امي ومراتي2

بعد أن أغلقت الأم الهاتف، شعرت بنشوة انتصار مؤقتة، لكن الصمت الذي حلّ في شقتها المتبهدلة بدأ يضغط على أنفاسها. نظرت حولها إلى السجاجيد المفروشة والأثاث الذي علاه التراب، ثم نظرت إلى الهاتف في يدها، وشعرت بوخزة خفيفة في قلبها لم تفهم سببها في البداية.

في تلك الأثناء، في شقة الابن “أحمد”، كان يغلي من الداخل. كان يجلس على أريكة الصالة، يضع رأسه بين يديه، وقلبه يعتصر ألماً. كيف يوازن بين بر أمه التي سهرت عليه، وبين رحمة زوجته “مي” التي لا يرى النوم عينيها من مطاحن الحياة؟

قطع حبل أفكاره صوت المفتاح في الباب. دخلت “مي”، وكانت ملامحها تلخص حكاية يوم شاق؛ حقيبتها الثقيلة على كتفها، ووجهها شاحب من الإرهاق، لكنها بمجرد أن رأته، حاولت الابتسام وقالت: “مساء الخير يا حبيبي، هغير هدومي بسرعة وأقوم أحضر الغدا”.

نظر إليها أحمد، وابتلع غصته. لم يكن قادراً على النظر في عينيها. تنحنح وقال بصوت خافت ومتردد: “مي.. معلش، كنت عايز أطلب منك طلب.. بس بالله عليكِ اسمعيني للآخر”.

جلست مي بقلق وقالت: “خير يا أحمد؟ في حاجة؟”

سرد لها أحمد ما حدث مع أمه، حاول تخفيف لهجة أمه الحادة، لكنه لم يستطع إخفاء لب الموضوع: “أمي تعبانة والشقة تفتح النفس، وإخواتي مسافرين.. وهي مستنياكِ تروحي تنضفي وتغسلي السجاجيد وتعملي غدا”.

نزلت الكلمات على مي كالصاعقة. لمعت الدموع في عينيها، ونظرت إلى يديها اللتين تؤلمانها من عمل المكتب طوال اليوم. وقفت وقالت بنبرة مكسورة: “سجاجيد يا أحمد؟ وفي أسبوع العيد؟ أنا راجعة مش شايلاني رجليا! هو أنا قصرت معاها في حاجة؟ أنا كل إجازة بروح أزورها وأعمل معاها الواجب.. ليه تضغط عليا وعليك بالطريقة دي؟”

أحمد اقترب منها، وعيناه ترجوانها: “عشان خاطري يا مي، أنا عارف إنه فوق طاقتك، بس أمي زعلت ودعت عليا، وأنا مقدرش على غضبها.. عشان خاطري كبري تصغريش، وروحي معاها خطوة بخطوة وللا هنعمل إيه؟”

نظرت مي إلى زوجها، رأت في عينيه قلة الحيلة والخوف من خسارة رضا أمه. ورغم الإرهاق والظلم الذي شعرت به، غلبتها أصالتها. تنفست الصعداء وقالت: “عشان خاطرك أنت بس يا أحمد.. وعشان مطلعكش صغير قدامها.. هروح”.

في الصباح الباكر، استيقظت مي، وجسدها كله يؤلمها، وتوجهت إلى بيت حماتها.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *