حكاية ماهر وهند

الأمن شاور لها: “أنتِ المربية الجديدة؟”
هند هزت راسها بسرعة: “أيوه.”
“اتفضلي، الحاجة مستنياكي جوه.”
مشيت على الممر الرخام. حست إن خطوتها بتعمل صدى.
الباب الخشب الضخم اتفتح. الحاجة صفية واقفة. ست في أوائل الستينات، لبسها بسيط بس شيك، حجابها مظبوط، ووشها فيه هيبة وحزن.
عينيها مسحت هند من فوق لتحت. من الشنطة القماش، للجزمة القديمة، للوش الشاحب بس عينيه واسعين وفيهم كسرة مفهومة.
“أنتِ هند؟”
“أيوه يا حاجة. حضرتك الحاجة صفية؟”
“أيوه يا بنتي. ادخلي.”
الريسبشن كان برد. برد فلوس وفلل، وبرد حزن.
صفية ماضيعتش وقت: “بصي يا هند. أنا هكلمك بالبلدي. الشغلانة دي مش دلع. البنت اللي هتقعدي معاها بقالها 6 شهور ما نطقتش. شافت أمها بتموت قدام عينها. وأبوها… أبوها عايش ميت.”
هند بلعت ريقها. الكلام تقيل.
“وأنا… أنا هحاول يا حاجة. أنا دارسة ده، وفاهمة يعني إيه طفل موجوع.”
صفية بصت في عينيها كتير. شافت فيهم حاجة طمنتها. حاجة شبه اليتم اللي في عيون حفيدتها.
“طيب. تعالي.”
مشيت قداها في ممر طويل لحد ما وقفت قدام باب أوضة موف. فتحته بالراحة.
چودي كانت هناك، في نفس الركن، بنفس الدبدوب المقطوع، وبترسم نفس الشخابيط السوداء.
رفعت وشها ثانية لما الباب اتفتح. عينيها العسلية بصت لهند. كانت عيون واحدة عندها 60 سنة مش 5 سنين. وبعدين رجعت تبص للورقة تاني كأن مفيش حد دخل.
صفية وشوشت لهند: “هي دي چودي. بقالنا 6 شهور بنحاول نسمع صوتها. الدكاترة قالوا مفتاحها في الأمان.”
هند قلبها وجعها. سابت شنطتها على الأرض بالراحة، ومسحت إيديها في عبايتها. قربت خطوتين ونزلت على ركبها، عشان تبقى في نفس مستوى البنت.
مبصتش لچودي مباشرة عشان متخوفهاش. بصت للدبدوب المقطوع اللي في حضنها.
وقالت بصوت هادي، دافي، كأنها بتكلم نفسها:
“يااه… الدبدوب ده شكله كان بيحارب. بطنه مفتوحة وزعلان.”
سكتت ثانية، وسحبت إبرة وخيط من جيبها، كانت شايلاهم بالعادة.
“تفتكري لو خيطناه سوا، بطنه هتخف والوجع يروح؟”
القلم الأسود اللي في إيد چودي وقف. الخط الأسود اللي كانت بترسمه وقف في نص الورقة.
ولأول مرة من يوم الحادثة، چودي رفعت راسها، وبصت لهند. بصت في عينيها بجد. مش بصة عابرة. بصة واحدة تايهة لقت حد ممكن يفهم.
يتبع…
—
الفصل الثاني: أول ضوء





