روايه كامله

لما كنت في السن ده، والدي ووالدتي سابوني ومشيوا بعد ما عرفوا إن تكاليف علاجي من السرطان هتكون غالية عليهم.. بعد خمستاشر سنة، رجعوا وهما مستنيين يقعدوا في صفوف ال VIP في حفلة تخرجي من كلية الطب، ومكنوش يتخيلوا أبداً إنهم واقفين عشان يواجهوا الحقيقة اللي هربوا منها!
أول مرة أشوفهم بعد السنين دي كلها، كانوا قاعدين ماليين مركزهم في الصفوف الأولى في الصالة الكبيرة، الابتسامة على وشوشهم وكأنهم هما اللي شالوني خطوة بخطوة في طريقي. أمي كانت بتعدل جاكتتها وبتلف بعنيها في وسط زحمة الناس بفخر مزيف، وأبويا ماسك كتيب الحفلة وبيقلب فيه بصباعه، بيدور على اسمي بثقة تامة كأنه مستني تكريم لجهوده. وعلى بعد كام كرسي بس، كانت قاعدة أبلة نادية، ماسكة في حجرها بوكيه ورد أصفر جميل، وعل وشها نفس الابتسامة الهادية والصافية اللي كانت بتطبطب بيها على قلبي في أصعب أيام حياتي. الغريب إنهم مخدوش بالهم منها، ولا حسوا إن الست اللي قاعدة بعيد عنهم بخطوات دي هي اللي بقت كل حاجة هما رفضوا يكونوها. أنا الدكتورة أمل الصاوي.. بس زمان، كان اسمي مختلف، كنت أمل ممدوح. الاسم ده اتمحى تماماً من حياتي اليوم

اللي والدي ووالدتي رمتني فيه جوة أوضة المستشفى. كنت بنت عندها تلاتاشر سنة لما الدكاترة قالوا عندي لوكيميا.. سرطان الدم. لسه فاكرة لغاية النهاردة شكل السكوت المرعب اللي حل في الأوضة بعد ما الدكتور كمال شرح حالتي. أبويا مسألش المرض ده خطير قد إيه، ولا سأل حتى هخف منه ولا لأ، أول كلمة طلعت من بقه كانت باردة وقاطعة وده كله هيكلفنا كام؟ ومع كل كلمة كان الدكتور بيقولها عن المصاريف والأرقام، كانت ملامح أبويا بتتحول لكتلة من التلج. أختي الكبيرة شاهيناز كان معمول لها شهادة استثمار بمبلغ محترم عشان تعليمها في الجامعة.. وأنا كان نصيبي السرطان. أبويا بص للدكتور وقالها بجمود إحنا مش هنضحي بمستقبل بنت عشان خاطر التانية.. دي بنت عادية. الكلمة دي بالذات علمت في قلبي وعقلي أكتر من المرض نفسه. وقبل ما الشمس تغيب في اليوم ده، كانت الأوراق اتمضت، أوراق تنازل وتفويض طبي، وسابوني في مستشفى القصر العيني ومشيوا. محصليش منهم حتى حضن واحد، ولا وعد بإنهم هيرجعوا، ولا حتى كلمة مع السلامة. قضيت أول ليلة لوحدي، مرعوبة من الضلمة ومن اللي جاي، لحد ما الباب اتفتح بالراحة ودخلت الست دي.. أبلة نادية. كانت ممرضة سهر في قسم أورام الأطفال، سحبت كرسي وقعدت جنب سريري وقالت لي بكل أمانة كنت أتمنى يكون عندي كلام أسهل من ده أقوله ليكي، بس اللي عايزاكي تعرفيه.. إنك مش لوحدك من النهاردة. ممرضات كتير كانوا بيخلصوا النبطشية ويروحوا بيوتهم، بس نادية كانت بتفضل قاعدة معايا، فضلت معايا في كل جلسة كيماوي، وفي كل سخونية، وكل ليلة منغير نوم، وفي كل لحظة كنت بحس فيها إني خلاص مش قادرة أكمل المحاربة. بعد شهور، لما العلاج دخل في مرحلة تانية، أخدت قرار غير دنيتنا إحنا الاتنين أنا هتبنى أمل. مكنتش بتعمل كده عشان اللقطة ولا عشان هي غنية، نادية كانت ست بسيطة، بس رفضت تسيب طفلة تفتكر إنها هتروح في الرجلين. نادية بقت هي أمي الحقيقية، عملت قرشين على جمب ورهنت بيتها الصغير عشان مشيلش هم قرش واحد في علاجي.. المكان اللي والدي ووالدتي شافوني فيه حمل تقيل وفلوس بتترمي، هي شافت فيه بنتها وحتة من قلبها. دارت الأيام ودخلت كلية الطب البشري، واخترت بالذات تخصص أورام الأطفال عشان الأطفال الخايفين يلاقوا الدكتورة اللي كنت بتمنى ألاقيها زمان. وفي سنتي الأخيرة، جالي إيميل من إدارة الكلية ممدوح ورجاء اتصلوا بينا وبيقولوا إنهم والدك ووالدتك ومحتاجين دعوات VIP لحضور الحفلة.. هل نوافق؟ نفسي اتكتم لثواني.. خمستاشر سنة منغير تليفون، منغير ما يعرفوا عايشة ولا ميتة، ودلوقتي عايزين يقعدوا في أول صف! مش عشان لقوا بنتها، عشان لقوا دكتورة ناجحة يتمنظروا بيها. كلمت أمي نادية، سمعتني بهدوء وقالت لي مفاجأة خليهم يجوا يا بنتي. وافقت، والكلية حجزت لهم مكان مميز. ودلوقتي، وأنا واقفة ورا الستارة في قاعة التخرج الكبيرة، شفتهم من بعيد، أبويا فارد ضهره ومستني التسقيف. المنظم قرب مني وقال دكتورة أمل، دورك كمان دقيقة. دكتورة أمل الصاوي.. مش ممدوح. عميد الكلية طلع على المسرح وقال في المايك سيداتي وسادتي، يشرفني أقدم لكم الأولى على دفعة كلية الطب البشري… أمي رجاء عدلت قعدتها، وأبويا مسك الكتيب بقوة، وأبلة نادية كانت بتمسح دموع الفرحة من تحت نظارتها. العميد ابتسم وكمل نرحب بالدكتورة.. أمل الصاوي!. القاعة كلها اتهزت من التسقيف، ولأول مرة من خمستاشر سنة.. والدي ووالدتي الحقيقيين بقوا في مواجهة الوجع والصدمة اللي هربوا منها زمان!
يا ترى إيه القرار الصادم اللي الأب والأم أخدوه جوة المستشفى

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *