روايه كامله

زمان وبسببه اتغيرت حياتهم وحياة أمل للأبد؟ وإزاي المواجهة دي هتقلب الترابيزة على الكل في وسط قاعة التخرج؟ الحقيقة المرة لسه مظهرتش كاملة، واللي جاي هيفجر مفاجأة مكنش حد يتوقعها!
طلعت على المسرح وسط تصفيق القاعة كلها، وقلبي بيدق بسرعة، لكن مكنتش خايفة. بعد خمسة عشر سنة من الوجع، اللحظة دي كانت لحظة الحقيقة.
العميد سلمني درع التفوق، وصافحني وهو بيقول
إحنا فخورين بيكي يا دكتورة أمل.
ابتسمت، وبعدها طلبت منه بهدوء
لو تسمح لي… عندي كلمة صغيرة.
ناولني الميكروفون.
بصيت على القاعة كلها، وبعدها بصيت مباشرة على أول صف.
على أبويا وأمي.
كانوا بيبتسموا ومستنيين أنادي عليهم.
بدأت أتكلم بهدوء
النجاح عمره ما بيكون صدفة، وورا كل شخص ناجح ناس سندته وآمنت بيه.
أمي رجاء ابتسمت أكتر، وأبويا فرد ضهره بفخر.
كملت
وأنا فعلاً مدينة بكل اللي وصلتله… لإنسانة واحدة.
الإضاءة اتسلطت على أبلة نادية، اللي اتفاجئت وقامت مرتبكة.
قلت بصوت ثابت
الست دي هي أمي.
القاعة كلها سكتت.
أبويا وأمي الحقيقيين بصوا لبعض باستغراب.
نزلت من على المسرح، وروحت عند أبلة نادية، ومسكت إيدها وطلعتها معايا.
حضنتها قدام الناس كلها.
وقلت
وأنا عندي تلاتاشر سنة، عرفت إن عندي سرطان دم. في نفس اليوم، الناس اللي خلفوني سابوني في المستشفى ومشيوا.
همهمة كبيرة انتشرت في القاعة.
كملت وأنا ببص ناحيتهم
سابوني بعد ما عرفوا تكلفة العلاج، ووقعوا أوراق إن المستشفى تتصرف في حالتي، ومحدش فيهم رجع يسأل إذا كنت عايشة ولا ميتة.
وشوش الناس اتغيرت.
وأبويا قام واقف بعصبية.
قال بصوت عالي
إنتي بتكذبي! إحنا كنا مضطرين!
رديت بهدوء
مضطرين؟
طلعت من الملف اللي كان في إيدي نسخة من الأوراق القديمة.
دي صورة من تنازلكم عن مسؤوليتي الطبية، ودي إفادة المستشفى بعدم حضوركم ولا مرة خلال فترة علاجي.
العميد أخد الأوراق وبص فيها.
ورئيس الجامعة الموجود في الصف الأول هز رأسه بعد ما راجعها.
أبويا سكت.
أمي بدأت تعيط.
لكن دموعها مكانتش قادرة تمسح خمسة عشر سنة.
كملت كلامي
الست اللي واقفة جنبي رهنت بيتها الصغير علشان تكمل علاجي.
بصيت لنادية.
اشتغلت شغلانتين، وكانت بتبات جنبي في المستشفى، وكانت أول واحدة تفرح لما التحاليل تتحسن، وأول واحدة تنهار لما تعبانة.
نادية كانت بتعيط ومش قادرة تتكلم.
قلت
بعد ما خفيت، علمتني، وربتني، وشجعتني أدخل كلية الطب. ولو أنا النهارده واقفة هنا، فالفضل بعد ربنا يرجع ليها.
القاعة كلها وقفت تصقف.
تصفيق طويل.
ناس كتير كانت بتمسح دموعها.
أبويا حاول يقرب.
قال
يا أمل… مهما حصل إحنا أبوكي وأمك.
ابتسمت لأول مرة.
وقلت
الأب والأم مش اللي كتبوا أسماءهم في شهادة الميلاد.
سكتت لحظة.
الأب والأم هما اللي فضلوا واقفين لما الكل مشي.
اتجمد مكانه.
وأمي رجاء قالت وهي بتعيط
سامحينا… كنا خايفين.
قلت لها
أنا سامحتكم من زمان علشان أقدر أعيش.
سكتت ثانية.
لكن المسامحة مش معناها إن الماضي اتمسح.
نزلوا راسهم.
وقلت آخر جملة
أنا النهارده الدكتورة أمل الصاوي… واخترت اسم الست اللي اختارتني، لأنها هي العيلة اللي صنعتني.
رجعت حضنت نادية.
والقاعة كلها وقفت احترامًا ليها.
بعد الحفلة، صحفيين كتير حاولوا يعملوا لقاءات معايا.
لكن أول تصريح قلته كان
لو عايزين تكتبوا قصة نجاح، اكتبوا عن الممرضة نادية، مش عني.
بعد أيام، انتشرت قصتها في كل مكان.
وزارة الصحة كرمتها على سنوات خدمتها.
والكلية سمت منحة دراسية جديدة باسم منحة نادية الصاوي لدعم طلاب الطب اليتامى أو اللي مروا بظروف قاسية.
لما شافت اللافتة وعليها اسمها، فضلت تعيط وتقول
أنا معملتش حاجة تستاهل.
ضحكت وقلت لها
إنتِ عملتي حياة كاملة.
أما والدي ووالدتي…
حاولوا يتواصلوا معايا أكتر من مرة.
بعتوا جوابات.
واتصلوا.
وطلبوا يقابلوني.
وافقت أقابلهم مرة واحدة فقط.
قعدنا في مكان هادئ.
أبويا قال
كل يوم بندفع تمن اللي عملناه.
قلت له
وأنا كل يوم بشوف أطفال بيحاربوا السرطان، وأهلهم بيبيعوا كل حاجة علشان يعيشوا أولادهم.
سكت.
وأضافت
ساعتها بفهم إن الفقر عمره ما كان المشكلة… المشكلة كانت القرار.
خرجوا من اللقاء وهم عارفين إن فيه أخطاء الزمن ميقدرش يصلحها.
مرت ثلاث سنوات.
افتتحت أول مركز مجاني لعلاج ودعم أطفال أورام الدم.
وسميته
بيت نادية.
وعلى المدخل علقت لوحة صغيرة مكتوب عليها
الأم ليست من أنجبتك فقط… الأم هي من اختارت أن تبقى حين اختار الجميع الرحيل.
كل طفل كان يدخل المكان، كان يلاقي لعبة، وكتاب، وضحكة، وحد يسمعه قبل ما يدي له العلاج.
لأن ده كان الشيء اللي كنت محتاجاه وأنا عندي تلاتاشر سنة.
وفي يوم الافتتاح، وقفت أبص لنادية وهي بتلعب مع طفل صغير فقد شعره بسبب العلاج.
ابتسمت.
وقلت في سري
السرطان خد مننا سنين… لكنه مقدرش ياخد إنسانيتنا.
وفي اللحظة دي، عرفت إن أعظم شهادة أخدتها في حياتي ما كانتش شهادة الطب…
كانت كلمة واحدة قالتها لي نادية وهي بتحضني
أنا فخورة بيكي يا بنتي.
وساعتها حسيت إن رحلتي اكتملت، وإن النهاية الحقيقية للقصة ما كانتش يوم تخرجي…
كانت اليوم اللي بقيت فيه قادرة أدي لغيري نفس الأمل اللي حد اداهولي وأنا كنت فاكرة إن الدنيا كلها سابتني.




