بعد أن أغلقت الأم الهاتف، شعرت بنشوة انتصار مؤقتة، لكن الصمت الذي حلّ في شقتها المتبهدلة بدأ يضغط على أنفاسها. نظرت حولها إلى السجاجيد المفروشة والأثاث الذي علاه التراب، ثم نظرت إلى الهاتف في يدها، وشعرت بوخزة خفيفة في قلبها لم تفهم سببها في البداية. في تلك الأثناء، في شقة الابن “أحمد”، كان يغلي من الداخل. كان يجلس على أريكة الصالة، يضع رأسه بين يديه، وقلبه يعتصر ألماً. كيف يوازن بين بر أمه التي سهرت عليه، وبين رحمة زوجته “مي” التي لا يرى النوم عينيها من مطاحن الحياة؟ قطع حبل أفكاره صوت المفتاح في الباب. دخلت “مي”، وكانت ملامحها تلخص حكاية يوم شاق؛ حقيبتها الثقيلة على كتفها، ووجهها شاحب من الإرهاق، لكنها بمجرد أن رأته، حاولت الابتسام وقالت: “مساء الخير يا حبيبي، هغير هدومي بسرعة وأقوم أحضر الغدا”. نظر إليها أحمد، وابتلع غصته. لم يكن قادراً على النظر في عينيها. تنحنح وقال بصوت خافت ومتردد: “مي.. معلش، كنت عايز أطلب منك طلب.. بس بالله عليكِ اسمعيني للآخر”. جلست مي بقلق وقالت: “خير يا أحمد؟ في حاجة؟” سرد لها أحمد ما حدث مع أمه، حاول تخفيف لهجة أمه الحادة، لكنه لم يستطع إخفاء لب الموضوع: “أمي تعبانة والشقة تفتح النفس، وإخواتي مسافرين.. وهي مستنياكِ تروحي تنضفي وتغسلي السجاجيد وتعملي غدا”. نزلت الكلمات على مي كالصاعقة. لمعت الدموع في عينيها، ونظرت إلى يديها اللتين تؤلمانها من عمل المكتب طوال اليوم. وقفت وقالت بنبرة مكسورة: “سجاجيد يا أحمد؟ وفي أسبوع العيد؟ أنا راجعة مش شايلاني رجليا! هو أنا قصرت معاها في حاجة؟ أنا كل إجازة بروح أزورها وأعمل معاها الواجب.. ليه تضغط عليا وعليك بالطريقة دي؟” أحمد اقترب منها، وعيناه ترجوانها: “عشان خاطري يا مي، أنا عارف إنه فوق طاقتك، بس أمي زعلت ودعت عليا، وأنا مقدرش على غضبها.. عشان خاطري كبري تصغريش، وروحي معاها خطوة بخطوة وللا هنعمل إيه؟” نظرت مي إلى زوجها، رأت في عينيه قلة الحيلة والخوف من خسارة رضا أمه. ورغم الإرهاق والظلم الذي شعرت به، غلبتها أصالتها. تنفست الصعداء وقالت: “عشان خاطرك أنت بس يا أحمد.. وعشان مطلعكش صغير قدامها.. هروح”. في الصباح الباكر، استيقظت مي، وجسدها كله يؤلمها، وتوجهت إلى بيت حماتها. فتحت الأم الباب، وكانت ملامحها جامدة، تحاول إظهار “الهيبة” والانتصار. دخلت مي وسلمت عليها وقبلت رأسها قائلة: “سلامتك يا ماما، أحمد قالي إنك تعبانة، وأنا جيت أهو”. الأم بنبرة جافة: “أهلاً يا بنتي، كتر خيرك إنك فضيتي نفسك لحماتك. الشقة زي ما إنتي شايفه، والسجاجيد في الطرقة عايزة تتغسل عشان العيد”. بدأت مي العمل. كدست السجاجيد، وبدأت تسكب الماء والمساحيق وتدعك بكل ما أوتيت من قوة. كانت أنفاسها تتصاعد، وعرقها يتصبب، وكلما شعرت بالتعب، كانت تتذكر زوجها وتضغط على نفسها. الأم كانت تجلس في الشرفة، تراقبها من بعيد. كانت تتوقع أن ترى في عيني مي نظرات تحدٍ أو تأفف، لكنها لم ترَ إلا الصبر ومحاولة إتقان العمل رغم التعب الواضح على حركتها. بدأت الأم تشعر بضيق في صدرها. تذكرت كلام ابنها أحمد: “مراتي لسه راجعة من الشغل وتعبانة.. وشغل البيت هيدوس عليها جامد”. مرت الساعات، وانتقلت مي إلى المطبخ لإعداد الغداء كما طلبت الأم. كانت تقف أمام البوتاجاز وتتحامل على رجليها. فجأة، اختل توازن مي من شدة الإرهاق والهبوط، وتمسكت بحافة الرخام، وسقطت منها الملعقة على الأرض بصوت مرتفع. هرعت الأم إلى المطبخ بخوف حقيقي أكل كل كبريائها: “في إيه يا بنتي؟ جرى لك إيه؟” سندت الأم مي وأجلستها على كرسي، ونظرت إلى وجهها الذي أصبح أصفر كشاحب المـ,ـوت، ويديها اللتين احمرتا من خشونة دعك السجاجيد. في تلك اللحظة، انكسر شيء داخل الأم. رأت في مي ابنتها، وتخيلت لو أن ابنتها هي من تُعامل هكذا في بيت حماها. سالت دمعة من عين الأم، وقالت بصوت مليء بالندم: “سامحيني يا بنتي.. أنا افتريت عليكي وعلى ابني”. مي، رغم تعبها، ابتسمت بضعف وقالت: “ولا يهمك يا ماما، أنتِ زي أمي، وأنا أهم حاجة عندي رضاكي ورضا أحمد”. الأم احتضـ,ـنتها بقوة وقالت: “ملعون الشغل وملعونة السجاجيد اللي تعمل فيكي كدة.. اقعدي ارتاحي”. قامت الأم بنفسها، وأحضرت طعاماً بسيطاً، واتصلت بأحمد قائلة له بصوت باكٍ: “تعالى يا بني خد مراتك.. مراتك بـ ميت راجل، وشالتني في عينيها، وأنا اللي كنت ظالماها. ربنا يسعدكم ويهنيكم”. جاء أحمد مسرعاً، وعندما دخل الشقة ووجد أمه تحتـ,ـضن زوجته وتطعمها بيديها، شعر أن جبلاً من الهموم قد انزاح عن عاتقه. قبل يد أمه وقبل رأس زوجته، وعلم الجميع في تلك اللحظة أن البيوت لا تُبنى بالقسوة وفرض الكلمة، بل بالرحمة والتقدير، وأن رضا الأم لا يتناقض أبداً مع حماية الزوجة وصونها.