تمرد ناعم بقلم مايا خالد

ليان قررت إن “درس آدم” لازم يكمل للآخر، مش بس عشان تنتقم، لكن عشان تضمن إن “الإمبراطور” لما يرجع لها، يرجع وهو فاهم إنها هي اللي بتملك مفاتيح السجن اللي هو بنى نفسه جواه.
​سحبت ليان إيدها من بين إيديه بمنتهى الهدوء، وبصت له وهو لسه على ركبتيه.. نظرة كانت مزيج من الشفقة والتعالي. وقفت وسابت مسافة بينهم وقالت بصوت خالي من أي نبرة انفعال:
​”قوم يا آدم.. المنظر ده ما يليقش بيك، ولا بيا. أنا مش عايزة أشوفك ضعيف، أنا عايزة أشوفك وأنت بتتعلم إن فيه حاجات في الدنيا “مبتتصلحش” بمجرد اعتراف متأخر. اطلب السواق يروحك، شكلك محتاج ترتاح.”
​سابت آدم في صدمته، وركبت عربيتها واتحركت، وهي بتراقبه في المراية وهو بيختفي تدريجياً، وقلبها بيعتصر، لكن عقلها كان بيقول لها: “لسه.. لسه ما شبعش من وجعه
تاني يوم، ليان بدأت تنفذ نقلة نوعية. في اجتماع مجلس الإدارة، وبحضور آدم اللي كان قاعد زي الشبح، وعيونه ما نزلتش من عليها، فجرت ليان المفاجأة:
​”بما إن مشروع الساحل محتاج تفرغ كامل، وبما إني أثبت كفاءتي.. أنا بطلب من مجلس الإدارة استقلال مالي وإداري كامل للمشروع ده عن “مجموعة المنشاوي”. ياسين هيوفر السيولة اللازمة، وأنا هوفر الإدارة. كده هنقلل المخاطر على شركات آدم.”
​آدم كان هيتجنن.. دي مش بس بتبعد عنه عاطفياً، دي بتبني إمبراطورية “منافسة” لإمبراطوريته، وبمساعدة أكتر واحد بيكرهه في العالم.بعد شهر من الشغل المتواصل، وتجاهل كامل لاتصالات آدم ورسايله اللي بدأت تتحول من أوامر لتوسلات.. جه ميعاد حفلة افتتاح المشروع الجديد.
​ليان كانت “نجمة” الحفلة. كانت لابسة فستان أبيض، عكس الأسود اللي آدم اختارهولها زمان، كأنها بتعلن استقلالها عنه وعن ذوقه. ياسين كان واقف جنبها، بيضحك ويهمس لها، وآدم واقف بعيد، ماسك كاسه، عروق جبهته باينة، والغيرة بتنهش في قلبه لدرجة إنه مش قادر يتنفس.
​قرب آدم منها وسط الناس، وبصوت واطي ومبحوح قال:
“ليان.. كفاية. اللعبة دي وسعت قوي. إنتي بتدمريني قدام الناس.. إنتي عارفة إن ياسين مش ده الشخص اللي يناسبك، إنتي بتعملي كدة عشان تحرقي دمي أنا!”
​ليان لفت وبصت له ببرود، وعدلت له “الكرافتة” بتاعته بمنتهى الرقة المزيفة وقالت:
“بالعكس يا آدم.. ياسين بيسمعني، مش بيأمرني. ياسين خلاني أحس إني “ست”، مش “عسكري” في جيشك. وبعدين.. مش إنت اللي قولت لي إن “اللؤلؤ يتلبس عشان يخلي الكل يخضع”؟ أديني خضعتك يا آدم.. وأنا لسه ما لبستش العقد اللي اشتريتهولي.”بعد الحفلة، آدم استنى ليان قدام بيتها. أول ما نزلت من عربية ياسين، شدها من إيدها ودخلها الجنينة بعيد عن العيون. حاصرها بين شجرة والظلمة، وصوته كان مرعب من كتر الوجع:
​”خلاص؟ خلصتي؟ شفتيني وأنا بموت بالبطيء بقالك شهر؟ شفتي نظرة الشماتة في عين ياسين؟ قوليلي إيه الثمن اللي يخليكي ترجعي ليان بتاعتي؟ قوليلي وأنا هبيعهولك النهاردة.. حتى لو الثمن ده هو حياتي.”
​ليان قربت منه، لدرجة إن أنفاسهم اختلطت، وبصت في عينيه وقالت:
“عايز تعرف الثمن يا آدم؟”
آدم بلهفة: “أي حاجة.. أنطقِ.”
​ليان (بهمس جارح): “الثمن هو إنك تعيش اللي أنا عيشته. تعيش وأنت مش عارف إنت “غلطة” ولا “لحظة ضعف”. تعيش وأنت بتراقب اللي بتحبه وهو بيضحك لغيرك.. وتنام كل يوم وأنت بتسأل نفسك: “هو أنا فعلاً ما استاهلش أتحب؟”. لما تحس بالوجع ده كفاية.. يمكن ساعتها أفكر أسامحك.”
​سابته واقفه في الضلمة، ودخلت بيتها وقفلت الباب. آدم فضل واقف مكانه، وفهم إن “الحجر” اللي بناه في ليان، بقى “مقبرة” لمشاعره هو.الوضع انفجر تماماً؛ آدم المنشاوي اللي كان بيمشي بكلمة منه دول، بقى دلوقتي بيطارد “طيف” ليان. الوجع اللي ليان زرعته فيه ببرودها، حوّله لراجل “خطر”؛ مش خطر على الناس، خطر على نفسه.
آدم ما قدرش يستحمل أكتر من كدة. الغيرة عمت عينه لما عرف إن ليان مسافرة مع ياسين “الساحل” عشان يعاينوا موقع المشروع الجديد لوحدهم.
​في نص الطريق، ليان وياسين لقوا عربية مرسيدس سوداء بتقفل عليهم الطريق فجأة وبتجبرهم يقفوا. نزل آدم من العربية، ومنظر عينه كان مرعب؛ شعره مش مرتب، قميصه مفتوح، وعيونه حمراء من قلة النوم والغل.
​فتح باب عربية ياسين وشدّه من هدومه بره العربية بمنتهى العنف.
آدم بصراخ هز المكان:
“أنا قولت لك قبل كدة.. ليان مش للاستعارة! كنت فاكرني بهزر؟”
​ياسين حاول يرد بكرامة: “ليان شريكتي، وهي اللي طلبت…”
ما كملش كلمته، آدم أداله بوكس وقعه الأرض، وفضل يضرب فيه بجنون لدرجة إن ليان نزلت من العربية وهي بتصرخ:
“آدم! سيبه! هتموته يا مجنون!”
​آدم ساب ياسين مرمي على الأرض، ولف لليان، مسكها من دراعاتها بضوافر غرزت في جلدها، وقال بفحيح مرعب:
“خليه يموت.. وأموت معاه.. وأموتك إنتي كمان، ولا إنك تروحي معاه مكان لوحدكم! قولت لك النسمة بتستأذن قبل ما تعدي من جنبك.. أنا اللي عملتك، وأنا اللي أهدك!
آدم خد ليان غصب عنها في عربيته، وساق بسرعة جنونية لحد ما وصل لفيلا مهجورة تخصه في الساحل. دخلها وزقها جوه وقفل الباب بالمفتاح.
​ليان كانت بتترعش من الغضب والخوف: “إنت اتجننت يا آدم؟ إنت فاكر إنك كدة هتخليني أحبك؟ إنت بتثبت لي إنك لسه قاسي وبربري!”
​آدم فجأة هدي.. هدوء مخيف. قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه، وبدأ يضحك ضحك مكتوم قلب لـ “شهقات” مكتومة. آدم المنشاوي كان بيعيط.
​آدم بصوت مكسور:
“أيوة اتجننت.. الجنان هو الحاجه الوحيدة اللي خلتني أحس إنك لسه موجودة. بقالي شهر بموت يا ليان. بشوفك في كل ركن، بشم ريحتك في المكتب، وبسمع ضحكتك مع ياسين في كوابيسي. أنا مش عايز أكون قاسي.. أنا مش عارف أكون إيه غير كدة! أنا اللي عشت عمري كله “سلا\ح” في إيد العيلة، ما حدش علمني إزاي أحب.. علّموني بس إزاي أملك.”
​قرب منها وزحف على الأرض لحد ما مسك طرف فستانها، وهمس:
“ليان.. الحجر اللي بنيتيه جواكِ، بدأ يهد القصر كله فوق راسي. أنا مستعد أعتذر ليكي قدام عمتك، وقدام أبوكِ، وقدام العالم.. بس بلاش تبصي لي كأنك مش عارفاني. أنا آدم.. “آدمك” اللي كنتِ بتستخبي في ضله
ليان وقفت مكانها، دموعها نزلت غصب عنها. شافت جبروت آدم وهو بيسيح قدامها زي الشمع. القسوة اللي كانت بتستعملها ضده بقالها شهر، فجأة اختفت، وحست إنها “وجعته” كفاية.
​نزلت لمستواه، رفعت وجهه بإيدها، وبصت في عينيه اللي مليانة انكسار.
ليان بهمس:
“عارف يا آدم.. أنا ما كنتش عايزة أهدك. أنا كنت عايزة “أبنيك” من جديد. كنت عايزاك تفهم إن القوة مش في إنك تكسر اللي قدامك، القوة في إنك تسمح لقلبك إنه يحس.”
​آدم مسك إيدها وباسها بلهفة: “علميني يا ليان.. اتمردي عليّا، اضربيني، بس بلاش تبعدي. أنا النهاردة مش إمبراطور المنشاوي.. أنا مجرد راجل غرقان، وإنتي النفس الوحيد اللي فاضل له.”
​ليان قربت منه أكتر، وحطت راسها على كتفه، وقالت جملة واحدة غيرت كل حاجة:
“لو لبست عقد اللؤلؤ اللي اشتريتهولي يا آدم.. هقدر ألبسه وأنا فخورة؟ ولا هلبسه وأنا لسه خايفة من نظرتك؟”
​آدم ضمها لصدوره بقوة، لدرجة إنه كان هيخفيها جوه ضلوعه، وهمس في ودنها:
هتلبسيه وأنتي “الملكة”.. والكل هيخضع ليكي، وأولهم أنا. أنا اللي هكون حارس اللؤلؤ ده، مش سجانه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *