حكايات زهرة 1

لمحة نيوز
أختي الكبيرة كانت قاعدة منفوخة ومفتخرة بنفسها وبجوزها، بتبص لي بنظرة شفقة بتموتني، وطارق قاعد وحاطط رجل على رجل وكأنه ملك زمانه. في الوقت ده، أنا كنت قاعدة مكسوفة جداً، وشي في الأرض، وزعلانة بدموع عيني على حرج جوزي اللي كان قاعد ساكت ومتحمل كل نظرات الاستصغار من اللي حوالينا عشان خاطري بس.
وفجأة، وإحنا بناكل، طارق جوز أختي الكبيرة ساب المعلقة وقال: “المايه خلصت.. هقوم أجيب مية عشان عطشان.”
مراته قامت بسرعة وقالت له : “لا يا حبيبي خليك مرتاح، هقوم جيبلك أنا.”
مسك إيدها وقالها بنبرة تباهي: “خليكي مرتاحة يا حبيبتي، أنا هجيب.”
هنا أمي اتدخلت بسرعة وبصوت جهوري سمع الصالة كلها وقالت لطارق: “ولا أنت ولا هي! أنت تطلب ومتقومش من مكانك، أنت بتتعب وتشقى ولازم ترتاح.. أنت ومراتك كلو كويس واقعدوا مرتاحين.”
وفجأة.. لفت أمي وجسمها كله طاقة غل، ومدت إيدها بالشفشق الكبير بتاع المية، ووجهت كلامها وجسمها لمصطفى جوزي.. وقالت له بنبرة تريقة واضحة والابتسامة الخبيثة على وشها:
”املاه أنت يا مصطفى قوم اسقي طارق.. فقير القوم خادمهم!”
وضحكت ضحكة عالية، قال يعني بتهزر وبتلطف الجو! وطبعاً، كل القلوب المريضة اللي قاعدة جاملتها وضحكت معاها ببرود.
في اللحظة دي، الدم ضرب في نفوخي، وشي احمر من الغضب، والدم كان بيغلي في عروقي من الإهانة الصريحة والعلنية لجوزي وقدام العيلة كلها. اندفعت بكل عصبية، وكنت لسه هقف وأزعق وأقلب التربيزة على الكل وأمشي..
لكن فجأة، لقيت إيد مصطفى القوية بتمسك إيدي بكل حزم وهدوء.. منعني إني أتكلم.
بصيت له وأنا عيني مليانة دموع وغضب، لقيت وشه هادي جداً، وابتسم ابتسامة غامضة وثابتة مفيهاش أي انكسار.. وقف على رجليه بكل ثقة وثبات، واللي عمله في اللحظة دي.. صدم الكل، وخلى أمي واقفة متسمرة في مكانها، مش قادرة تنطق ولا حرف ولا قادرة حتى ترفع عينها وتبص في عينه من كتر الصدمة والذهول اللي حل على الصالة
مصطفى ملامحه متهزتش، ولا حتى حواجبة اتلفتت برفض. الهدوء اللي كان فيه كان مرعب، هدوء يسبق العاصفة، بس مش عاصفة خناق وزعيق، عاصفة من نوع تاني خالص.. عاصفة تكسر النفوس المريضة بالذوق والأدب.
مد إيده بكل ثبات وأخد الشفشق من إيد أمي، وبص في عيونها مباشرة.. النظرة دي لوحدها خلت أمي ترجع خطوة لورا من غير ما تحس. ابتسم ابتسامة هادية جداً وقال بصوت رخيم وواضح سمع كل ركن في الصالة:
”على راسي يا حماتي.. ست الكل تؤمر ومصطفى ينفذ، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: ‘سيد القوم خادمهم’.. وأنا هنا وسط أهلي وناسي، وخدمتكم شرف ليا ومش عيب أبداً.”
الكلمتين نزلوا على الملعقة اللي في إيد طارق وعلى دماغه زي المية الساقعة. الصالة كلها فجأة سكتت، الضحك البارد اللي ملى المكان اختفى تماماً وتحول لنظرات إعجاب مكتومة من خيلاني وخالاتي. مصطفى بكل ثقة أخد الشفشق ودخل المطبخ، ملاه مية ساقعة، ورجع الصالة.
بس الصدمة الحقيقية مكنتش هنا.. الصدمة كانت في طريقة لفه على التربيزة:
مراحش لطارق الأول زي ما أمي كانت عايزة تذله.
بدأ بأكبر واحد قاعد، خالى الكبير، وصب له وهو واقف بكل أدب واحترام وانحناءة راجل أصيل.
وبعدين لف على خالاتي واحدة واحدة، وبعدها راح لأمي.. وقف قدامها، صب لها الكوباية وبكل ذوق وطى على إيدها باسها وقالها: “اتفضلي يا أمي، بالهنا والشفا.”
أمي في اللحظة دي وشها جاب مية لون، الإحراج كل ملامحها، كانت فاكراه هيثور أو يتكسر، لكنه بكرم أخلاقه صغرها قدام العيلة كلها وظهر هو في مظهر الملك وهم الصغار.
أخيراً، وصل لطارق.. طارق كان قاعد وشه حمر، حاسس إن الحركة اللي عملها مصطفى قلبت السحر على الساحر. مصطفى صب لطارق وبص له بابتسامة خفيفة وقاله: “اتفضل يا باشا، مطرح ما يسري يمري.” طارق مد إيده ياخد الكوباية وهو مش قادر يحط عينه في عين مصطفى.
في اللحظة دي بالظبط، وتلفون طارق اللي كان محطوط على التربيزة قعد يرن بهستيرية. طارق نفخ وبص في الشاشة، ملامحه اتقلبت تماماً، الخوف ظهر في عيونه في ثانية





