روايه كامله 2

الفصل الثالث: مواجهة على حافة الهاوية
سكون قاتل ساد الصالة.. سكون من النوع اللي بيسبق الإعصار، المفرقعات الوحيدة اللي كانت مسموعة هي صوت خطوات كريم الخفيفة وهو بيمشي في الممر، بيدندن مع نفسه بأغنية قديمة، وريحة العيش الفينو والمخبوزات الطازة سابقت خطواته للمكان.
كان داخل بابتسامة عريضة، ماسك الأكياس بإيد، والإيد الثانية فيها مفاتيحه وبوكيه ورد صغير جابه وهو راجع، وهو ينادي بصوت دافي ومطمئن:
ـ “مريومتي.. أنا جيت يا حبيبتي، المخبز كان زحمة شوية بس لحقت لك المخبوزات اللي بتحبيها سخنة، وجبت لك كمان…”
الكلمات اتجمدت على لسانه قبل ما يكمل الجملة.
الشنط والأكياس وقعت من إيده على الأرض، الكواسان والعيش اتطوحوا على المشاية الفاخرة، وبوكيه الورد اتعصر تحت ثقل الصدمة. عيونه اتسعت بدرجة مرعبة، ونظراته بقت تتنقل بين الوجوه الثلاثة زي بندول الساعة المجنون.
على الشمال كانت ندى.. واقفة بصلابة غريبة، عينيها مثبتة عليه بشرار هادي بس مرعب، ظهرها مشدود وكأنها قاضي مستني ينطق بحكم الإعدام.
على اليمين كانت مريم.. قاعدة على الكرسي ضامة ركبيها لصدرها، وشها شاحب زي ج/ثة، والدموع نازلة من عينيها بغزارة من غير صوت.
وفي النص.. كانت الحاجة سنية، أمُّه.. واقفة وساندة إيدها على الترابيزة، عينيها فيها مزيج قاتل من الخيبة، الغضب، والحزن اللي يهد جبال.
كريم بلع ريقه بالعافية، حرقان شديد حس بيه في زوره، وحس إن الأرض بتلف بيه. حاول يجمع أشتات نفسه، ويستخدم س/لاحه الوحيد اللي عاش بيه السنين اللي فاتت: الكذب والهروب للإمام.
قرب خطوة مرتعشة ورسم ابتسامة باهتة ومربكة:
ـ “ندى؟! أمي؟! انتوا.. انتوا بتعملوا إيه هنا؟ دخلتوا هنا إزاي؟”
الحاجة سنية خطت خطوة ناحيته، وصوتها طلع واطي بس يرن في أركان الشقة زي الرعد:
ـ “داخلين من الباب يا ابن بطني.. الباب اللي انت كنت بتقفله وراك وتستغفلنا بيه. كنت بتقول لمراتك ‘أمي وقعت ومحتاجة لي بالليل’، وتيجي هنا للغلبانة دي وتقول لها ‘أمي ميتة وأنا يتيم ومقطوع من شجرة’! بقى انت ابن سنية؟ انت الشاب اللي تعبت وسهرت عليه عشان أربيه على الأصول والدين؟”
كريم بص لمريم بسرعة، وعيونه بتترجي، بص لمراته وقال بتلعثم وسرعة:
ـ “يا أمي افهميني بس.. انتِ فاهمة الموضوع غلط! والله كل حاجة لها تفسير، استدوا بس ونقعد و…”
ندى قاطعيته، ولأول مرة صوتها ما كانش فيه أي نبرة انكسار، كان صوت حاد زي السيف:
ـ “تفسير إيه يا كريم؟ تفسير الفاتورة اللي وقعت منك؟ ولا كشف حساب البنك؟ ولا كيس الدوا اللي سبته في العربية وأمي أساساً ما شافتكش من شهرين؟! ولا تفسير الصورة اللي متعلقة على الحيطة دي بفستان الزفاف؟ انت بعت إيه واشتريت إيه؟ بعت بيتك ومراتك وابنك وأمك علشان تمثل مسرحية رخيصة زي دي؟!”
مريم قامت وقفت فجأة، وصوتها خرج مبحوح ومكسور، بتبص لكريم بصدمة عمرها:
ـ “انت كذاب.. انت أكبر كذاب شفته في حياتي! انت قلت لي إنك مالكش حد، قلت لي إنك شغال ورديات ليلية في الحراسة عشان تكفي مصاريف علاجي والشقة دي! انت أقنعتني إننا بنبني حياتنا خطوة بخطوة، وأنا كنت بدعي لك في كل صلاة إن ربنا يقويك على الشغل والتعب.. تقوم تطلع متجوز وعندك ابن وأم عايشة وعامل حسابات وكشوفات وكل ليلة بتكذب فيها على ستين ألف بني آدم؟!”
كريم حس إنه المحاصر بين ثلاث جبهات، الخناق بيضيق على رقبته، الشارع اللي بناه من الأوهام انهار كله فوق رأسه في ثانية واحدة. اتعصب وبدأ يرفع صوته عشان يداري خيبته، وبص لندى بغضب:
ـ “انتِ إزاي تتجسسي عليا؟ إزاي تمشي ورك وتفتشي في أوراقي وتجيبي أمي وتجي لحد هنا؟! مين إداكي الحق ده؟!”
ندى ضحكت.. ضحكة قصيرة، جافة، مليانة وجع وقرف:
ـ “حق إيه يا أستاذ كريم؟ حق الزوجة المغفلة اللي كانت بتصحى الصبح بدري تعمل لك الأكل البيتي عشان تاخده لـ ‘أمك المريضة’، وهي أصلًا بتغدّي بيه الهانم هنا؟ ولا حق الأم اللي كنت بتحرمها من حفيدها وتقول لها ‘ندى هي اللي منعاني أجيبه لك’ عشان تزرع بينّا الكره وتفضي لك الجو للياليك؟ انت مش راجل يا كريم.. انت مجرد كومبارس في كذبة كبيرة انت نفسك صدقتها!”
الحاجة سنية قربت منه، ورفعت إيدها وضربته بالقلم على وشه.. قلم نزل برنين هز الصالة كلها.
كريم اتصدم، حط إيده على خده وبص لأمه بذهول:
ـ “يا أمي.. تضربيني قدامهم؟!”
ـ “وأضربك بآلم جزمة كمان يا كريم!” الحاجة سنية كانت بتتكلم ودموعها نازلة على خدودها المكرمشة من الغضب، “ده أنا اللي خايبة إن طلعت راجل بالمنظر ده! ده انت ما حترمتش شيبتي، ولا احترمت الست اللي صايناك وشايلا اسمك وعايشة معاك على المرة قبل الحلوة. انت فاكر نفسك ناصح؟ فاكر لما تكذب على دي وعلى دي هتفضل مستور؟ ربنا حليم بس لما بيكشف الستر، بيكشفه بالفضاحة دي!”
مريم راحت ناحية الأوضة، وطلعت بشنطة هدوم صغيرة، بدأت ترمي فيها هدومها بعشوائية وهي بتبكي بهستيريا:
ـ “أنا ماشية.. أنا مش هقعد في القرف ده دقيقة واحدة. أنا اللي افتكرتك السند والأمان لما أهلي اتوفوا، طلعت أكبر مقلب في حياتي.”
كريم جرى عليها ومسك إيدها بلهفة:
ـ “مريم استني بس! ما تمشيش، والله أنا بحبك، أنا ما كذبتش عليكي في مشاعري، أنا فعلاً اتجوزتك عشان بحبك، بس الظروف…”
مريم زقت إيده بقوة وصرخت في وشه:
ـ “ظروف إيه؟! انت بنيت جوازنا على ج/ثة ست ثانية وعلى كذبة أمك الميتة! حب إيه ده اللي يتبنى على القرف والدمار ده؟! ابعد عني ما تلمسنيش!”
ندى كانت بتبص للموقف ببرود غريب، حست إنها بتتفرج على مسرحية رخيصة، بس العرض انتهى والستارة اتفتحت على الحقيقة كاملة. بصت لكريم وقالت بصوت هادي يقطع العرق والسائح:
ـ “الورقة اللي بيني وبينك يا كريم هتتقطع.. يوسف هيفضل معايا، وهتاخد كل قرش صرفته من حسابه أو من حق بيتنا والقوايم والقضايا هتترفع عليك من بكرة الصبح.”
كريم ساب مريم وبص لندى بخوف حقيقي، هو عارف إن ندى لو رفعت قضايا ومعاها كشوف الحسابات والإثباتات دي كلها، هيتخرب بيته مادياً وقانونياً:
ـ “ندى.. بلاش تهديم بيوت، فكري في يوسف! إحنا ممكن نقعد ونتكلم ونحل الموضوع ده عقلاني…”
ـ “تهديم بيوت؟!” ندى قربت منه وبصت في عينيه مباشرة، “انت هدمت البيت ده من أسبوعين لما اشتريت السلسلة والإسوارة الذهب، هدمته لما كنت بتسيبني سهرانة بقلق عليك وأنا فاكراك بتراعي أمك، هدمته لما خليت أمك تشك فيا وأنا أشك فيها! انت ما سبتش بيت عشان يتهدم يا كريم.. انت سبت خرابة.”
الحاجة سنية مسكت إيد ندى وقالت بحسم:
ـ “يلا يا بنتي.. المكان ده ينجس الرِجل اللي تمشي فيه. يلا بينا والبيت اللي يجمعني بيك تاني يا كريم يبص في وشه ربنا.”
كريم حاول يمسك إيد أمه، يتوسل لها:
ـ “يا أمي عشان خاطري سامحيني، أنا ابنك الوحيد!”
الحاجة سنية زقت إيده بصرامة وهي بتبص له بعيون مليانة خيبة أمل:
ـ “ابني الوحيد مات يوم ما قال على أمه ميتة عشان يعيش نزواته.. انت مش ابني يا كريم، انت واحد غريب ما أعرفوش.”
خرجت الحاجة سنية ووراها ندى، وسابوا كريم واقف في نص الصالة، الشنط والمخبوزات مرمية على الأرض، مريم بتبكي وهي بتلم باقي حاجتها في الأوضة، والشقة الفاخرة اللي كان بيقضي فيها لياليه السعيدة أصبحت فجأة زي القبر الساقع.
لكن ندى، وهي نازلة في الأسانسير، كانت حاسة إن القصة ما خلصتش عند النقطة دي.. الشك اللي زرعه كريم في قلبها كان أكبر من مجرد شقة ثانية وزوجة ثانية. فيه حاجة ناقصة في الصورة.. فيه تفصيلة صغيرة في كشف الحسابات هي ما ركزتش فيها كويس في الأول، وعنوان ثاني خالص مكتوب في نوتة كانت شافتها في عربية كريم من أسبوعين.
ولما وصلوا العربية، ندى فتحت كشف الحساب ثاني تحت إضاءة الشارع الصباحية، وعينيها جت على سحوبات كاش ثانية متكررة بتتعمل في أوقات متأخرة جداً من الليل.. في منطقة ثانية خالص بعيدة عن الشيخ زايد.
بصت لحماتها وقالت بصوت واطي ومحمل بأسرار جديدة:
ـ “ماما.. كريم ما كانش بيصرف الفلوس دي كلها على شقة الشيخ زايد بس.. فيه حكاية ثانية أعمق وأخطر كريم مخبيها عننا وعن مريم كمان.”
الحاجة سنية بصت لها باستغراب:
ـ “حكاية إيه تاني يا بنتي؟ هو فيه أكتر من كدة؟!”
ندى بصت للشباك وابتسمت ابتسامة مريرة:
ـ “فيه كتير يا ماما.. والجزء اللي جاي مش هيكون مجرد كشف كذبة، ده هيكون الحساب الحقيقي.”
يتبع في الجزء الرابع…





