تمرد ناعم بقلم مايا خالد

استيقظت ليان مع أول خيوط الشمس التي تسللت عبر ستائر الجناح، كانت تشعر بدفء غريب يسكن قلبها، وكأن جبل الجليد الذي يفصلها عن آدم قد ذاب تماماً تحت وطأة همساته في الليلة الماضية.
التفتت بجانبها، لكن السرير كان فارغاً وبارداً.
خرجت إلى الصالة وهي تفرك عينيها، لتجد آدم واقفاً بكامل أناقته؛ بذلته السوداء، قميصه المغلق حتى آخر زر، وشعره المرتب بدقة وكأنه لم ينم لحظة واحدة. كان يتحدث في الهاتف بلهجة عملية حادة، يلقي الأوامر بصرامة جفت معها كل مشاعر الليلة الماضية.
عندما رآها، أغلق الهاتف ببرود، ونظر إلى ساعته وقال بنبرة خالية من أي تعبير:
أتأخري في النوم. الطيارة الخاصة هتتحرك بعد ساعة، قدامك عشر دقائق وتكوني جهزتي.
تجمدت ليان في مكانها. أين ذهبت تلك النبرة الناعمة؟ أين ذهب الرجل الذي دفن وجهه في عنقها بالأمس؟
ليان بذهول: أدم؟ إنت كويس؟
آدم (دون أن ينظر إليها، وهو يجمع أوراقه): أنا دائمًا كويس. بلاش تخلطي بين لحظة ضعف ناتجة عن إرهاق السفر، وبين الواقع. إحنا هنا عشان شغل، والواقع بيقول إننا لازم نرجع القاهرة حالًا.
كلمة لحظة ضعف نزلت على رأس ليان كالصاعقة. شعرت بالإهانة تسري في عروقها، وكأنه يصف مشاعرها تجاهه بأنها “غلطة” أو “عار” يريد مسحه.
اقتربت منه بخطوات سريعة، وقفت أمامه ومنعته من إكمال جمع أوراقه، وقالت بصوت يرتجف من القهر:
ليان: لحظة ضعف؟ يعني الكلام اللي قولته، والغيرة اللي حرقت المكتب، والوعد اللي شوفته في عينك.. كل ده كان إرهاق سفر؟
آدم رفع رأسه ببطء، كانت عيناه كقطعتي زجاج لا تعكسان شيئاً. اقترب منها خطوة واحدة، ليعيد فرض سيطرته الجسدية عليها، وقال بصوت خفيض وبارد:
”ليان.. أنا قولت لك قبل كده، أنا ببني فيكِ حجر. والحجر ما بيحسش، وما بيعاتبش. لو مستنية مني اعترافات رومانسية تحت ضوء القمر، يبقى لسه بتفكري زي البنت اللي كانت بتخاف من عمتها سميرة.
تراجع خطوة للخلف وتابع بقسوة:
”جهزي نفسك. السواق تحت.”
لم تتحمل ليان بروده هذه المرة. شعرت أن “الحجر” الذي بناه بداخلها قد اكتمل فعلاً، لكنه لم يتقوَّ ضد العالم، بل تقوى ضده هو.
أثناء عودتهما في السيارة، ساد صمت خانق. آدم كان مشغولاً بجهازه اللوحي، وليان كانت تنظر من النافذة، لكنها قررت ألا تمرر هذه الإهانة بسلام.
عندما وصلا أمام القصر، وقبل أن ينزل آدم، قالت ليان بهدوء مرعب:
ليان: “عندك حق يا آدم. كانت لحظة ضعف.. ومن حظك إنها كانت ضعف مني أنا كمان، لأني صدقت إن قلبك ممكن يحس.”
فتحت الباب ونزلت، لكنها قبل أن تغلق الباب، التفتت إليه وقالت بابتسامة غامضة وجارحة:
”وعلى فكرة.. ياسين كلمني الصبح، وأنا وافقت أقابله عشان نناقش مشروع الساحل.. برا الشغل. بما إن علاقتنا شغل وبس، أكيد مش هيضايقك الموضوع ده، صح؟
لم تنتظر رده. أغلقت الباب بقوة وتركت آدم في السيارة، وعيناه تشتعلان فجأة بشرر الغضب الذي حاول إخفاءه طوال الصباح.
في المساء، كان هناك حفل استقبال ضخم في القصر. دخلت ليان القاعة وهي ترتدي فستاناً أحمر ناريّاً، مكشوف الظهر، يبرز ثقتها الجديدة. لم تكن تبحث عن آدم بعينيها، بل كانت تضحك وتتحدث مع الضيوف بخفة لم يعهدوها منها.
آدم كان واقفاً في ركنه المعتاد، يراقبها بغليان مكتوم. كان ينتظر أن تأتي إليه، أن تعاتبه، أو حتى تنظر إليه بغضب.. لكنها لم تفعل. كانت تمر بجانبه وكأنه قطعة من أثاث القصر، بل وتلقي عليه تحية رسمية باردة: مساء الخير سيد آدم، وتمضي في طريقها.
حاول آدم استعادة السيطرة. اقترب منها وهي تقف مع مجموعة من رجال الأعمال، ووضع يده على خصرها بحركة تملكية اعتاد أن تذعن لها.
لكن، وبمنتهى الهدوء، أزاحت ليان يده عن خصرها أمام الجميع، وقالت بابتسامة جليدية:
سيد آدم، أحنا وسط نقاش عملي بخصوص استثمارات الجديدة.. بيتهيألي مش هينفع نخلط الأمور الشخصية بالعمل، زي ما أتفقنا الصبح، صح؟
صدمة الصمت سادت المكان. آدم شعر وكأن صفعة قوية نزلت على وجهه. عروق يده برزت وهو يضغط على كأسه حتى كاد ينكسر.
آدم بصوت فحيح: ليان.. تعالي ورايا على المكتب. حالاً.
ليان ببرود وهي تنظر لساعتها: للأسف، عندي ميعاد بعد شوية. مش متاحة الآن.
تركته واقفا يشتعل غضباً وخرجت إلى الحديقة، حيث كان ياسين ينتظرها بسيارته الفارهة. تعمدت أن تجعل آدم يراها وهي تركب بجانب ياسين، بل وضحكت بصوت مسموع وهي تلوح له.
عاد آدم إلى مكتبه، حطم كل ما كان على الطاولة. الغيرة التي كان يغلفها بالبرود انفجرت بركاناً. لم يعد يحتمل فكرة أن “الحجر” الذي بناه، أصبح يُستخدم ضده هو.
بعد ساعتين، عادت ليان. كانت تصعد السلم بهدوء عندما شعرت بيد تجذبها بعنف لداخل مكتبه وتغلق الباب بالمفتاح.
كان المكان مظلماً إلا من ضوء القمر، وآدم يقف أمامها، أنفاسه لاهثة وعيناه تلمعان بجنون لم تره من قبل.
آدم بصراخ مكتوم: إنتي فاكرة نفسك بتلعبي مع مين؟ ركوبك مع ياسين، وتجاهلك ليا قدام الناس.. إنتي عايزة توصلي لإيه يا ليان؟
ليان وقفت أمامه بثبات، لم ترمش لها عين. اقتربت منه حتى لامست صدره، وقالت بنبرة خالية من أي مشاعر:
ليان: عايزة أوصل للي إنت علمتهولي. مش قولت إنك عايز تبني جوايا حجر؟ مبروك يا آدم.. الحجر اتبنى. والحجر ما بيحسش بالغيرة، وما بيخافش من تهديدك، وما بيحنش لحضنك.
آدم أمسك ذراعيها بقوة، وقربها منه لدرجة أنها شعرت بحرارة أنفاسه:
آدم: أنا قولت أكرهيني عشان تقوي.. ما قولتلكيش تموتيني وإنتي حية! ليان.. أنا مستعد أحرق الشركة، وياسين، والعالم كله، ولا إنك تبصي لغيري بالنظرة دي.
ليان بهمس جارح: أتأخرت كتير يا آدم دي لحظة الضعف اللي كانت عندي الصبح.. أنا قتلتها بإيدي. دلوقتي، أنا فعلاً مش محتاجة لك.
حاولت التحرك، لكنه حاصرها بجسده بالكامل ضد الباب، وانحنى ليكون بمستوى أذنها، وقال بصوت مهزوم لأول مرة:
لو الحجر ده اتبنى بسببي.. فأنا اللي ههده بكلمة واحدة. أنا مش بس عايزك يا ليان.. أنا بضيع من غيرك. والغيرة دي مش تمثيل.. دي حقيقتي اللي كنت خايف أعترف بيها لنفسي قبل ما أعترف بيها ليكي.
رفع وجهها إليه، وكانت عيناه تتوسلان إليها أن تعود “ليان الرقيقة” ولو للحظة واحدة
ليان لم تتأثر بهزيمته. بدلاً من أن تذوب في حضنه، ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة، ورفعت يدها لتزيل يده عن وجهها بمنتهى الرقة.. وهي الرقة التي كانت تخيفه الآن أكثر من غضبها.
ليان بصوت هادئ ومستقر:
كلمة واحدة؟ فاكر إن عبارة أنا بضيع هتمسح كلمة لحظة ضعف؟ إنت اللي علمتني إن المشاعر هي ثغرة في الدرع يا آدم، وأنا قفلت الثغرة دي للأبد.
تراجعت خطوة للخلف، وعدلت هندام فستانها ببرود أذهله، وتابعت:
اعترافك ده اتأخر أربع وعشرين ساعة كاملة.. وفي قاموس آدم المنشاوي، التأخير معناه خسارة الصفقة. وأنا النهاردة، قفلت باب المزايدة على قلبي.
آدم بصدمة، وصوته يخرج مخنوقاً:
ليان.. إنتي مش كدة. إنتي بتنتقمي مني، وده معناه إنك لسه مهتمة. اضربيني، اصرخي، بس بلاش النظرة دي.. بلاش تبقي غريبة عني وإحنا في نفس الأوضة.
ليان وهي تتوجه نحو الباب:
أنا مش بنتقم.. أنا بس بقيت كُفء زي ما كنت عايزني أكون. بكرة الصباح عندي اجتماع مع ياسين بخصوص الساحل، وأتمنى إنك ما تتدخلش، عشان ما تضيعش وقت الشركة في أمور شخصية مالهاش وجود.
وضعت يدها على مقبض الباب، وقبل أن تخرج، التفتت إليه وقالت جملة قتلت ما تبقى من كبريائه:
تصبح على خير يا.. ابن عمي.
الأسابيع التالية: الاحتراق ببطء
تحول القصر والمكتب إلى ساحة حرب باردة. ليان أصبحت المرأة الحديدية في الشركة، نجاحاتها بدأت تتردد أصداؤها في كل مكان، وياسين أصبح ظلها الموجود دائماً، ليس حباً فيه، بل لأنها تعرف أن وجوده هو السكين الذي ينغرس في قلب آدم يومياً.
آدم بدأ يذبل. لم يعد يأكل، أصبح ينام في مكتبه، وعيناه لم تفارق مراقبة مكتبها. الغيرة لم تعد تحرقه فحسب، بل بدأت تدمره.
وفي إحدى الليالي، بينما كانت ليان تهم بالخروج من الشركة في وقت متأخر، وجدت سيارة آدم تعترض طريقها في الجراج المظلم. نزل من السيارة، ولم يكن آدم الإمبراطور، بل كان رجلاً أرهقه الشوق والندم.
وقف أمامها، ومنعها من ركوب سيارتها، وقال بصوت محطم:
كسبتي يا ليان. هديتي الحجر اللي بنيتيه، وهديتيني معاه. أنا مستعد أتنازل عن كل شركاتي، عن اسمي، عن كبريائي.. بس ترجعي تبصي لي ولو بكسرة خوف واحدة زي زمان.. الخوف كان أرحم من البرود ده.
ليان نظرت إليه، ولأول مرة، شعرت بضعف طفيف، لكنها قمعته فوراً.
ليان: عايزني أخاف منك تاني؟
آدم انحنى على ركبتيه أمامها في وسط الجراج، في مشهد لو رآه أحد موظفيه لصدم، وأمسك طرف يدها وقبلها بمرارة:
عايزك تحسيني.. بأي طريقة. اجمحي، اتمردي، بس بلاش تبقي حجر. أنا بموت يا ليان وإنتي قدامي ومش عارف أوصلك.




