبا؟ سيب البت!
​صبا مسيبتش إيدها، بالعكس زادت في مسكتها وبصت لعزالرجال وقالت بكل ثبات:
ـ البت دي كانت هتدلق المية السخنة على رجلي وهي بتتميلح وتقول “يا عيني محستش”، وأنا مبيتعملش عليا الدور ده واصل يا ولد العداني. الخدامة اللي متعرفش مقام ستها، يبقى مالهاش مكان في السرايا دي.
​الحاجة فضيلة دخلت ورا عزالرجال وقالت بشهقة:
ـ سيبيها يا بت عبدالله! هنية دي في السرايا من قبل ما إنتي تولدي، وإنتي لسه داخلة بشنطة هدومك امبارح وجاية تعملي علينا هانم؟
​صبا لفت وشها للحاجة فضيلة، وسابت إيد هنية بقرف وقالت:
ـ الأقدمية بالأدب يا حاجة، مش بالسن. اللي يحترمني أحطه في عيني، واللي يفكر بس يإذيني، هقطعلوا الإيد اللي اتمدت.
​عزالرجال كان واقف بين ن,,ارين، كبرياءه كرجل وسيد البيت، وإعجابه السري بشخصية صبا اللي متهزتش قدام أمه. قرب من هنية وقالها بلهجة تخوف:
ـ روحي على أوضتك يا هنية، ومشوفش وشك في المطبخ واصل النهاردة.. وحسابك معايا بعدين.
​الحاجة فضيلة بصت لعزالرجال بصدمة:
ـ بتكسر كلمة أمك عشان خاطر بت لسه مكملتش ليلة في دارك يا عزالرجال؟
​عزالرجال بص لأمه وقال بهدوء:
ـ أنا مكسرتش كلمتك يا أما، بس البيت ده ليه “ست” واحدة من بعدك، وهي صبا.. والي يغلط فيها يبقى بيغلط فيا.
​صبا بصت لعزالرجال نظرة خاطفة، ولأول مرة تحس إن في حاجة جوه قلبها اتحركت ناحيته، بس سرعان ما افتكرت إنه “عزالرجال” بتاع البنات، فقفلت قلبها تاني وقالت:
ـ عن إذنكم.. هكمل أنا عمايل الوكل، عشان الرجالة اللي في الغيط زمانهم جاعوا.
​فضلت صبا في المطبخ، وعملت أكل صعيدي “على أصوله” ريحته قلبت السرايا كلها. لما الأكل اتحط على الطبلية، عزالرجال مكنش مصدق إن دي البت اللي كانت بتسرح الخيل، شطارة في المطبخ، وقوة في الشخصية، وجمال يداوي الجروح.
​وهما قاعدين بياكلوا في صمت، دخل الغفير حماد وهو بينهج وقال:
ـ يا عزالرجال بيه.. عبدالله أبو صبا واقف بره، وعيونه بتطق شرار، ومعاه رجالة من عيلة “الرماحة”.. بيقولوا إنهم جايين ياخدوا بنتهم لإنهم سمعوا إنك هتطلقها النهاردة زي العادة، ومش هيسيبوا حقهم المرة دي!
​صبا وقفت، واللقمة وقفت في زورها، وبصت لعزالرجال بخوف لأول مرة يظهر في عينيها. عزالرجال مسح إيده في المنديل ببرود، وقام وقف، وطلع المسدس من جيبه وحطه في حزامه وقال:
ـ خليهم يدخلوا يا حماد.. خليهم يشوفوا إن صبا بقت “عدانية” ومحدش يقدر يخرجها من السرايا دي إلا وهي على كفنها.
​خرج عزالرجال للساحة، وصبا طلعت وراه، ولقوا أبوها واقف ومعاه سلاح ورجالة. عبدالله زعق:
ـ هات بنتي يا ولد العداني! إحنا فقراء آه بس شرفنا غالي، ومحدش هيرجع بنتي مكسورة الخاطر والناس تتفرج عليها!
​عزالرجال قرب من عبدالله بكل هيبة، ومسك إيد صبا ورفعها قدام الكل وقال:
ـ بنتك مش هترجع يا عبدالله.. بنتك الليلة دي علمتني يعني إيه “فارس” ويعني إيه “مهرة”. صبا مراتي، وفرحنا الكبير هيبدأ دلوقت، والبلد كلها هتعرف إن عزالرجال العداني “تاب” على إيد المهرة دي.
​الناس كلها وقفت مذهولة، وصبا دموعها نزلت غصب عنها.. المرة دي مش دموع قهر، دي دموع بداية قصة جديدة.البلد كلها اتقلبت، الطبول دقت والمزامير اشتغلت، وعزالرجال أمر بدبح الذبائح وتوزيع الوكل على الفقير قبل الغني. الكل كان بيتوشوش: “إيه اللي عملته بت عبدالله عشان تخلي سبع السرايا يركع كدة؟”.
​صبا كانت واقفة وسط الزيطة دي كلها وهي لسه مش مصدقة، حاسة إنها في حلم، بس كبرياءها كان لسه صاحي. دخلت أوضتها، ولحقت بها أمها اللي كانت بتزغرط ووشها منور بالفرحة:
ـ شفتي يا بتي؟ مش جولتلك هتبجي ست الهوانم؟ عزالرجال بجى خاتم في صباعك!
​صبا بصت لأمها بحزن وقالت:
ـ أنا مش عايزة خاتم يا أما، أنا عايزة “راجل” بجد.. عزالرجال عمل كدة عشان كبريائه اتهز قدام الناس، لسه مبردتش ن,,اري منه واصل.
​لما الليل ليل، والناس مشيت، دخل عزالرجال الأوضة وهو حاسس بانتصار غير أي انتصار دخله في حياته قبل كدة. قفل الباب وراه، وبص لصبا اللي كانت قاعدة وشها للناحية التانية وقال بصوت هادي وراسي:
ـ ريحتي بالك يا صبا؟ أبوكي مشي وهو رافع راسه، والبلد كلها عرفت إنك “ست السرايا”.. مفيش كلمة شكر لولد العداني؟
​صبا قامت وقفت، ولفت وشها ليه وكانت ماسكة في إيدها “خنجر” صغير كانت مخبياه وسط هدومها. عزالرجال اتصدم وبرق عينه، بس مهتزش.
​قربت منه وحطت الخنجر على المنضدة اللي بينهم وقالت:
ـ الشكر ده للي بيعمل معروف يا ولد العداني، مش للي بيصلح غلطته.. إنت عملت كدة عشان شكلك قدام الرجالة، مش عشان سواد عيوني.
​عزالرجال قرب خطوة، وعينه في عينها وقال بتحدي:
ـ والعمل يا صبا؟ إيه اللي يرضيكي ويخليني في نظرك فارس بجد؟
​صبا ابتسمت بذكاء وقالت:
ـ المهرة اللي شفتها في الساحة، مابتركبش حد لمجرد إنه ملكها.. إنت دلوقت جوزي قدام الناس، لكن عشان تكون جوزي بجد، قدامك “رهان”.
​عزالرجال رفع حاجبه باهتمام:
ـ رهان إيه؟ جول وخلصيني.
​صبا قالت:
ـ من بكرة، هتنزل معايا الساحة.. هنسابق بعض بالخيل.. لو سبقتني، هكون لك زوجة مطيعة وتنفذ كل أوامرك.. ولو أنا اللي سبقتك، تفضل في البيت ده “ضيف” لحد ما قلبي يميل لك بمزاجه، وم تلمس شعرة مني واصل إلا برضايا.
​عزالرجال ضحك بقوة وهو واثق في نفسه:
ـ إنتي بتراهني فارس الصعيد على خيل؟ ده أنا مولود فوق ضهر الحصان يا بت عبدالله! موافق.. وبكرة الصبح، الشمس هتطلع على هزيمتك يا صبا.
​صبا ردت بكل ثبات:
ـ بكرة نشوف يا ولد العداني.. والي يسبق، يربق.
​تاني يوم الصبح، الساحة كانت مليانة خدم وغفر، والكل واقف يتفرج على المنظر الغريب.. عزالرجال وصبا، كل واحد راكب حصانه ومستعدين للسباق. عزالرجال كان راكب حصانه الأسود “الليل”، وصبا كانت راكبة مهرتها البيضا “فجر”.
​أول ما الغفير صفر، انطلقوا زي البرق. عزالرجال كان بيسوق حصانه بكل قوة، وصبا كانت طايرة كأنها جزء من المهرة. وفي نص الطريق، عزالرجال بص جنب منه ولقى صبا بتبتسم له بجرأة، وفجأة، عملت حركة مكنش يتوقعها.. مالت بجسمها وصرخت صرخة “الخيالة” الأصلية، والمهرة فجر سبقت الريح!
​عزالرجال حاول يلحقها، بس صبا كانت حافظة الأرض وحفرها، لفت لفة ضيقة وسبقت الخط بمسافة كبيرة. وقفت في نهاية الساحة وهي بتنهج بجمال يخطف العقل، وبصت لعزالرجال اللي وصل وراها وهو مبهور ومذهول في نفس الوقت.
​نزلت من فوق المهرة وقربت منه وهو لسه فوق حصانه وقالت:
ـ مبروك يا ولد العداني.. الهزيمة طعمها مر، مش كدة؟ دلوقت تنفذ الوعد.. “ضيف” في داري لحد ما أقول أنا غير كدة.
​عزالرجال نزل من على الحصان، وبدل ما يغض,,ب، قرب منها وباس إيدها قدام كل الغفر وقال بصوت واطي:
ـ وحق اللي خلقني يا صبا.. هزيمتي قدامك هي أحلى “نصر” دوُقته في حياتي.. من اللحظة دي، أنا مش بس ضيف، أنا “أسير” المهرة اللي روضتني بجد.مرت الأيام في السرايا، وعزالرجال فعلًا وفّى بوعده؛ بقى يتعامل مع صبا بمنتهى الأدب والتقدير، وكأنه غريب بيحاول يكسب رضاها، وده جنن الحاجة فضيلة اللي كانت شايفة إن هيبة ولدها بتضيع قدام “بت عبدالله”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *