تمرد ناعم بقلم مايا خالد

تمرد ناعم بقلم مايا خالد
حفل الشواء في جنينة عمتها سميرة كان عامل زي محكمة تفتيش، سميرة ما سيبتش فرصة غير وهزت فيها ثقة ليان بضعف شخصيتها.
ليان كانت قاعدة على جنب، ساكتة، عينها رايحة جاية على آدم من بعيد… آدم ابن عمها، في التلاتينات، اللي ماسك شركات العيلة، الراجل اللي أول ما يتكلم الكل يسكت، واللي عمره ما كان حنين معاها، بالعكس… دايمًا بارد وقاسي، خصوصًا معاها هي.
سميرة وقفت وسط الناس، ماسكة في إيدها عقد لؤلؤ نادر، وقالت بسخرية قدام الكل:
ليان، لسه زي ما إنتِ… رقيقة زيادة عن اللزوم، بتخافي من ضلك. فاكرة عُقد جدتك؟ اللي عنده الجرأة ينزل المسبح دلوقتي وهو لابس سواريه وياخده، يبقى ملكه للأبد. بس طبعًا إنتِ مش هتعمليها… إنتِ بتخافي حتى تبصي لآدم بصّة مش عاجباه.
ليان بصّت على آدم… لقيته باصص لها ببرود، لا دفاع ولا اعتراض، كأنه مستني لحظة كسرها. النظرة دي كانت آخر حاجة تتحملها.
من غير ولا كلمة، وباندفاع مجنون، قلعت نفسها من مكانها وقفزت في المسبح بفستان السهرة، طلعت العقد، وقربت من سميرة ورمته في وشها وسط صدمة الكل.
عاصم أبوها اتجنن، شد الموبايل من إيدها وهو بيزعق:
اطلعي أوضتك حالًا!
بس ليان ما سمعتش… النار اللي جواها كانت أكبر. تسللت على جناح آدم… المكان الوحيد اللي أبوها نفسه ما يجرؤش يدخله.
دخلت، لقت موبايله على الترابيزة الرخام، مسكته، شغلّت أغنية Chanel، وبدأت ترقص في نص المكتب، بتطلع غضبها ووجعها وتمردها.
الباب اتفتح فجأة.
آدم دخل، قفله بهدوء يخوّف، وفضل واقف ساكت، بيراقبها لحد ما الأغنية خلصت.
وبصوته الهادي التقيل قال:
خلصتي محاولة إنك متمردة؟ ولا لسه ناوية تحرقي اللي فاضل من كرامتك في مكتبي وعلى موبايلـي؟
ولا حد يلمس حاجة تخصني.
شدها من دراعها بعنف، وطلع بيها على عربيته المرسيدس السودة وسط ذهول الناس.
ليان كانت مستنية عقاب أسوأ…
بس العربية وقفت قدام محل شانيل الرئيسي.
قال ببرود:
انزلي.
أبوكِ عاقبك وسحب موبايلك عشان نطّيتي في المسبح زي العيال.
أنا هعاقبك بطريقتي…
هلبّسك اللي يليق بواحدة من عيلة آدم، عشان عمتك تفهم إن اللؤلؤ ما يترميش في وش حد… اللؤلؤ يتلبس، ويخلّي الكل يخضع.
جوا المحل، اختار لها فستان أسود ساتان وتويد.
قرب منها ورا الستارة وهمس:
تحديكِ لعمتك كان رخيص…
بس ردك النهارده هيكلفهم كتير.
ما تخافيش مني… خافي إنك تبقي عادية.
رجعت الحفلة كأنها اتولدت من جديد.
دخلت ورا آدم، اللي سكت أبوها بكلمة واحدة:
أي كلمة تتقال لليان، كأنها اتقالت لي شخصيًا.
سميرة… العقد ده هشتريه منك بعشر أضعاف تمنه، ويبقى ملكها.
تاني يوم الصبح، ليان راحت مكتبه ترجّع له الموبايل، وقالت بصدق:
عملت كل ده ليه؟ وانت دايمًا قاسي عليّا؟
قرب منها لحد ما حاصرها بضله وقال:
كنت بقسى عليكِ عشان أبني جواكِ حجر.
كنت عايزك تكرهيني فتقوي…
مش تحبيني فتضعفي.
طلع موبايلها، حطه في إيدها، وهمس:
الخوف اللي كنتِ حاساه ناحيتي…
عايزه يتحول لحاجة تانية.
رقصك في مكتبي كان رسالة،
ورسالة آدم ليكي هي:
إنتي لي… بتمردك وجنونك.
ولا حد يلمس شعرة منك طول ما أنا بتنفس.
خرجت ليان وقلبها بيدق بعنف، والخوف بدأ يتحول لمشاعر ملخبطة.
ليلًا، دخلت المطبخ تشرب، وفي الضلمة حسّت بوجود وراها.
ريحة خشب الصندل والتبغ سبقته دايمًا.
آدم مد إيده من فوق كتفها ياخد كباية، دراعه لمس ودنها، وهمس قريب قوي:
السهر ما يليقش باللي وراهم شغل تقيل بكرة.
لفّت ببطء، لقت نفسها محاصرة بين الرخام وصدره.
قبل ما تتكلم، عدّى صباعه على فكها لحد دقنها ورفع وشها:
لسه بتخافي مني يا ليان؟
ولا الرعشة دي لسبب تاني؟
سابها ومشي…
وهي فضلت واقفة بتنهج، فاهمة إن قسوته كانت بس غطا لجاذبية بتسرق النفس.
تاني يوم، شافته صدفة في الممر الطويل.
وقف، بصّ لفستانها نظرة دخلت جوه روحها.
قرب، وعدّى إبهامه على شفايفها السفلية كأنه بيشيل أثر مش شايفه غيره… من غير ولا كلمة.
ساب وراه رعشة ما راحتش طول اليوم.
ساعتها فهمت…
آدم ما بقاش ابن العم المخيف.
بقى الراجل اللي قلبها بيدق بسببه،
واللي بيخلّيها عايزة تتمرد…
بس عشان تاخد منه نظرة واحدة.
مرت الأيام وليان تشعر وكأنها تمشي على حبل مشدود. آدم لم يعد يتجاهلها، لكن نظراته أصبحت أكثر حدة، كأنها “وعد” غير معلن بشيء قادم.
​في مساء اليوم التالي، أقام آدم عشاءً لرجال أعمال دوليين في القصر. كانت ليان ترتدي الفستان الذي اختاره لها، تشعر بكلماته تتردد في أذنها: “اللؤلؤ يتلبس، ويخلي الكل يخضع”.
​أثناء العشاء، حاول أحد الضيوف التقرب من ليان بكلمات مبالغ فيها، ليان ارتبكت للحظة، لكنها تذكرت نظرة آدم في المطبخ. قبل أن تنطق، شعرت بيد ثقيلة دافئة تستقر على خصرها.
​كان آدم. لم ينظر للرجل، بل نظر لليان مباشرة وقال بنبرة تملك واضحة:
​”ليان لا تحب المديح المستهلك.. هي تعرف قيمتها جيداً، أليس كذلك؟”
​انسحب الرجل محرجاً، وسحبها آدم بعيداً عن صخب المعازيم إلى الشرفة المطلة على الحديقة. كان الهواء بارداً، لكن قرب جسده منها كان يشعل النار.
​ليان (بهمس): “ليه دايمًا بتظهر في اللحظة اللي ببدأ فيها أثق في نفسي؟ كأنك عايز تثبت لي إني لسه محتاجة لك.”
​آدم لم يبتعد، بل حاصرها مرة أخرى بين ذراعيه والسور الرخامي، تماماً كما فعل في المطبخ، لكن هذه المرة كان ضوء القمر يسقط على وجهه، مما جعل ملامحه تبدو أقل قسوة وأكثر عمقاً.
​آدم: “أنا مش بثبت إنك محتاجة لي.. أنا بثبت لهم إنك ملكية خاصة. فيه فرق كبير يا ليان. الثقة اللي زرعتها فيكِ بالخوف، لازم تسقيها بالتمرد.. تمردي حتى عليّ أنا، لو ده هيخليكِ واقفة بطولك.”
​قرب وجهه من وجهها حتى اختلطت أنفاسهما، وتابع بصوت أجش:
​”سألتيني ليه كنت قاسي؟ لأن العالم اللي برا مش حنين زي المسبح اللي نطيتي فيه. العالم ده بياكل الرقيقين.. وأنا مش مستعد أخسرك عشان إنتِ ‘رقيقة’.”
​في تلك اللحظة، رفعت ليان يدها بتردد وضعتها على صدره، شعرت بدقات قلبه السريعة التي تناقض بروده الظاهري.
ليان: “والرعشة اللي سألتني عنها يا آدم؟ لسه عايز تعرف سببها؟”
​ابتسم آدم ابتسامة جانبية نادرة، لم تصل لعينيه ولكنها غيرت ملامحه تماماً، وانحنى ليهمس في أذنها:
​السبب هتعرفيه لما تبطلي تخافي من عينيا وتدوري في قلبي.. لو عندك الجرأة.
​قرر آدم تعيين ليان كمساعدة تنفيذية له في المكتب الرئيسي، ليس ليراقبها فحسب، بل ليجعلها “الذراع اليمين” التي لا يجرؤ أحد على كسرها. دخلت ليان المكتب بفستان “بليزر” أبيض حاد وشعر مربوط بدقة، كانت تبدو كقطعة رخام مصقولة.
​في اجتماع مجلس الإدارة، كانت ليان تجلس بجانب آدم، تدون الملاحظات بتركيز. دخل ياسين، شريك آدم الجديد، وهو شاب وسيم، طموح، ومعروف بجاذبيته التي لا تُقاوم.
​طوال الاجتماع، لم تبتعد عين ياسين عن ليان. كان يتحدث عن الأرقام، لكن نظراته كانت تخترق هدوئها. آدم لاحظ ذلك منذ اللحظة الأولى. قبضته على قلمه الرصاص كانت تزداد قوة، وعيناه أصبحت كجمرتين مستعدتين للاشتعال.
​ياسين (بابتسامة لعوبة): “بصراحة يا آدم، اختيارك للمساعدين دايمًا مبهر.. الآنسة ليان عندها ذكاء في تحليل البيانات ما شفتوش قبل كده. ممكن تسمح لي أستعين بيها في مشروع ‘الساحل’ الجديد؟”
​ساد الصمت في الغرفة. ليان شعرت بالتوتر، لكنها انتظرت رد آدم.
​آدم لم ينظر لياسين، بل نظر لليان ببرود مرعب، ثم وضع يده على ظهر كرسيها وقرب رأسه منها أمام الجميع قائلاً بصوت تقيل:
​”ليان مش ‘للاستعارة’ يا ياسين. ليان هي اللي بتدير مشاريعي أنا.. ومشاريعي ماليش شركاء فيها.”
​بعد انتهاء الاجتماع وانصراف الجميع، بقيت ليان لتجمع أوراقها. اقترب ياسين منها بحجة السؤال عن ملف، ومد يده ليلمس كتفها بخفة وهو يقول: “شكراً على مجهودك يا ليان، بجد أتمنى نتقابل برا الشغل.”
​قبل أن ترد، انفتح باب مكتب آدم الداخلي بعنف. خرج آدم، وبلمحة بصر كان قد وقف بينهما، ممسكاً يد ياسين التي كادت تلمس ليان، وضغط عليها بقوة جعلت ملامح ياسين تتغير من الألم.
​آدم (بهدوء مخيف): “الملف يوصلك مع السكرتارية يا ياسين. وليان وراها شغل أهم من ‘المقابلات’ اللي برا الشغل.”
​بعد انصراف ياسين بسرعة، التفت آدم لليان. كان يتنفس بسرعة، وعروق رقبته بارزة.
ليان (بتحايل): “كنت ممكن أرد عليه بنفسي يا آدم.. مش قولت إنك بتبني جوايا حجر؟”
​آدم اقترب منها حتى حاصرها خلف مكتبه الكبير، وضع يديه على المكتب ومنعها من الحركة، وهمس بصوت مشحون بالغيرة والغضب:
​”الحجر ده ليكي إنتي عشان تواجدي بيه العالم.. لكن لما يوصل الأمر لواحد بيبص لك كأنك فريسة، الحجر ده بيتحول لنار بتحرق أي إيد تلمسك.”
​مرر نظره على وجهها المحمر، وتابع بحدة:
​”فستانك النهاردة كان قصير زيادة عن اللزوم.. بكرة تلبسي لبس ما يخليش حد يفكر يرفع عينه فيكِ.. فاهمة؟”
​ليان (بابتسامة انتصار صغيرة): “دي غيرة يا آدم؟”
​ثبت نظره في عينيها لثوانٍ بدت كأنها دهر، ثم انحنى وهمس بجانب شفتيها:
​”دي مش غيرة.. ده تحذير. لأن اللي يخص آدم، حتى النسمة بتستأذن قبل ما تعدي من جنبه.”
​تركها وخرج من المكتب، تاركاً إياها غارقة في مزيج من الخوف واللذة، مدركة أن “الحجر” الذي بناه داخلها بدأ يتكسر أمام فيضان مشاعرها تجاهه.
الاجتماعات كانت مكثفة، وآدم في بيئة العمل يتحول إلى آلة صماء لا تعرف الرحمة. لكن في المساء، اندلعت عاصفة ترابية ورعدية مفاجئة أدت لإغلاق الطرق ومنع الطيران، مما اضطرهما للبقاء في الفندق لليلة إضافية.
​المشكلة الوحيدة؟ الفندق كان مزدحماً بسبب مؤتمر عالمي، ولم يتبقَ سوى جناح ملكي واحد محجوز باسم شركة آدم.
​ليان (بتوتر وهي تقف وسط الجناح): “آدم، أنا ممكن أنام على الكنبة في الصالة، مفيش مشكلة.”
​آدم كان قد خلع سترته وفك أزرار قميصه العلوية، وبدأ يفك ربطة عنقه ببطء وهو ينظر إليها من خلال مرآة المدخل.
آدم (ببرود): “نامي على السرير يا ليان. أنا مش الراجل اللي يخلي ست تنام على الكنبة وهو مرتاح.”
​دخلت ليان لتغير ملابسها، وخرجت وهي ترتدي قميصاً قطنياً بسيطاً وسروالاً قصيراً، محاولةً أن تبدو طبيعية. وجدت آدم واقفاً في الشرفة رغم المطر، والسيجارة في يده، وعضلات ظهره مشدودة تحت القميص الخفيف.
​فجأة، دوت صرخة رعد قوية جداً، اهتزت معها نوافذ الجناح. ليان، التي لا تزال تحمل بقايا خوفها القديم، انتفضت وشهقت بصوت مسموع.
​في أقل من ثانية، كان آدم بجانبها. لم يسخر منها، ولم يقل إنها ضعيفة. سحبها من يدها وجعلها تجلس على طرف السرير، ثم جلس أمامها على مقعد منخفض، محاصراً ركبتيها بين ركبتيه.
​آدم (بصوت هادئ ومنخفض): “لسه بتخافي من الرعد؟”
ليان (وهي تحاول التقاط أنفاسها): “مش خوف.. هي بس مفاجأة.”
​آدم مد يده، وبحركة بطيئة للغاية، أزاح خصلة شعر مبللة عن وجهها، ثم استقرت يده على عنقها، يشعر بنبضها المتسارع تحت إبهامه.
آدم: “قلبك بيقول حاجة تانية. نبضك ده.. مش بسبب الرعد يا ليان.”
​اقترب أكثر، حتى أصبحت جبهته تلامس جبهتها. في تلك اللحظة، اختفت قسوة “المدير” وظهر “الرجل”.
آدم: “عارفة إيه أصعب حاجة في الرحلة دي؟ إني مضطر أشوفك كل ساعة قدامي، وأمثل إني مهتم بالعقود والورق، وأنا كل اللي بيفكر فيه عقلي هو إزاي ‘ياسين’ كان باصص لك.. وإزاي الفستان ده كان واكل من حتة من روحي.”
​ليان، بجرأة لم تعهدها، وضعت يديها على يديه اللتين تحاصران وجهها.
ليان: “إنت ليه بتعذب نفسك وتعذبني معاك؟ لو عايزني أبعد، هبعد.”
​آدم ضغط على فكها بخفة ورفع وجهها إليه، وعيناه تلمعان ببريق غريب.
آدم: “تبعدي؟ إنتي صدقتي إني ممكن أسيبك تبعدي؟ أنا صنعتك على إيدي عشان تكوني ليا.. الخوف، القسوة، الغيرة.. كل ده كان طريقتي عشان أربطك بيا برباط ما يتفكش.”
​سحبها فجأة لتصبح في حضنه، ودفن وجهه في عنقها مستنشقاً عطرها بعمق، وهمس:
​”الليلة دي، مفيش شغل، ومفيش آدم ابن عمك القاسي.. فيه بس راجل مش قادر يتنفس وإنتي بعيدة عنه خطوة واحدة.”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *