حكايات روماني مكرم ٣

في المقابل، دخلت المناقصة تحالفات لشركات أجنبية بالتعاون مع رجل أعمال نافذ يُدعى “عزت بيه”، وهو رجل يمتلك نفوذاً واسعاً وعلاقات متشابكة، وكان يرى في دخول حسام تهديداً مباشر لمصالحه وملايينه المؤكدة. حاول عزت بيه في البداية شراء حسام، وعرض عليه مبالغ خيالية للتنازل عن المناقصة أو الدخول كشريك صوري، لكن حسام رفض بشدة قائلاً: “أنا تاجر أمين، والبلد دي ليها حق علينا أننا نورد لها أنظف حاجة بأقل سعر، ومش هكون سبوبة لحد.” حين فشل الإغراء، بدأ عزت بيه ينسج خيوط الانتقام.
علم أن حسام يعتمد بشكل أساسي على أسطول سيارات النقل والتريلات التي تنقل البضائع يومياً عبر الطرق السريعة بين الموانئ والمخازن.وبواسطة بعض النفوس الضعيفة والخارجين عن القانون من قطاع الطرق، أُعدت خطة خـ,ـبيثة لتعطيل حسام وتدمير شحناته الرئيسية قبل موعد تسليم العينات والمستندات النهائية للمناقصة بأيام قليلة. في ليلة ممطرة وشديدة الظلمة على طريق الصعيد الصحراوي، كانت ثماني شاحنات ضخمة محملة بالعينات الرئيسية والأجهزة الطبية الحساسة تتجه نحو العاصمة.
فجأة، اعترضت طريقهم سيارات دفع رباعي غير مرقمة، وتم افتعال حادث جسيم أدى إلى انقلاب الشاحنة القائدة وتدمير حمولتها، وإصابة السائقين بإصابات بالغة، وحرق باقي البضائع الحساسة التي كان يُفترض تقديمها للجنة الفحص في الصباح التالي! وصل الخبر لحسام في منتصف الليل. جرى إلى موقع الحادث ومعه الأطقم الطبية وسيارات الإسعاف، وانقبض قلبه وهو يرى حطام الشاحنات والبضائع التي بمليارات الجنيهات تحترق في العراء.
كانت الخسارة المالية فادحة، ولكن الخسارة الأعظم كانت ضياع موعد المناقصة الشبه أكاديمي، وهو ما يعني فرض غرامات شروط جزائية تهدد بإنهاء ترخيص الشركة وإشهار إفلاسها قانونياً إذا لم يتم تسليم الشحنة البديلة خلال 48 ساعة فقط! وقف حسام في وسط الحطام، ووجهه مسودٌ من الدخان والألم. شعر لأول مرة منذ سنوات بنفس شعور الانكسار والضيق الذي جربه يوم أن كانت رجله مكسورة في الشقة القديمة. سقط على ركبتيه فوق التراب وهو يتنفس بصعوبة. في تلك اللحظة، وصلت سيارة سلمى إلى موقع الحادث على الطريق الصحراوي. نزلت منها بسرعة، لم تلتفت للنيران ولا للدخان، بل جرت مباشرة نحو زوجها.
قعدت جنبه على التراب، مسكت إيده بقوة، ومسحت الدخان عن وشه بوشاحها، وقالت بصوت نزل عليه زي البلسم: “قوم يا حسام.. قوم على حيلك! الحديد يترد، والبضاعة تيج غيرها، والفلوس بتروح وتيجي.. بس طول ما أنت واقف على رجليك وصحتك بخير، مفيش قوة في الدنيا تقدر تكسـ,ـرنا.”
بص لها حسام بعيون مليانة قهر وقال: “سلمى.. المناقصة بكرة الصبح، الشروط الجزائية هتمرمرنا وتضيع كل اللي بنيناه، عزت بيه دمر الشحنة البديلة ومش هنلحق نستورد غيرها من المينا في 48 ساعة!” ابتسمت سلمى بصلابة وشموخ وقالتله: “أنت نسيت مين هي سلمى؟ ونسيت إحنا بدأنا منين؟ الناموس مش بيمـ,ـوت الشجر يا حسام. أنت فاكر إننا بنعتمد على المينا بس؟ اتصل بالخال متولي فوراً، وفتح مخازن المحافظات القريبة.. إحنا عندنا مخزون احتياطي في مخازن أسيوط والغربية، وأنا بنفسي هقود فريق التجميع والفرز من الليلادي.” في تلك الليلة العصيبة، ظهر المعدن الحقيقي للجميع.سمر لم تقعد في بيتها؛
جمعت العمال والموظفين المخلصين، ونزلت مع سلمى إلى المخازن الفرعية. فتحوا الدفاتر، وتواصلوا مع كبار التجار الشرفاء في السوق الذين تحالفوا مع حسام ردًا لجميله وأمانته معهم طوال السنوات الماضية. خاضت سلمى معركة مع الزمن؛ طوال 36 ساعة متواصلة، تم تجميع البضائع البديلة من أربعة مخازن مختلفة، وتم استئجار أسطول نقل جديد تحت حراسة مشددة من رجالة الحارة القديمة وأبناء الخال متولي الذين وقفوا كالسد المنيع لحماية الشحنة. في صباح اليوم المحدد، وقبل إغلاق باب لجنة المناقصات بساعة واحدة، دخلت الشاحنات الجديدة إلى مقر الهيئة، وترجل حسام وسلمى ومعهما الأوراق والمستندات الموثقة كاملة.
وقف عزت بيه في القاعة مذهولاً، وجهه أصفر كالميت وهو يرى حسام يدخل بكامل هيبته وأناقته، وإلى جانبه سلمى التي تبدو كملكة توجت صبرها بالانتصار. لم يكتفِ حسام بتقديم الشحنة البديلة، بل قدم للجنة المشرفة مقاطع فيديو وتأكيدات مسجلة تدين عزت بيه ورجاله في افتعال حادث الطريق الصحراوي والتسبب في تعريض حياة السائقين للخطر. أُعلنت النتيجة بفوز مجموعة حسام الدين بالمناقصة الإقليمية الكبرى بالإجماع لسلامة جودتها وأمانة أصحابها، وتم اقتاد عزت بيه إلى التحقيق في قضايا البلاغ الكاذب والإضرار بالمال العام وتدمير الممتلكات.
خرج حسام من مقر اللجنة، وأمام وسائل الإعلام والتجار الذين احتشدوا لتهنئته، أخذ الميكروفون ونظر إلى سلمى التي كانت تقف بين أطفالهم وسمر والخال متولي، وقال بصوت هز القلوب: “النجاح ده مش بتاعي لوحدي.. النجاح ده ملك للست الأصيلة اللي رفعت رأسي يوم ما كنت مكسور، ولما الدنيا كلها كانت شايفاني ولا حاجة، كانت هي شايفاني سندها وجبلها. سلمى هي السر، وهي رأس المال الحقيقي اللي ما ينقصش أبداً.” دمعت عين سلمى، وضحت الابتسامة على وجوه العائلة كلها، وهم يعلمون أنهم يقفون الآن على أعتاب الفصل الأخير من رحلة الكفاح والكرامة.
مرّت الأشهر التالية كأنها حلم جميّل أخير يعوض السنين العِجاف. بعد الفوز بـ “مناقصة العمر” وسقوط عزت بيه وسقوطه المدوّي في حبائل شره، لم يعد اسم “حسام الدين” مجرد رقم في سجلات التجارة، بل أصبح رمزًا للشرف والصلابة والعزيمة التي لا تُقهر. أصبحت الإمبراطورية التجارية تضم مؤسسات خيرية عملاقة أسستها سلمى باسم العائلة، تُعلم أبناء الفقراء، وتوفر العلاج بالمجان لكل مكسور أو محتاج، كي لا يمر أحد بما مرّ به حسام يوم أن جُبرت رجله وبكت كرامته./> أما في البيت، فقد اكتملت الفرحة الكبرى؛
حيث صمم حسام على بناء القصر الأكبر الذي يجمع العائلة كلها في مكان واحد، يحفه سورٌ عالٍ وحدائق يركض فيها الأطفال. وفي قلب القصر، خصص حسام جناحًا خاصًا لأمه التي وهن العظم منها، وأصبحت تشهد أيامها الأخيرة وهي محاطة بكل ألوان العز والكرامة، ولا يفتر لسانها عن الدعاء لسلمى، معترفة أمام الجميع بأن سلمى كانت البركة التي فتحت أبواب السماء على ابنها وعائلته. أما “سمر”، فقد أضحت مثالاً للزوجة والأخت التي استعادت عقلها وقيمها.
نجحت في إدارة عملها الخاص، وحافظت على أبنائها، وصارت سلمى بالنسبة لها الأخت الكبرى والملجأ والأم الناصحة التي لا تتخلى عنها أبداً، وذهبت كل آثار الكبر والجهل القديم ليمحوها الحب والاحترام المتبادل. وفي يوم الجمعة المشهود، نظم حسام وسلمى حفل افتتاحي ضخم لمؤسسة “حسام وسلمى للخير والكرامة”، وحضره الخال متولي برداء المجد، وكبار رجال الدولة، وأهل الحارة القديمة جميعهم الذين تم نقلهم بأفخم الحافلات ليشهدوا عز ابن حارتهم. وقف حسام على المنصة الرئيسية، وفي يده عكازه المذهب القديم الذي احتفظ به في صندوق زجاجي فاخر ليذكره ويُذكر أولاده بأيام الشدة والكسرة.
التفت حسام أمام جميع الحضور والإعلاميين، ونظر إلى سلمى التي كانت ترتدي ثوبًا أبيض ناصعًا كأنها عروس في ليلة زفافها، وقال بصوت هزّ أركان المكان وتبعه تصفيق حار: “الناس بتتفاخر بالأموال والعقارات والشركات.. وأنا النهارده قُدامكم كلكم، بتفاخر بالست اللي صانتني يوم ما كنت مكسور، ورفعت رأسي يوم ما الكل استعرّ مني. سلمى هي الكنز اللي ربنا أكرمني بيه، وهي الوتد اللي شال البيت في الهزة قبل الفرح. كرامتي من كرامتها، وعزي هو بعضٌ من جَميلها!”
نزلت سلمى من على المنصة، وعيونها تفيض بدموع الفرح والامتنان، وأمسكت بيد حسام وبيد أطفالهم، ونظرت إلى الأفق بعيون ثابته، متذكرة تلك اللحظة القديمة في بيت حماتها، حين قيل لها “مش عاوزينك باللبس ده منعركيش”. ابتسمت سلمى في سرها ونظرت للجمع الغفير حولها، وقد أدركت الحقيقة الكبرى التي أثبتتها الأيام: إن الهدوم والمظاهر تزول وتتبدل، ولكن معدن الإنسان الأصيل وكرامته وصبره هي الذهـب الوحيد الذي لا يصدأ، وأن من يصبر على مر القضاء، يلبسه الله ثوب العز والرضا إلى أبد الآبدين.





