عز الصعيد

مايا خالد

​حطت راسها على السرير ونامت بفستانها. بعد ساعة رجع عزالرجال وقال للغفير:
ـ الحتة فوق؟
​الغفير ابتسم بخبث وقال:
ـ وكل حاجة جاهزة زي العادة يا باشا.
​ابتسم وطلع بحماس وهو بيفتكر ملامحها، وتفكير وسخ غير ملامحه، أول ما دخل اتصدم لما لقاها نايمة على السرير بهدوء. قرب منها وهزها بيده بقوة وقال بصوت واطي ومرعب:
ـ جومي يا بت.. إنتي فاكرة نفسك في دار أبوكي؟ جومي شوفي “عزالرجال” عمل فيكي إيه!
​صبا فتحت عيونها ببرود ملوش وصف، بصتله من فوق لتحت وقالت:
ـ وعليكم السلام يا ولد العداني.. مكنتش خابر إنك عِفِش كدة وتصحي الناس من أحلى نومة.. أدب الصعايدة بيقول السلام قبل الكلام!
​عزالرجال اتنرفز من برودها وقال:
ـ سلام إيه وكلام إيه! إنتي عارفة الليلة دي هيحصل فيكي إيه؟ أنا هكسر مناخيرك دي قبل ما الشمس تطلع وأرميكي لأهلك زي اللي قبلك!

​صبا قامت وقفت وبقت في مواجهته وقالت بقوة:
ـ اللي قبلي كانوا غلابة وخافوا منك، لكن أنا “صبا”.. والاسم ده معناه ريح شديدة بتهد الجدران.. لو فاكر إنك راجل بجد عشان بتشتري بنات الناس بفلوسك وترميهم الصبح، تبقى غلطان.. الراجل الحقيقي هو اللي تفتحله الست قلبها مش تفتحله باب أوضتها وهي مكسورة!
​عزالرجال وقف مكانه مذهول، الكلمة وجعته في كبريائه، ولأول مرة يحس إن اللي قدامه مش مجرد صيدة سهلة، دي مهرة محتاجة فارس يروضها بجد.عزالرجال ضحك ضحكة عالية رنت في الأوضة كلها، بس ضحكته المرة دي كان فيها غل وحداقة، قرب منها لحد ما بقوا نفس واحد وقال وهو بيجز على سنانه:
ـ ريح شديدة وبتهد جدران؟ طب وريني يا صبا كيف هتهدي جدران عزالرجال العداني الليلة دي.. أنا مش عايز قلبك، أنا عايز أكسر خشمك اللي مرفوع ده وأوريكي إن الله حق.
​صبا مرجعتش خطوة واحدة لورا، بالعكس، رفعت راسها أكتر وقالت بصوت هادي زي السم:
ـ جرب يا ولد العداني.. بس افتكر إنك لو كسرتني بالقوة، هتكون كسبت “ج,,ثة”، وهتخسر سمعتك في البلد كلها.. الناس هتقول عزالرجال معرفش يروض صبا إلا بالدراع، وده ميبقاش فارس.. ده يبقى غاصب.
​الكلمة نزلت عليه زي الميه الساقعة، فضل باصص في عيونها الواسعة اللي مفيش فيها ذرة خوف، ولأول مرة يحس بضعف قدام ست. ساب دراعها وزقها بعيد عنه وراح قعد على الكرسي وسند راسه لورا وهو بيولع سيجارة، وبص لها من تحت لتحت وقال:
ـ ماشي يا بت عبدالله.. خليكي قاعدة كدة زي الصنم، أنا مش هلمسك.. بس متفتكريش إنك كسبتي.. أنا هخليكي في البيت ده لا طايلة سما ولا أرض، وهتشوفي عزالرجال هيعمل فيكي إيه من غير ما يمد يده عليكي.
​صبا قعدت على طرف السرير بوقار وقالت:
ـ وأنا راضية.. البيت بيتك، والشرع شرعك، بس الكرامة كرامتي.. ومين عارف، يمكن ربنا يهديك وتعرف إن الدنيا مش خمرة وجواز ليلة.
​فضلوا هما الاتنين صاحيين، صبا في ركن بتسبح بصوت واطي مش مسموع، وعزالرجال عينه عليها، كل ما ييجي يغمض عينه يشوف صورتها وهي راكبة الخيل في الساحة، صورتها وهي متمردة وعنيدة.
​أول ما الشمس بدأت تشقشق، والضلمة تروح، سمعوا خبط رزين على الباب، وصوت الغفير “حماد” وهو بينادي من ورا الباب بضحكة مكتومة:
ـ يا عزالرجال بيه.. الفجر أذن، والعربية جاهزة تحت، والرجالة مستنيين “العلامة” عشان يوصلوا الهانم لبيت أبوها زي كل مرة.
​عزالرجال قام وقف، بص لصبا لقاها بتبص له بتحدي، وكأنها بتقوله “وريني هتعمل إيه”. عزالرجال فتح الباب بعصبية، الغفير أول ما شافه ضحك وقاله:
ـ مبروك يا عريس.. نطلع الشنطة؟
​عزالرجال مسك الغفير من رقبة الجلابية وزعق فيه بصوت زلزل سرايا العداني كلها:
ـ شنطة إيه يا حمار أنت! لم لسانك ده واصل.. صبا هانم بقت ست الدار دي، وحرم عزالرجال العداني لحد ما أمـ,ـوت.. والي هيجيب سيرة الطلاق أو الرجوع على لسانه، هقطع لسانو وأرميه للكلاب!
​الغفير اتصدم ووقع المفتاح من يده، وصبا من جوه الأوضة غمضت عيونها واتنهدت تنهيدة طويلة، حست إنها كسبت أول معركة، بس لسه الحرب الكبيرة جوه البيت ده مع عيلة العداني لسه مابدأتش.
​عزالرجال لف وبص لها وقال بلهجة فيها أمر:
ـ قومي غيري فستانك ده، وانزلي افطري مع أمي وخواتي.. ومن النهاردة، كلمتك مسموعة في السرايا دي كلها.. بس لو فكرتي إنك غلبتيني، تبقي واهمة يا صبا.. أنا بس أجّلت ترويضك لوقت تاني.
​صبا ابتسمت ببرود وقالت:
ـ المهرة اللي تتروض بسهولة يا عزالرجال، متبقاش أصيلة.. وأنا أصلي غالي قوي.صبا قامت بكل ثقة، قلعت الطرحة البيضا وسرحت شعرها الأسود الطويل اللي واصل لحد ضهرها، ولبست فستان صعيدي غامق ووقور، ولفّت شالها على كتافها ونزلت ورا عزالرجال وهي سانة سنانها للمعركة الجديدة.
​أول ما نزلت الصالة الكبيرة، لقت “الحاجة فضيلة” أم عزالرجال قاعدة على الكنبة الكبيرة وماسكة المسبحة، وحواليها أخوات عزالرجال البنات والخدم واقفين مستنيين “الفضيحة” المعتادة والعروسة اللي هتخرج مكسورة.
​عزالرجال دخل وهيبته تسبقه، وبص لأمه وقال بصوت جهوري:
ـ صباح الخير يا أما.. دي صبا، مراتي وست البيت ده من النهاردة.. مسمعش حس ولا خبر يزعلها، والي يمس طرفها كأنه مس طرفي أنا.
​الحاجة فضيلة رفعت عينها وبصت لصبا من فوق لتحت بنظرة كلها شك، وقالت بلهجة ناشفة:
ـ مبروك يا ولد العداني.. بس دي أول مرة عروسة تصبح في بيتك يا ولدي! إيه اللي حصل؟ البحر مالح وبقى عذب ولا إيه؟
​عزالرجال بص لصبا لمح في عينها نظرة تحدي، فابتسم وقال:
ـ المرة دي يا أما المصيدة وقع فيها “صقر” مش حمامة.. صبا تختلف.
​الحاجة فضيلة قامت وقفت وقربت من صبا، وفضلت تدور حواليها وهي بتفحصها بذكاء الستات الكبار، وقالت بصوت واطي مسموع:
ـ هنشوف.. السرايا دي ليها نظام يا بت عبدالله، والي تدخلها لازم تكون قد شيلتها.. إنتي عارفة إن عزالرجال مبيحبش الست اللي صوتها يعلى، ولا الست اللي بتناقش في أمره؟
​صبا ردت بكل هدوء وثبات:
ـ وأنا يا حاجة فضيلة عارفة الأصول زين، وبنت ناس وأعرف أحشم دار جوزي.. بس اللي يطالب بالأصول لازم يديها الأول.. والراجل اللي يحترم مراته، تشيله فوق راسها وتاج.. والي يهينها، تدوس على قلبه بمداسها.
​البنات والخدم شهقوا من الجرأة، وعزالرجال نفسه اتفاجئ، بس الحاجة فضيلة ابتسمت ابتسامة صفرا وقالت:
ـ لسانك طويل يا صبا.. وده أول مسمار في نعش هدوئك هنا.. انزلي يا بت على المطبخ، شوفي الخدم بيعملوا إيه، وورينا شطارتك.. دار العداني مفيهاش هوانم بيقعدوا يحطوا إيدهم على خدهم.
​عزالرجال كان لسه هيتكلم، بس صبا سبقته وقالت:
ـ من عيوني يا حاجة.. المطبخ والدار والخدم كلهم هيبقوا تحت نظري، لجل ما عزالرجال بيه يعرف إنه متجوز ست بيت بجد، مش مجرد “صورة” لليلة واحدة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *