عميت سنتين

أعرف أفرق بين اللي كان بينور حياتي…
واللي كان بيعيشني في ضلمة مرّت ثلاثة أشهر.
كانت قضية أحمد وندى حديث كل الناس.
الصحف كتبت عن الزوج الذي أخّر شفاء زوجته طمعًا في ثروتها، لكنهم ما عرفوش غير جزء صغير من الحقيقة.
أما أنا…
فكنت كل أسبوع أكتشف كذبة جديدة.
اتصل بيا المحامي وقال
يا مدام مريم… في حاجة لازم تشوفيها.
روحت المكتب.
حط قدامي كرتونة قديمة كان أحمد مخبيها في مخزن المعرض.
فتحها…
وكان جواها عشرات الدفاتر.
دفاتر بخط إيدي.
أيام الجامعة…
وأول الجواز…
وخطط المشروع اللي كنت بحلم أفتحه.
قال المحامي
دي مش أهم حاجة.
طلع فلاشة صغيرة.
وشغلها على الكمبيوتر.
ظهر تسجيل من كاميرا المكتب.
أحمد كان قاعد قدام موظف البنك.
بيقوله
هي مش هتعرف تقرأ، حط الورقة قدامها وخليها تمضي في المكان اللي أقولك عليه.
الموظف سأله بتردد
ولو رجع لها بصرها؟
ضحك أحمد.
وقال
مستحيل… أنا متأكد.
قفلت الفيديو.
ومشيت من غير ما أتكلم.
لأني لأول مرة…
فهمت إنه كان واثق إن عمري ما هعرف الحقيقة.
بعدها بأسبوع…
رن جرس الشقة.
فتحت الباب.
لقيت ست كبيرة واقفة.
ملامحها مرهقة.
وقالت بصوت مكسور
أنا أم أحمد.
استغربت.
وقالت بسرعة
عارفة إنك مش هتسامحينا… بس ممكن أتكلم خمس دقايق؟
دخلت.
بصت حواليها.
ولما شافت الصور اللي رجعت علقتها بعد ما رجع بصري…
عيطت.
وقالت
أنا ربيت ابني غلط.
كنت عارفة إنه بيكدب.
وعارفة إنه بيخون.
بس عمري ما تخيلت إنه يوصل لكده.
طلعت ظرف من شنطتها.
وقالت
ده كان عنده في الأوضة.
فتحته.
كان فيه خطاب.
بخط أحمد.
لكن عمره ما بعته.
كان مكتوب فيه
مريم…
أنا كنت بحبك يومًا ما.
بس يوم ما فقدتي بصرك، حسيت إن حياتي انتهت.
بدل ما أبقى سند ليكي…
بدأت أبص لنفسي.
وبعدين للفلوس.
وبعدين ما بقيتش شايف غير مصلحتي.
لحد ما بقيت شخص حتى أنا بقيت أكرهه.
قفلت الخطاب.
ورجعته لأمه.
قلت بهدوء
الاعتراف بعد خراب العمر… ما بيرجعش

العمر.
هزت رأسها وهي بتبكي.
وقبل ما تمشي قالت
ربنا يعوضك.
بعد ستة أشهر…
وقفت قدام لافتة جديدة.
مكتوب عليها
مركز النور لدعم مرضى فقدان البصر.
كان أول مشروع أعمله باسمي.
من فلوسي.
ومن حقي.
أي حد يدخل المركز…
كان يلاقي حد يعلمه يمشي.
ويقرأ بطريقة برايل.
ويتعامل مع الحياة من غير خوف.
وفي أول يوم افتتاح…
دخلت بنت صغيرة ماسكة إيد أمها.
البنت كانت لابسة نظارة سميكة.
وقالت لي
هو أنا هخف؟
ابتسمت.
ونزلت لمستواها.
وقلت
معرفش يا حبيبتي…
بس أعرف حاجة واحدة.
حتى لو الدنيا ضلمت شوية…
لازم تختاري كويس مين تمسكي إيده.
لأن أخطر أنواع العمى…
مش إن العين ما تشوفش.
أخطرها…
إن القلب يثق في الشخص الغلط مرّ عام كامل.
وفي صباح هادئ…
كنت قاعدة في مكتبي داخل مركز النور، أراجع ملفات المرضى، لما السكرتيرة دخلت وقالت
يا مدام مريم… في شخص طالب يقابلك، وبيقول إن الموضوع يخص القضية.
رفعت رأسي.
مين؟
اسمه شريف… وبيقول إنه كان محاسب في شركة جوز حضرتك.
سمحت له يدخل.
كان راجل في أوائل الأربعينات، باين عليه التوتر.
حط حقيبة جلدية على المكتب وقال
أنا استقلت من الشركة بعد القبض على أحمد… لكن ضميري معذبني من سنة.
فتح الحقيبة.
طلع منها ملفات وفلاشات.
وقال
أحمد ما كانش بيخطط ياخد بيتك ومعرض والدك بس… كان ناوي يعلن وفاتك قانونيًا لو فقدتِ بصرك تمامًا واتدهورت حالتك.
شهقت.
قال وهو بينزل عينه
كان مجهز تقارير طبية مزورة، وبيحاول يثبت إنك غير قادرة على إدارة أي حاجة، علشان يبقى هو الوصي على كل ممتلكاتك.
حسيت بقشعريرة.
سألته
وإنت ليه ساكت كل ده؟
رد بصوت مكسور
كنت خايف… لكن لما شفت اللي حصل، عرفت إن سكوتي كان جريمة.
سلمني كل المستندات، ومشى.
بعد شهر…
صدر الحكم.
امتلأت قاعة المحكمة.
كان أحمد واقف داخل القفص، وشعره بدأ يشيب.
ندى كانت في الجهة التانية، ما رفعتش عينها من الأرض.
القاضي تلا الحكم بهدوء.
إدانة أحمد في جرائم التزوير، والاحتيال، وتعمد الإضرار بزوجته، والشروع في الاستيلاء على أموالها.
وإدانة ندى لمشاركتها في التزوير وإخفاء الأدلة.
لما خلص…
لف أحمد ناحيتي لأول مرة من يوم القبض عليه.
كانت عيناه مليانة ندم.
قال بصوت واطي
سامحيني يا مريم…
بصيت له ثواني.
وقلت
أنا سامحت نفسي… لأنني وثقت فيك.
أما إنت…
فده بينك وبين ربنا.
وسبت القاعة من غير ما أبص ورايا.
في المساء…
رجعت البيت.
وقفت قدام المراية.
المراية اللي ما شفتش وشي فيها من أكتر من سنتين.
لمست آثار العملية حول عيني.
وابتسمت.
رجع لي بصري…
لكن اللي رجع أهم منه…
كرامتي.
وبينما كنت بقفل الشباك، دخلت أشعة الغروب تنور الصالة.
ابتسمت وأنا أهمس لنفسي
أوقات… ربنا بيأخر النور…
مش علشان يعاقبنا.
لكن علشان أول ما نشوف…
نعرف الحقيقة كاملة مرت سنتان.
الحياة أخيرًا بقت هادئة.
المركز كبر…
وبقى فيه عشرات المتطوعين، وكل أسبوع كنا نستقبل مرضى جداد فقدوا بصرهم، أو بدأوا رحلة العلاج.
وفي يوم جمعة…
كنت براجع ملفات التبرعات، لما موظف الاستقبال اتصل بيا.
قال
يا مدام مريم… في شاب مستني حضرتك برة، وبيقول إنه ابن حد تعرفيه.
خرجت.
لقيت شابًا في حوالي عشرين سنة.
ملامحه كانت مألوفة.
وقف أول ما شافني.
وقال بتوتر
حضرتك مدام مريم؟
أيوه.
مد إيده بورقة صغيرة.
أنا يوسف… ابن مدام روز.
اتجمدت مكاني.
مدام روز…
الشغالة اللي اشتغلت عندنا أكتر من عشر سنين، واللي أحمد اتهمها ظلمًا بالسرقة.
ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة وقال
ماما ماتت من شهر.
نزلت دموعي.
قال بسرعة
قبل ما تموت، وصتني أجيلك.
فتح ظرفًا قديمًا.
كان جواه رسالة مكتوبة بخط مدام روز.
يا بنتي مريم…
أنا عمري ما زعلت منك.
كنت عارفة إنك صدقتي جوزك لأنك كنتي بتحبيه.
ولما جيتي تعتذري لي بعد اللي حصل، سامحتك من قلبي.
بس كان نفسي أشوف اليوم اللي تعرفي فيه الحقيقة.
ولو الرسالة دي وصلت لك…
يبقى ربنا أظهر الحق.
أنا دعيتلك كل ليلة.
ودعيت إن ربنا يرد لك بصرك…
ويرد لك حقك.
ما قدرتش أكمل القراءة.
حضنت يوسف.
وقلت له
أمك كانت من أنضف الناس اللي عرفتهم.
هز رأسه وقال
هي كانت دايمًا تقول إنك مظلومة.
سألته
إنت بتشتغل؟
قال
لسه متخرج… وبدور على شغل.
ابتسمت.
وقلت
من النهارده… لو حابب، المركز محتاج حد أمين.
اغرورقت عيناه بالدموع.
وقال
دي كانت أمنية أمي.
بعد شهور قليلة…
وقف يوسف في مكتب الاستقبال، يستقبل الناس بنفس الابتسامة اللي كانت أمه تستقبلنا بيها زمان.
وفي آخر اليوم…
كنت ماشية في ممر المركز.
شفت لوحة كبيرة معلقة على الحائط.
مكتوب عليها
قاعة روز للتأهيل البصري.
وقفت قدامها.
ولأول مرة من سنين…
حسيت إن دائرة كاملة اتقفلت.
المظلومة رجعلها حقها.
والبريئة اتخلد اسمها.
أما أنا…
فبقيت أعرف إن أصعب لحظة في حياتي، لما فتحت عيني بعد سنتين…
كانت في الحقيقة بداية أجمل حياة ربنا كتبها لي مرّت خمس سنوات.
لم أعد أعد الأيام منذ عادت إليّ نعمة البصر.
صرت أعدّ الأرواح التي خرجت من مركز النور وهي تؤمن بالحياة من جديد.
وفي صباح خريفي هادئ…
وصلني اتصال من مستشفى القاهرة الجامعي.
قالت الطبيبة
يا مدام مريم… في مريضة صغيرة رافضة تعمل العملية، ومش راضية تسمع كلام حد. كل ما نكلمها تقول عايزة الست اللي رجعلها بصرها.
ذهبت في نفس اليوم.
دخلت الغرفة.
كانت الطفلة عندها تسع سنوات.
أول ما شافتني، سألتني بخوف
هو النور بيوجع؟
ابتسمت وجلست بجوارها.
وقلت
أيوه…
في الأول بيوجع.
لكن بعد شوية…
بتكتشفي إن اللي كان بيوجع بجد، هو الضلمة.
ابتسمت الطفلة لأول مرة.
ومدت إيدها تمسك إيدي.
بعد العملية بأسبوع…
خرجت وهي شايفة.
جريت في ممر المستشفى وهي تصرخ
يا ماما… أنا شايفة!
كل اللي في الدور صفقوا.
وأنا…
رجعت بي الذاكرة لأول يوم فتحت فيه عيني.
لكن الفرق كبير.
أنا أول حاجة شفتها كانت خيانة.
أما هي…
فأول حاجة شافتها كانت حضن أمها.
حمدت ربنا في سري.
وقلت
الحمد لله… مش كل البدايات المؤلمة بتتكرر.
في المساء…
رجعت البيت.
فتحت درج قديم كنت محتفظة فيه بكل حاجة تخص الماضي.
صورة زواجي.
نسخة من تقرير المستشفى.
الرسالة اللي باعتها الدكتورة هبة.
وآخر حاجة…
كانت الزجاجة البنية الفارغة، محفوظة

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *