حكايات روماني مكرم ٣

مرّت الأيام متتابعة، وهدأت العاصفة التي أثارها مدحت وخـ,ـيانته. استعادت الشركة استقرارها بفضل حكمة حسام ودعم الخال متولي، وازدادت ثقة الموردين أضعافاً مضاعفة بعدما رأوا حزم الشركة في حماية اسمها وأمانة بضائعها. أصبحت سمر تعيش في كنف أخيها، تحيطها سلمى برعايتها واهتمامها، وتوفر لها ولأطفالها حياة كريمة بعيدة عن ذل الحاجة أو استغلال الآخرين. غير أن الحياة، كعادتها، لا تترك الإنسان مستقرًا على حال واحد؛ فالنعمة الكبيرة التي وصل إليها حسام وسلمى بدأت تلفت أنظار عيونٍ لم تكن ترحم، ونفوسٍ أكلها الغل والحسد من نجاح هذه العائلة التي خرجت من قلب الحارة البسيطة لتتربع على عرش التجارة.
كان هناك رجل أعمال كبير يُدعى “النعماني”، صاحب إمبراطورية كبرى في مجال الاستيراد والتوزيع، كان يعتبر نفسه الحاكم بأمره في السوق. عندما بدأ حسام يسحب البساط من تحت قدميه بأمانته وأسعاره العادلة، شعر النعماني بالخطر. حاك النعماني الخيوط في الخفاء؛ لم يلجأ إلى الشرف في المنافسة، بل بدأ يتقرب من بعض المنافسين الصغار وأصحاب النفوذ لتدبير مكيدة تُسقط حسام كلياً وتدمر سمعته التي بناها بشق الأنفس. في تلك الأثناء، كانت سلمى قد بدأت تلاحظ تغيرات غريبة؛ اتصالات هاتفية مجهولة تأتي لحسام في أوقات متأخرة، ورجال غريبون يترددون على محيط الفيلا والمخازن الرئيسية.
لم تكن سلمى مجرد زوجة تحتمى برغد العيش، بل كانت البصيرة والدرع الواقي لحسام، تشعر بحسها العالي بالخطر قبل وقوعه. قالت سلمى لحسام وهي تجلس معه في شرفة الفيلا في ليلة شديدة الهدوء: “يا حسام، السوق مش كله ناس طيبين زي الخال متولي. أنت كبرت بسرعة، والشجرة المثمرة هي اللي بتتحدف بالحجارة. النعماني عينيه عليك، والهدوء اللي في السوق ده وراه عاصفة. لازم نكون صاحيين لكل كبيرة وصغيرة، ومش أي بضاعة تتسجل أو تدخل المخازن إلا لما تمر تحت عينك وعين المراجعين الموثوقين.” بالفعل، لم تكد تمر أيام قليلة حتى بدأت الخطة الخبيثة تظهر للعلن.
شحنة ضخمة من الأجهزة الكهربائية والبضائع المستوردة كانت في طريقها للمخازن الرئيسية لحسام، قادمة من ميناء الإسكندرية. تم التلاعب بالأوراق والمستندات الجمركية الخاصة بالشحنة بفعل أحد المخلصين الجمركيين المأجورين لحساب النعماني، بحيث تظهر البضاعة في الأوراق الرسمية على أنها بضائع مهربة ومخالفة للمواصفات الدولية، وتم تسريب معلومات مضللة للجهات الرقابية بأن حسام يقوم بإدخال بضائع غير مجمركة لحسابه. في فجر يوم عصيب، تلقت سلمى مكالمة هاتفية مرعبة؛ القوات الرقابية والجمركية قد تحفظت على الشحنة عند مداخل القاهرة، وتوجهت قوة لمداهمة المخازن الرئيسية للتحفظ على الأوراق والسيطرة على المقر، وتم استدعاء حسام للتحقيق الفوري بتهمة التهريب الضريبي والتزويـ,ـر في أوراق رسمية!
نزل الخبر كالصاعقة على العائلة. حماتها سمر والأم قعدتا تبكيان وتستغيثان، بينما خيم الخوف على الأطفال. لكن سلمى لم تبكِ، ولم تسمح للضعف أن يتسلل إلى قلبها هذه المرة. تذكرت الوقفة الأولى، وتذكرت كيف أقامها الله من الكسرة يوم أن كانت رجل زوجها مكسورة، فتيقنت أن الله الذي نصرهم في الفقر لن يخذلهم في العز. قبل أن يخرج حسام مع محامي الشركة، مسكت سلمى إيده وابتسمت بثبات وقالتله: “ارفع رأسك يا حسام.. أنت ما أكلتش حرام، ولا دخلت على بيتك ولا شركتك جنيه مشبوه. دي محنة وهتعدي، وأنا مش هقعد في البيت أندب، أنا هتحرك وأجيب حقك.”
بالفعل، بكت سمر وهي ترى سلمى تتحول إلى جبل صلب. انطلقت سلمى رفقة الخال متولي إلى مقر الشركة. رفضت أن تترك المكتب لحظة واحدة، وبدأت بنفسها المراجعة العميقة لكاميرات المراقبة الخاصة بمقر التخليص وسجلات المراسلات الإلكترونية مع الموردين الأجانب. استمرت سلمى ليلتين متواصلتين بدون نوم، تقلب في آلاف الأوراق، وتستخرج أصول الفواتير الإلكترونية الموثقة من الشركة الأم في الخارج، والتحويلات البنكية الرسمية التي تثبت أن حسام دفع كامل المستحقات والرسوم الجمركية بشفافية مطلقة. وأثناء بحثها الدقيق في ملفات المخلص الجمركي، كشفت تسجيلاً وتلغرافاً سرياً يثبت تلقي المخلص مبالغ ضخمة من حسابات تابعة لشركة النعماني لتغيير الأوراق في الميناء!
/> في اليوم الثالث، وفي قاعة التحقيق، دخلت سلمى بهيبتها، تحمل في يدها حقيبة سوداء مليئة بالأدلة القاطعة والأوراق الموثقة من السفارة والبنك المركزي، وحضور ممثل عن الشركة الأجنبية الصانعة بطلب منها. قُدمت المستندات إلى القاضي والنيابة العامة. كان الذهول يسيطر على الحضور؛ فقد كشفت سلمى بأدلتها الدقيقة خطة التهـ,ـريب والتـ,ـزوير المحبوكة ضد زوجها، وأثبتت بالدليل القاطع أن حسام كان ضحية مؤامرة دنيئة من منافسين يسعون لتدميره. أمرت النيابة فوراً بالإفراج عن حسام بضمان كفالته الشخصية، وإصدار أمر بضبط وإحضار النعماني والمخلص الجمركي بتهمة التزوير والبلاغ الكاذب وتلفيق القضايا!
خرج حسام من قاعة المحكمة مرفوع الرأس، وجد سلمى تقف في انتظاره خارج الباب، تحيط بها هيبة ونور لا يكسره شيء. احتضنها حسام أمام الجميع ودعت عينيه بالدموع، وقال بصوت هز الحاضرين: “أنا لو عشت عمري كله أوفي حقك يا سلمى، مش هقدر.. أنتِ مش بس مراتي، أنتِ كرامتي وسندي والروح اللي بتنورلي عتمة الأيام.” عادت العائلة إلى بيتها، ولكن هذه المرة بانتصار أعظم من كل ما سبق.
أُغلق ملف النعماني بعد إدانته وسقوط اسمه في السوق، وتضاعفت هيبة حسام وسلمى في قلوب الجميع، وأدرك الكل أن هذه العائلة تُبنى بالأصل والوفاء، وأن المرأة الأصيلة هي التاج الحقيقي الذي لا يُقدر بمال. عقب السقوط المدوّي لـ “النعماني” وتطهير السوق من ألاعيبه، امتدت إمبراطورية حسام وسلمى لتصل إلى آفاق لم يكن أحد يتخيلها. أصبحت “مجموعة شركات حسام الدين للتوزيع والاستيراد” واحدة من أكبر الكيانات الاقتصادية في المنطقة، وشيّد حسام مجمعاً ضخماً للمخازن والإدارة على أطراف القاهرة الكبرى، يستوعب مئات العمال والموظفين. لكن مع هذا التوسع الشديد، كَبُرت المسؤوليات والأحمال.
كان حسام يعمل ليل نهار لضمان سير حركة العمل في كافة المحافظات، فيما كانت سلمى -إلى جانب إشرافها على إدارة الموارد والمبادرات الخيرية للشركة- تُربي أبناءهما “حسام الصغير” و”نور” على نفس قيم البساطة والكرامة، وتغرس فيهم أن العز والجاه لا قيمة لهما بدون التواضع وأصل المعدن. أما سمر، فقد تغيرت حياتها تماماً؛ استقرت في شقة شيك وقريبة من أخوها، وعكفت على تربية أطفالها بدعم كامل من حسام وسلمى، وبدأت تُدير فرعاً صغيراً لمنتجات التجميل والعناية تملكه لحسابها، لتعتمد على نفسها وتثبت لأخيها أنها تعلمت الدرس وأصبحت امرأة مسؤولة ومستقلة. وفي خضم هذا الاستقرار الساكن، ظهر نذير أزمة جديدة..
ولكن هذه المرة لم يكن الخطر قادماً من منافسين خُبثاء ولا من خـ,ـيانة أجهزة ودقائق، بل كان خطراً صامتاً يستهدف قلب العائلة ووجودها نفسه. بدأت القصة حين طُرحت مناقصة حكومية وضخمة جداً لتوريد الأجهزة والمعدات لإنشاء سلسلة من المستشفيات والمدارس الجديدة في المحافظات النائية. كانت المناقصة هي الأكبر في تاريخ المنطقة، وكان الفوز بها يعني نقلة نوعية للشركة تثبت أقدامها لعقود قادمة. دخل حسام المناقصة بكل قوته، مستنداً إلى سمعته الناصعة وأسعاره المنافسة.




